في ذكرى ميلاد عبد السلام النابلسي.. كيف صنع “الكونت” بطولة من الدور الثاني؟

تحل اليوم، 23 أغسطس، ذكرى ميلاد الفنان عبد السلام النابلسي، أحد أبرز نجوم الكوميديا في السينما المصرية والعربية، والذي استطاع أن يصنع لنفسه مكانة استثنائية في ذاكرة الجمهور، رغم أن معظم أعماله لم تعتمد على البطولة المطلقة.
لم يكن عبد السلام النابلسي، مجرد ممثل يؤدي دور “السنيد” إلى جوار البطل، بل كان في كثير من الأحيان أحد أبرز أسباب نجاح العمل، بفضل حضوره المختلف، وطريقته الخاصة في الإلقاء، ونبرته الصوتية المميزة، وتعابير وجهه، وقدرته على تحويل الشخصيات المساندة إلى أدوار لا تقل أهمية عن أدوار البطولة.
من أسرة دينية إلى عالم الفن
وُلد عبد السلام عبد الغني النابلسي، في 23 أغسطس 1899 في لبنان، لأسرة ذات أصول فلسطينية، وارتبط اسم عائلته بمدينة نابلس، وكان والده وجده من رجال القضاء.
نشأ النابلسي في بيئة محافظة، وكان من المتوقع أن يسير على خطى أسرته، إلا أن حياته اتخذت مسارًا مختلفًا عندما جاء إلى القاهرة في سن العشرين للدراسة في الأزهر الشريف.
حفظ القرآن الكريم، وبرع في اللغة العربية، كما أتقن الفرنسية والإنجليزية، لكن القاهرة فتحت أمامه أبوابًا أخرى؛ حيث انجذب إلى الصحافة والمسرح والفن، ليبدأ رحلة أصبحت لاحقًا واحدة من أبرز قصص النجاح في تاريخ السينما المصرية.
الصحافة.. أولى خطوات عبد السلام النابلسي في عالم الفن
قبل أن يصبح أحد أشهر نجوم الكوميديا، عمل عبد السلام النابلسي في مجال الصحافة الفنية والأدبية، وتنقل بين عدد من المجلات، من بينها “مصر الجديدة” و”اللطائف المصورة” و”الصباح”.
ولم تكن الصحافة مجرد مرحلة عابرة في حياته، وإنما أسهمت في تكوين شخصيته وثقافته الفنية، ومنحته معرفة واسعة باللغة والأدب والفنون، وهي عناصر انعكست بصورة واضحة على أسلوبه في التمثيل.
المسرح.. البداية الحقيقية
في عشرينيات القرن الماضي، اتجه النابلسي إلى المسرح، وانضم إلى فرقة رمسيس، ثم عمل مع فرقة جورج أبيض، مستفيدًا من إجادته للغة العربية الفصحى.
واللافت أن بدايته لم تكن في الكوميديا، إذ حاول تقديم الأدوار التراجيدية، لكن إحدى الوقائع خلال مشاركته في مسرحية “يوليوس قيصر” ساهمت في تغيير مساره الفني.
فبدلًا من أن يتفاعل الجمهور مع المشهد التراجيدي، أثار أداء النابلسي ضحكات الحاضرين، وهو ما دفع جورج أبيض إلى تشجيعه على الاتجاه إلى الكوميديا، لتبدأ ملامح الشخصية الفنية التي عرفها الجمهور فيما بعد.
“غادة الصحراء”.. أول أفلام عبد السلام النابلسي
دخل عبد السلام النابلسي عالم السينما في نهاية عشرينيات القرن الماضي، وظهر للمرة الأولى من خلال فيلم غادة الصحراء عام 1929، ثم جاءت مشاركته في فيلم وخز الضمير عام 1931 لتلفت الأنظار بصورة أكبر إلى موهبته.
وفي سنواته الأولى، لم يكن النابلسي قد استقر بعد على الشخصية الكوميدية التي ارتبط بها اسمه، فقدم عددًا من الشخصيات المتنوعة، بينها أدوار الشر والشخصيات المستهترة والمحتالة.
من التمثيل إلى العمل خلف الكاميرا
لم يكتفِ النابلسي بالتمثيل، وإنما خاض تجربة العمل خلف الكاميرا أيضًا، حيث عمل مساعدًا للمخرج، وارتبط اسمه بالعمل مع الفنان والمخرج يوسف وهبي.
وأتاحت له هذه التجربة التعرف بصورة أكبر على تفاصيل صناعة الفيلم، وإدارة الممثل والشخصية داخل العمل، قبل أن يتفرغ تدريجيًا للتمثيل، خاصة مع تزايد الطلب عليه في الأدوار الكوميدية.
“الكونت دي نابلسي”.. سر الشخصية التي لا تُنسى
ارتبط اسم عبد السلام النابلسي بلقب “الكونت”، وقيل إن يوسف وهبي أطلق عليه لقب “الكونت دي نابلسي”، في إشارة إلى طريقته في تقديم الشخصيات الأرستقراطية المتعالية خفيفة الظل.
ومع مرور السنوات، نجح النابلسي في تكوين مدرسة خاصة في الأداء، اعتمدت على صوته المميز، وطريقة نطقه المتأنية، والمبالغة المحسوبة في الحركة، واستخدام اللغة العربية الفصحى أو الألفاظ غير المألوفة، إلى جانب الملابس والإكسسوارات وتعابير الوجه.
وهكذا أصبحت شخصيته على الشاشة قابلة للتعرف عليها من الوهلة الأولى، حتى دون ذكر اسمه في بداية المشهد.
