آمال إسماعيل.. 84 عامًا تهزم المرض وتحقق حلم الدكتوراه وتُكرم أمام الرئيس السيسي

في مشهد يجسد قوة الإرادة والإصرار على تحقيق الأحلام مهما طال الزمن، شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم الأربعاء، الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، الذي نظمته وزارة الأوقاف بالعاصمة الجديدة، حيث كرم عددًا من الشخصيات المؤثرة وعلماء الأزهر ووزارة الأوقاف، وكان من بين المكرمين الدكتورة آمال إسماعيل متولي، صاحبة الـ84 عامًا، التي استطاعت أن تحول قصة حياتها من رحلة طويلة مليئة بالتحديات إلى نموذج ملهم في طلب العلم ومواجهة المرض والتمسك بالأحلام.
وجاء تكريم الدكتورة آمال بعد أشهر قليلة من حصولها على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من كلية الآداب بجامعة المنصورة، لتثبت من جديد أن العمر لا يمكن أن يكون عائقًا أمام التعلم، وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ رحلة جديدة في أي مرحلة من مراحل حياته.
آمال إسماعيل.. حلم بدأ في سن مبكرة
بدأت قصة آمال إسماعيل مع التعليم في وقت مبكر، لكنها لم تسر كما كانت تتمنى فقد اضطرتها أسرتها إلى ترك الدراسة من أجل الزواج وهي في الثانية عشرة من عمرها، وكانت وقتها تدرس في الصف الثاني الإعدادي بمدرسة العائلة المقدسة في المنصورة.
ورغم انقطاعها عن التعليم الرسمي، لم ينقطع ارتباطها بالعلم والمعرفة، وظلت لسنوات طويلة تقرأ وتثقف نفسها داخل منزلها، محتفظة بحلم العودة إلى مقاعد الدراسة.
وعلى مدار 26 عامًا، لم تستسلم آمال للظروف، حتى جاءت الفرصة التي سمحت لها باستكمال تعليمها، خاصة بعد سفر زوجها للعمل بالخارج وفي عمر 38 عامًا تمكنت من الحصول على الشهادة الإعدادية، لتكون تلك الخطوة بداية جديدة في رحلة استمرت لعشرات السنوات.

الأسرة والأبناء والمرض.. تحديات لم توقف الرحلة
لم يكن طريق آمال بعد الحصول على الشهادة الإعدادية سهلًا، إذ توقفت عن الدراسة مرة أخرى بسبب مسؤولياتها الأسرية، وانشغالها بتربية أبنائها الأربعة، الذين حرصت على تعليمهم حتى حصلوا على شهادات عليا.
وبعد أن أدت رسالتها تجاه أبنائها، عادت آمال إلى حلمها القديم، لكنها واجهت اختبارًا جديدًا عندما أصيبت بمرض السرطان، ثم فقدت زوجها، لتجد نفسها أمام ظروف كان من الممكن أن تدفع أي شخص إلى التخلي عن طموحه.
إلا أن آمال لم تنظر إلى تلك الأحداث باعتبارها نهاية الطريق، وإنما جعلتها دافعًا للعودة إلى حلمها. وبعد التغلب على المرض، قررت أن تستأنف تعليمها من جديد، لتلتحق بالمرحلة الثانوية وهي في 68 عامًا.
من الثانوية إلى كلية الآداب في السبعينيات
حققت آمال مفاجأة جديدة عندما حصلت في الثانوية العامة على مجموع 305.5 درجة، وهو ما أهلها للالتحاق بكلية الآداب قسم علم الاجتماع بجامعة المنصورة.
وكان عمرها وقت الالتحاق بالجامعة نحو 71 عامًا، لتبدأ مرحلة مختلفة تمامًا في حياتها، وتجلس وسط طلاب أصغر منها بعشرات السنوات، لكنها كانت تحمل دافعًا قويًا جعلها تستمر في الطريق.
لم تكتف آمال بالحصول على الليسانس، بل قررت مواصلة مشوارها الأكاديمي، فالتحقت بالدراسات العليا وخاضت تجربة الماجستير، التي اجتازتها بتفوق، قبل أن تواصل طريقها نحو الدكتوراه.

