المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في قفص الاتهام.. لماذا غاب تأثيره؟
سؤال الساعة بعد تنامي الحوادث الأسرية والمجتمعية.. ومراقبون يطالبون بتنشيط بيت الخبرة الوطني وتفعيل دوره

د. فتحي قناوي: أبحاث “القومي للبحوث الجنائية” تنتظر من يطلبها.. وخلل الاختيار وتراجع دور الأسرة والسوشيال ميديا هم السبب في الجرائم الحالية
د. محمد سيد أحمد: أرى تراجعًا حادًا في دور المركز مع تحوله إلى بيئة طاردة للكفاءات وانتشار الطيور المهاجرة منه لخارجه
في خضم تصاعد الحوادث الأسرية والمجتمعية في مصر، من ارتفاع معدلات الطلاق والعنف الأسري إلى جرائم القتل المرتبطة بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية، يبرز تساؤل مشروع عن دور أحد أقدم بيوت الخبرة العلمية في البلاد: المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية.
وبينما تتوالى الأخبار عن جرائم أسرية مأساوية وظواهر مجتمعية معقدة، نادرًا ما تُستدعى دراسات المركز أو توصياته في النقاشات العامة أو الإعلامية بنفس القوة التي تستحقها خبرته المتراكمة على مدار سبعة عقود. وشهدت مصر مؤخراً موجة كثيفة من جرائم العنف الأسري والمجتمعي، أبرزها مذبحة التجمع الخامس (مذبحة النرجس)، ومذبحة 15 مايو (مجزرة جلسة الصلح العائلية)، وجريمة سيدي بشر بالإسكندرية (قتل الوالدة وتقطيع الجثمان)، ومجزرة أسيوط العائلية، بجانب وقائع قتل أخرى بسبب خلافات مالية أو زوجية تحولت إلى حوادث هزت الرأي العام.
تأسس المركز عام 1955 بموجب القانون رقم 632 لسنة 1955 كـ “معهد قومي للبحوث الجنائية”، ثم أعيد تنظيمه بالقانون رقم 221 لسنة 1959 ليحمل اسمه الحالي، وأصبح هيئة عامة ذات شخصية اعتبارية مستقلة بقرار جمهوري عام 1969، ويتبع حالياً وزارة التضامن الاجتماعي. ويهدف المركز منذ نشأته إلى النهوض بالبحوث العلمية التي تتناول المشكلات الاجتماعية والجنائية، ووضع أسس لسياسات رشيدة تستند إلى الأدلة، من خلال دراسات ميدانية وتوصيات لصانع القرار.
للمركز الذي تترأسه حاليًا الدكتورة هالة رمضان، تاريخ طويل في إنتاج دراسات أسهمت في صياغة استراتيجيات مكافحة المخدرات وقوانين وتشريعات اجتماعية، كما يصدر دوريات علمية مرموقة. ومع ذلك، يبدو حضوره في المشهد العام محدوداً مقارنة بحجم التحديات الراهنة، وفق مراقبين.
تراجع كبير
في البداية، يؤكد الدكتور محمد سيد أحمد، أستاذ علم الاجتماع السياسي، في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي” أن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية يشهد تراجعاً كبيراً في أدواره ومكانته البحثية، بعد أن كان في الماضي يعج بأعظم الباحثين، وكان سباقاً في مناقشة ومعالجة العديد من القضايا والمشكلات الاجتماعية قبل وقوعها.

