مقالات

من يرصد من؟.. سؤال هريدي يفتح ملف إعلام وزارة البترول

قد يبدو السؤال البرلماني الذي تقدم به النائب حسين هريدي، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، بشأن تكلفة وطبيعة النشاط الإعلامي والاتصالي والرصد الإعلامي بقطاع البترول، للوهلة الأولى سؤالًا عن بند إنفاق: كم تدفع الوزارة على الإعلام؟ ولمن؟

لكن السؤال يذهب إلى مساحة أوسع: ما طبيعة العمل الإعلامي داخل قطاع البترول؟ وأين ينتهي التواصل المؤسسي، وأين يبدأ رصد منتقدي الوزارة والتعامل معهم؟

هريدي طلب من وزير البترول الكشف عن إجمالي تكلفة النشاط الإعلامي والاتصالي والعلاقات العامة بالوزارة والهيئة المصرية العامة للبترول والشركات القابضة والتابعة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وكذلك التعاقدات مع الشركات والمستشارين والأفراد في مجالات الإعلام والعلاقات العامة وإدارة المحتوى والرصد والتحليل الرقمي.

لكنه طرح أيضًا السؤال الأكثر حساسية: هل تقوم الوزارة أو الجهات التابعة لها برصد أو تجميع أو تحليل ما يصدر عن أعضاء مجلس النواب من أدوات رقابية وتصريحات ومداخلات إعلامية ومحتوى رقمي؟ ومن يقوم بذلك؟ ولمن ترفع التقارير؟ وكم يتكلف هذا النشاط؟

وامتد السؤال إلى ما إذا كان إعداد ردود أو مواد إعلامية تتناول أعضاء مجلس النواب بسبب ممارستهم لاختصاصاتهم الرقابية يدخل ضمن مهام الإدارات الإعلامية أو المستشارين والمتعاقدين مع القطاع.

منذ الاستجواب.. بدأت الملاحظة

الحقيقة أن مظاهر هذه القصة ليست جديدة. فمنذ أن تقدم النائب محمد فؤاد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل باستجوابه لوزير البترول، كنت أرصد وقائع متعددة تتعلق بطريقة التعامل الإعلامي مع الانتقادات الموجهة للقطاع، وهي وقائع موثقة، لكنني تعمدت عدم التوقف أمامها.

والسبب بسيط: كنت أعتبرها فرعيات.

الأهم كان ولا يزال: ماذا يحدث للإنتاج؟ ما خطط زيادة الغاز والزيت؟ أين المستهدفات؟ وما الذي تحقق منها؟

خصوصًا أن القطاع يواجه تحديات حقيقية ويحتاج إلى خطط تنفيذية وتحرك ملموس على الأرض، وهي أولوية أكدها رئيس الجمهورية مؤخرًا في متابعته لملف البترول وحديثه عن المستهدفات والخطط وزيادة الإنتاج.

لكن يبدو أن الفرعيات بدأت تتحول إلى أصل يستحق التوقف.

فمنذ الاستجواب، ظهرت بصورة متكررة تفاعلات من حسابات لأشخاص يعملون بالفعل في الإعلام والاتصال داخل الوزارة وشركات القطاع، وأحيانًا انتقلت من مناقشة مضمون الانتقاد إلى مناقشة صاحب الانتقاد نفسه ودوافعه وأدائه.

وبحسب ما اطلعت عليه، فإن بعض هذه التفاعلات ظهرت في توقيتات متقاربة ورسائل متشابهة، بما في ذلك خلال أوقات العمل الرسمية، فضلًا عن تداول نقاط ورسائل إعلامية للرد على بعض الملفات المثارة.

وأتحفظ عن نشر أسماء العاملين المعنيين، رغم توافرها وتوثيق الوقائع؛ لأن القضية ليست في الأشخاص أو ملاحقة موظف بسبب رأي عبّر عنه. القضية هي طريقة إدارة الإعلام داخل القطاع، وأين ينتهي الرأي الشخصي وأين يبدأ النشاط الوظيفي الممول من المال العام.

وهذه الوقائع لا تكفي وحدها للجزم بوجود تكليف رسمي، وهو تحديدًا ما يجعل سؤال هريدي ضروريًا.

«الرد بالإنابة»
هناك مظهر آخر يستحق التوقف: الرد بالإنابة. فخلال الفترة نفسها، ظهرت مواد إعلامية تتولى «تصحيح» تصريحات أو أرقام تخص القطاع نقطة بنقطة، بدلًا من أن يصدر التصحيح مباشرة عن الوزارة.