السرطان يعود.. والإرادة تنتصر مرة أخرى
وخلال سنوات دراستها، عادت المعاناة الصحية من جديد، حيث هاجم السرطان السيدة الثمانينية مرة ثانية، لكن المرض لم ينجح في إيقافها.
واصلت آمال دراستها وأبحاثها، متحدية ظروفها الصحية، حتى تمكنت من الوصول إلى مرحلة إعداد رسالة الدكتوراه ولم تكن هذه المرحلة هي الأخرى خالية من الصعوبات، إذ تعرضت لكسر في الحوض، إلى جانب أزمة صحية استدعت تدخلات علاجية، وهو ما تسبب في تأجيل مناقشة رسالتها.
لكنها عادت مرة أخرى لاستكمال البحث، لتؤكد أن الطريق إلى الهدف قد يتعثر، لكنه لا ينتهي ما دام صاحبه متمسكًا بحلمه.
رسالة الدكتوراه.. «الشيخوخة النشطة» عنوانًا للبحث
حملت رسالة الدكتوراه التي أعدتها آمال إسماعيل عنوان: «الشيخوخة النشطة وعلاقتها ببعض المتغيرات السوسيولوجية.. دراسة لبعض الحالات المختارة بجامعة المنصورة».
ويحمل موضوع الرسالة دلالة خاصة، فهو يتناول قضايا كبار السن وجودة الحياة والشيخوخة النشطة، وهي موضوعات تتقاطع بصورة واضحة مع تجربتها الشخصية في الحياة.
وبعد نحو 3 سنوات ونصف من العمل والبحث، حصلت آمال على درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف العليا، كما أوصت لجنة المناقشة بطبع الرسالة وتبادلها مع الجامعات، في تقدير يعكس القيمة العلمية للعمل الذي قدمته الباحثة.
تصريحات آمال إسماعيل.. «العمر مجرد رقم»
وفي حديثها عن رحلتها، أكدت الدكتورة آمال إسماعيل لـ ليبرالى أن الوصول إلى الدكتوراه لم يكن مجرد الحصول على شهادة علمية، وإنما كان انتصارًا على مجموعة متتالية من الظروف الصعبة.
وتعبر تجربتها عن رسالة واضحة مفادها أن «العمر مجرد رقم» عندما يتعلق الأمر بالطموح والرغبة في التعلم، وأن الإنسان لا ينبغي أن يتخلى عن حلمه لمجرد أن الظروف أخرت تحقيقه.
كما أوضحت أن رحلة العلم بالنسبة إليها لم تكن مرتبطة بمرحلة عمرية محددة، فقد بدأت من جديد بعد الزواج وتربية الأبناء، ثم عادت إلى الدراسة في سن متقدمة، وواصلت حتى وصلت إلى أعلى درجة أكاديمية.
وتكشف تصريحاتها عن فلسفة بسيطة لكنها عميقة: «شغف العلم لا يرتبط بالسن»، وأن الرغبة في المعرفة يمكن أن تظل حاضرة مهما تقدم الإنسان في العمر.
لحظة التكريم أمام الرئيس السيسي
وجاء تكريم الرئيس عبد الفتاح السيسي للدكتورة آمال إسماعيل خلال احتفال المولد النبوي الشريف ليمنح قصتها بُعدًا جديدًا، بعدما تحولت تجربتها الشخصية إلى نموذج عام للإصرار والمثابرة.
وكانت لحظة التكريم تتويجًا لسنوات طويلة من العمل، بدأت منذ أن اضطرت إلى ترك المدرسة في الثانية عشرة من عمرها، ثم عادت إليها في الثامنة والثلاثين، قبل أن تلتحق بالجامعة في السبعينيات من عمرها، وتواصل طريقها حتى الدكتوراه.
وفي قاعة مناقشة الرسالة، كانت أسرتها حاضرة لمشاركتها لحظة التتويج، حيث حرص أبناؤها وأحفادها على الوجود بجوارها، في مشهد عائلي مؤثر يجسد ثمرة سنوات طويلة من التضحية.
نموذج يتجاوز حدود الشهادة
قصة الدكتورة آمال إسماعيل لا تتوقف عند الحصول على درجة الدكتوراه، وإنما تمثل نموذجًا لقدرة الإنسان على إعادة بناء مستقبله مهما كانت الظروف.
فمن طفلة اضطرت إلى ترك التعليم في سن الثانية عشرة، إلى أم كرست سنواتها لتربية أبنائها، ثم طالبة عادت إلى الدراسة في الثامنة والستين، وأكاديمية حصلت على الدكتوراه في الرابعة والثمانين، امتدت الرحلة عبر أكثر من سبعة عقود.
ولهذا فإن تكريم آمال إسماعيل لا يمثل تقديرًا لشهادة علمية فقط، وإنما احتفاء بقيمة الإصرار والصبر وحب العلم، ورسالة إلى كل من يعتقد أن الفرصة قد فاتته بأن البداية الجديدة تظل ممكنة، وأن الوصول إلى الهدف قد يتأخر، لكنه لا يصبح مستحيلًا.