ويوضح د.محمد سيد أحمد أن المركز لم يعد يضم أسماءً بارزة كما كان في السابق، مشيراً إلى أنه كان المصدر الذي خرجت منه قامات علمية بارزة في مجال علم الاجتماع، من بينهم الدكتور عبد الباسط عبد المعطي، والدكتور علي ليلة، والدكتور أحمد مجدي حجازي، فضلاً عن كونه مقصداً وجاذباً للأكاديميين والباحثين من مختلف الجامعات باعتباره المؤسسة البحثية الأولى وبيت الخبرة الوطني الأهم في مصر.
ويشير أستاذ علم الاجتماع السياسي إلى أن المركز تحول في الفترة الأخيرة إلى بيئة “طاردة” للباحثين؛ حيث دفعت الظروف الراهنة الكفاءات والباحثين الكبار للنزوح نحو الجامعات، بينما يسعى من تبقى منهم بمن فيهم عدد من أبرز الباحثين حالياً لإيجاد فرص عمل داخل الجامعات للهروب من المركز، وفق معلوماته، مشددًا على الحاجة الماسة لنظرة رسمية وأكاديمية للاعتناء بدور هذا المركز وتدارك وضعه في المرحلة القادمة.
ويلفت الدكتور محمد سيد أحمد الانتباه إلى أن ظاهرة منتشرة في المركز وهي “الطيور المهاجرة” التي اضطرت للخروج من المركز، فيما يرجع السبب في ذلك إلى غياب الاهتمام وضعف الميزانيات المخصصة للبحث العلمي، مما حال دون إجراء بحوث ميدانية على المستوى القومي كما كان يحدث سابقاً، وأدى إلى حالة من العقم البحثي بحسب وصفه وإحباط الباحثين وتراجع خبراتهم لعدم إشراكهم في مشاريع بحثية حقيقية.
“نحن موجودين.. ولكن”
من جانبه، يرى الدكتور فتحي قناوي، أستاذ كشف الجريمة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي” أنه لا يمكن تقييم أداء المركز القومي للبحوث وحضوره بمعدل الجرائم أو توقفها، فهو يؤدي دوره بالكامل كما تؤدي أجهزة الشرطة والعدالة واجبها كاملاً، ولا يعني ذلك غياب الجرائم، مشيراً إلى أن أسباب تغير طبيعة الجرائم والظواهر السلوكية في المجتمع يعود بالأساس إلى مشاكل اجتماعية عميقة تتعلق بالأسرة والتأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي.

ويضيف القناوي، أن الأسرة شهدت تغيراً كبيراً في أدوارها، بدءاً من المعايير الخاطئة في الاختيار للزواج التي أصبحت تعتمد على السن أو المنفعة وتحولت لعملية شبيهة بالتجارة، وصولاً إلى غياب التربية والمودة والرحمة والانشغال التام بالهواتف المحمولة وضغوط العمل، حتى أصبح أفراد البيت الواحد لا يجتمعون على مائدة واحدة.
ويوضح القناوي أن المركز يقدم أبحاثاً واستطلاعات رأي شاملة تغطي التخصصات القانونية والجنائية والنفسية عبر شعب متعددة، منها قسما “كشف الجريمة” و”بحوث الجريمة”، مشدداً على أن أبحاث المركز متوفرة وتنتظر من يطلبها ويستفيد منها في وضع الحلول، مشبهاً الأمر بالطبيب الذي ينتظر المريض ليذهب إليه حتى يكتب له التشخيص والعلاج، مضيفًا أن حل المشكلات المجتمعية الحالية يكمن في مسارين أساسيين: الحد من الآثار السلبية للسوشيال ميديا والتكنولوجيا، و إعادة بناء الأسرة على أسس سليمة، وزيادة الوعي المجتمعي بالأخلاق وقيم التلاحم الأسري. فيما يدعو القناوي وسائل الإعلام والنخب للتواصل مع إدارة المركز، للاطلاع على الأبحاث والدراسات الجاهزة للتطبيق ميدانياً ومساعدتهم في التوعية بما في هذه الدراسات.
بروتوكول تعاون مع الهيئة العامة للاستعلامات
ميدانيا، وقّع المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بروتوكول تعاون مع الهيئة العامة للاستعلامات، الاثنين 27 يوليو الماضي، بحضور الدكتورة هالة رمضان علي، مدير المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، والسفير علاء الدين زكريا يوسف، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات. وأكدت مدير المركز القومي أن البروتوكول يعكس توجهًا لتوظيف مخرجات البحث العلمي في خدمة المجتمع من خلال الاستفادة من خبرات المركز البحثية، موضحة أن هذه الخبرات تسهم في إعداد رسائل إعلامية تستجيب لأولويات المجتمع وقضاياه، وتهدف إلى تبسيط نتائج الدراسات ونقلها للمواطنين بما يعزز الوعي المجتمعي ويدعم جهود التنمية.

ويستهدف البروتوكول بالأساس تعزيز الوعي المجتمعي من خلال تنظيم الندوات واللقاءات التثقيفية وورش العمل وحملات التوعية الميدانية، والوصول إلى المواطنين في مختلف المحافظات، بما يسهم في رفع الوعي بالقضايا الاجتماعية والجنائية والتنموية ذات الأولوية، كما يشمل التعاون تنفيذ مشروعات بحثية مشتركة، وتبادل الخبرات والباحثين، وتنظيم المؤتمرات والفعاليات العلمية، إلى جانب التعاون في مجالات النشر العلمي وتبادل الإصدارات، بما يعزز الاستفادة من الإمكانات والخبرات لدى الجانبين.