لم يكن نجاح النابلسي قائمًا على أدائه الفردي فقط، وإنما تألق أيضًا من خلال عدد من أشهر الثنائيات في تاريخ السينما المصرية.
عبد السلام النابلسي وإسماعيل ياسين
شكل عبد السلام النابلسي وإسماعيل ياسين واحدًا من أشهر الثنائيات الكوميدية في السينما المصرية، وظهرا معًا في عدد كبير من الأفلام، من بينها “عفريتة هانم”، و”أحبك أنت”، و”إسماعيل ياسين بوليس سري”، و”إسماعيل ياسين في الجيش”، و”إسماعيل ياسين بوليس حربي”.
واعتمدت الكوميديا بينهما بدرجة كبيرة على التناقض بين شخصية إسماعيل ياسين وطريقة النابلسي المتأنقة والمتعالية، وهو التناقض الذي خلق العديد من المواقف الكوميدية التي بقيت حاضرة في ذاكرة الجمهور.
عبد السلام النابلسي وعبد الحليم حافظ
جمع النابلسي أيضًا عدد من أبرز أفلام عبد الحليم حافظ، حيث شاركا معًا في خمسة أفلام هي “ليالي الحب” عام 1955، و”فتى أحلامي” عام 1957، و”شارع الحب” و”حكاية حب” عام 1959، و”يوم من عمري” عام 1961.
وفي هذه الأعمال، قدم النابلسي غالبًا شخصية الصديق أو الشخصية المساندة، لكنه كان يضيف إلى الأحداث مساحة من الكوميديا والإنسانية جعلت حضوره جزءًا أساسيًا من تركيبة الفيلم.
“حلاق السيدات”.. عندما أصبح عبد السلام النابلسي بطلاً
رغم ارتباط اسم عبد السلام النابلسي لسنوات بأدوار الرجل الثاني، فإنه حاول كسر هذا القالب وتقديم نفسه في بطولة مطلقة.
وكان فيلم حلاق السيدات عام 1960، من أبرز تجاربه في البطولة، حيث تصدر النابلسي العمل، بينما ظهر إسماعيل ياسين في دور ثانٍ، في تجربة عكست المكانة الكبيرة التي وصل إليها النابلسي داخل عالم الكوميديا.
التأليف والإنتاج
امتدت مواهب عبد السلام النابلسي إلى جوانب أخرى من صناعة السينما، فلم يقتصر نشاطه على التمثيل، بل شارك أيضًا في الإنتاج وكتب عددًا من الأعمال.
ومن بين تجاربه فيلم حبيب حياتي عام 1958، بما يعكس رغبته في خوض أكثر من مجال داخل الصناعة السينمائية، وعدم الاكتفاء بالوقوف أمام الكاميرا.
الأزمة المالية والضرائب
رغم الشهرة والنجاح، واجه عبد السلام النابلسي أزمات مالية صعبة خلال السنوات الأخيرة من حياته.
ومع تفاقم مشكلاته المتعلقة بالضرائب والظروف المالية، غادر مصر وعاد إلى لبنان، حيث تولى إدارة الشركة المتحدة للأفلام وخاض تجربة في مجال الإنتاج.
وأثرت هذه الأزمات على سنواته الأخيرة، لتصبح حياته بعيدًا عن الشاشة أكثر صعوبة، رغم المكانة التي كان قد حققها لدى الجمهور.
زواج عبد السلام النابلسي بعد سنوات من العزوبية
اشتهر النابلسي لسنوات طويلة بلقب أشهر أعزب في الوسط الفني، قبل أن يتزوج في مرحلة متأخرة من حياته من جورجيت سبات.
وجاء الزواج بعد سنوات من ابتعاد النابلسي نسبيًا عن الارتباط، وعاش حياته الخاصة بعيدًا عن الأضواء إلى حد كبير، قبل أن يتزوج جورجيت التي كانت من معجباته، رغم فارق السن واعتراض أسرتها في البداية.
وفاة عبد السلام النابلسي عن عمر 69 عامًا
رحل عبد السلام النابلسي في 5 يوليو 1968 في بيروت، إثر أزمة قلبية، عن عمر ناهز 69 عامًا.
ورغم مرور أكثر من نصف قرن على وفاته، لم يغب النابلسي عن ذاكرة الجمهور، فما زالت أفلامه تحظى بالمشاهدة، وما زالت طريقته الخاصة في الأداء وإفيهاته وشخصياته تثير الضحك، خاصة في الأعمال التي جمعته بإسماعيل ياسين وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وغيرهم.
لماذا لم يكن عبد السلام النابلسي “الرجل الثاني”؟
تكمن أهمية عبد السلام النابلسي في أنه نجح في إعادة تعريف مفهوم الدور الثاني في السينما المصرية.
ففي الوقت الذي كان فيه البطل هو محور الأحداث، استطاع النابلسي أن يجعل الجمهور ينتظر ظهوره، وأن يحول الشخصية المساندة إلى عنصر يصعب الاستغناء عنه.
لم يكن بحاجة إلى البطولة المطلقة حتى يترك أثرًا، فقد صنع بطولة من نوع مختلف، بطولة التفاصيل والنبرة والحركة والكلمة والشخصية التي قد تظهر لدقائق، لكنها تظل عالقة في الذاكرة.
ولهذا، لا يمكن اختزال عبد السلام النابلسي في لقب “الكوميديان” فقط، فهو الصحفي والممثل والمخرج والمنتج والمؤلف، وصاحب مدرسة خاصة في الأداء، والأهم أنه أحد الفنانين الذين أثبتوا أن البطولة ليست دائمًا في صدارة الأفيش، وإنما في القدرة على ترك بصمة حقيقية في وجدان الجمهور.