وفي إحدى الوقائع، نُشرت مادة تتضمن مجموعة من «التصحيحات» لتصريحات تتعلق بوزارة البترول وتقرير لصندوق النقد الدولي. وعندما تساءل أحد المتابعين عما إذا كان عليه أن يصدق «صحفيًا مجهولًا» أم صاحب التصريحات، ظهر الصحفي «المجهول» بنفسه في التعليقات، لكن النقاش انتقل من تقديم بيانات أو مستندات رسمية إلى انتقاد صاحب التصريحات ومعلوماته وتحليلاته.

وأتحفظ هنا أيضًا عن ذكر الأسماء، فالأشخاص ليسوا محل القضية.

والسؤال أبسط من ذلك: إذا كانت هذه التصحيحات تعكس معلومات صحيحة لدى الوزارة، فلماذا لا تصدرها الوزارة بنفسها؟

إذا كان الرقم خاطئًا، فلتعلن الرقم الصحيح ومصدره. وإذا كانت قراءة تقرير غير دقيقة، فلتضع النص الذي يصححها أمام الرأي العام.

أما أن يأتي التصحيح بطريق غير رسمي، ثم تظهر تفاعلات من داخل القطاع تدافع عنه، بينما يغيب الرد المؤسسي المباشر، فهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل أصبح «الرد بالإنابة» بديلًا عن الرد الرسمي؟

عندما أقلق الرصد مجلس العموم البريطاني

للقصة سابقة لافتة في بريطانيا. ففي عام 2023 كشف النائب المحافظ السير كريستوفر شوب أن معلومات مرتبطة به دخلت ضمن نشاط «وحدة الاستجابة السريعة» الحكومية. وطرح القضية داخل مجلس العموم متسائلًا عن سبب استخدام أموال دافعي الضرائب في رصده، ومن أجاز ذلك ولماذا.

وأكدت الحكومة أن الوحدة أُنشئت عام 2018 وأُلغيت في أغسطس 2022، وأن مهمتها كانت متابعة ما يدور في المجال الإعلامي والرقمي بشأن سياسات الحكومة. كما دافعت عن نشاطها باعتباره رصدًا للموضوعات والاتجاهات وليس استهدافًا للأشخاص.

ولا يعني ذلك أن الحالتين متطابقتان. لكن السابقة تطرح معيارًا مهمًا: إذا كان مجرد الرصد استدعى مساءلة عن استخدام أموال دافعي الضرائب، فما بالنا إذا كان السؤال المطروح هو احتمال تجاوز الرصد إلى الرد والتفاعل والمواجهة الإلكترونية؟

من يدفع؟ ومقابل ماذا؟

من حق وزارة البترول، بل ومن واجبها، أن تمتلك جهازًا إعلاميًا محترفًا يرصد ما ينشر عن القطاع، ويصحح المعلومات الخاطئة، ويتيح البيانات ويشرح سياسات الوزارة.

لكن من حق دافع الضرائب أيضًا أن يعرف: كم يتكلف هذا الجهاز؟ ومن يعمل فيه؟ وماذا يفعل تحديدًا؟

وهو سؤال أكثر أهمية في قطاع يحتاج اليوم إلى توجيه جهده وموارده إلى زيادة الإنتاج، وجذب الاستثمار، وتنفيذ خطط ومستهدفات قابلة للقياس وتحقيق نتائج ملموسة على الأرض.

ومن حق البرلمان أن يعرف: هل يتم رصد النواب؟ هل تعد تقارير عن نشاطهم؟ لمن تذهب؟ هل توجد رسائل موحدة يتم توزيعها؟ وهل التفاعل من الحسابات الشخصية للعاملين يدخل ضمن أي تكليف وظيفي؟

هذه ليست معركة بين نائب وموظفين. وأهمية سؤال حسين هريدي أنه ينقل المسألة من الأشخاص إلى المؤسسة، ومن التكهنات إلى طلب إجابة رسمية.

ظللت أتعامل مع هذه الوقائع باعتبارها «فرعيات»، لأن الأصل هو الإنتاج والخطط والأرقام والنتائج.

لكن عندما تتكرر الفرعيات، ويصبح السؤال متعلقًا باستخدام الوقت والموارد والمال العام، فقد تكون هي نفسها جزءًا من المشكلة.

ويبقى السؤال الأبسط: إذا كان البرلمان هو من يراقب الحكومة، فكيف وصلنا إلى أن يصبح السؤال مشروعًا: هل تُنفق أموال دافعي الضرائب على رصد من يراقب الحكومة والرد عليه؟

زر الذهاب إلى الأعلى