أماني الطويل في مؤتمر «العدل»: أزمة مصر وإثيوبيا ممتدة.. والتعاون بين دول حوض النيل ضرورة
أسماء الحسيني تدعو لتعزيز الحضور المصري في أفريقيا بالشراكات والتنمية
شهدت الجلسة الثانية من المؤتمر الموسع الذي نظمه حزب العدل مساء اليوم الأربعاء، تحت عنوان «أفريقيا.. زمن إعادة الحسابات: قراءة في تحولات البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومستقبل الدور المصري»، مناقشات ثرية حول ملف «تحولات القرن الأفريقي وتداعياتها على الأمن القومي المصري وإعادة تشكيل موازين النفوذ الإقليمي».
وتحدث في الجلسة الأكاديمية الدكتورة أماني الطويل، والصحفي الإريتري محمد أبو بكر، والمحلل السياسي السوداني محمد الأمين عبد النبي، فيما قدم الجلسة الكاتب نبيل نجم.
الأزمة مع إثيوبيا ممتدة
من جانبها، أكدت الدكتورة أماني الطويل، الخبيرة والأكاديمية المتخصصة في الشأن الإفريقي والسوداني، أن الأزمة بين مصر وإثيوبيا من الأزمات الممتدة التي تدار ولا تحسم، مشيرة إلى أن الرهان على سيناريو «تفكيك إثيوبيا» جراء الصراعات القومية الداخلية هو رهان غير واقعي ولا يدعمه المجتمع الدولي.
وأوضحت الطويل، خلال كلمتها، أن إثيوبيا تعد نقطة ارتكاز رئيسية وحليفًا استراتيجيًا للقوى الدولية وإسرائيل في المنطقة، مستشهدة بالتدخل الأمريكي المباشر لإنهاء حرب «تيجراي» وصياغة اتفاق «بريتوريا» للحفاظ على وحدة الدولة الإثيوبية ومنع انهيارها.
تحديات ضاغطة على الأمن القومي المصري
أشارت المتخصصة في الشأن السوداني إلى أن فتح جبهات عسكرية جديدة في شرق السودان وولاية النيل الأزرق يمثل ضغطًا استراتيجيًا وعسكريًا واقتصاديًا مباشرًا على مصر، لا سيما مع تزايد تدفقات النازحين واللاجئين، مؤكدة في الوقت ذاته أن مصر تملك القدرات والإمكانات الصلبة التي تجعلها نقطة ارتكاز قادرة على مواجهة هذه التحديات.
وشددت على أهمية تنويع أدوات المجهود المصري وتفعيل الدور السياسي والحزبي في فتح قنوات تواصل مع الأحزاب النظيرة في أفريقيا لدعم استقرار مفهوم الدولة الوطنية، والتي تواجه خطر الانقسام والتفكك في عدة دول بالمنطقة مثل السودان، والصومال، وليبيا.
تغيرات إقليمية وتوازنات دولية
وفيما يتعلق بالروابط الإقليمية، دعت الطويل دول وادي النيل «مصر، والسودان، وجنوب السودان» إلى تعزيز التعاون المشترك لمواجهة المخاطر الراهنة، مشيدة بمتانة العلاقات المصرية مع إريتريا والكونغو الديمقراطية.
وأشارت إلى أن المنطقة تمر بظروف استثنائية معقدة، متوقعة أن تشهد السنوات القادمة تحولات في توازنات القوى وانحسارًا تدريجيًا للهيمنة الأحادية، مما يتطلب من دول المنطقة صياغة رؤى استراتيجية ثابتة ومستقرة لحماية أمنها القومي.
القرن الأفريقي على أعتاب إعادة تشكيل الخارطة السياسية
وفي كلمته، أكد الصحفي الإريتري محمد أبو بكر، أن منطقة القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر تشهد ما يمكن تسميته بإعادة تشكيل لخارطة النفوذ الإقليمي والدولي؛ نتيجة تضاعف الصراع على الممرات المائية الحيوية، خاصة بعد اتساع دوائر التأثير في المضايق البحرية، وهو ما جعل المنطقة ميدانًا مفتوحًا للقوى الساعية لتكريس حضورها قرب الممر المائي الذي تعبره نحو 14% من التجارة العالمية.

وأوضح أبو بكر خلال كلمته، أن المساعي المتعلقة بالاعتراف باستقلال إقليم «صوماليلاند» (أرض الصومال) تمثل حلقة جديدة ضمن تحركات تستهدف إعادة تعريف الثوابت التي قام عليها النظام الدولي وميثاق الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، والتي تجعل احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها مبدأً أساسيًا غير قابل للتجزئة.
وأضاف الصحفي الإريتري، أن أزمة الاعتراف بـ«صوماليلاند» تصطدم بصلابة الواقع القانوني؛ إذ يقيد القانون الدولي مبدأ حق تقرير المصير بضرورة احترام وحدة الدول القائمة، بينما يحصر ميثاق الاتحاد الأفريقي مسألة الكيانات الانفصالية في إطار التسويات الوطنية الشاملة، تجنبًا لخلق سوابق تهدد استقرار القارة.
وأشار أبو بكر إلى أن الأهمية الاستراتيجية للإقليم، بفضل موقعه المتميز على خليج عدن وقربه المباشر من مضيق باب المندب، تجعل منه نقطة ارتكاز محورية لأي قوى تسعى لتعزيز نفوذها جنوب البحر الأحمر، مشددًا على أن هذه التطورات تعد جزءًا من مسار أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الأمنية والسياسية في عموم المنطقة.
مقاربة هجينة وأطروحة تنموية لحل الأزمة السودانية وقضايا القرن الأفريقي
من جانبه، شدد منسق الاتصال السياسي بحزب الأمة القومي السوداني، محمد الأمين عبد النبي، على أن الأزمة السودانية لا يمكن معالجتها بمعزل عن القضايا الإقليمية، نظرًا للتداخل المعقد والتحشيدات العسكرية الممتدة عبر الحدود، مما يضع أبعادًا مركبة تستدعي حلًا يتجاوز الأطر التقليدية.
وأكد عبد النبي في كلمته ضرورة تبني مقاربة هجينة تجمع بين التسوية السياسية الداخلية والحوار بين الأطراف السودانية، بالتوازي مع صيغة اتفاق إقليمي ملزم يضمن استقرار البلاد والمنطقة.
وأوضح منسق الاتصال السياسي بحزب الأمة القومي، أن الاتفاق الإقليمي المطلوب يجب أن يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية:
- منع السلاح: حظر تدفق الأسلحة أو تقديم الدعم العسكري لأطراف النزاع عبر الحدود.
- صون سيادة الدولة: الامتناع عن أي ترتيبات قد تؤدي إلى تقسيم السودان أو تفكيك مؤسساته الوطنية.
- حياد الساحة السودانية: حظر استخدام الأراضي السودانية كميدان لتصفية الحسابات أو الصراعات الإقليمية.
وأشار عبد النبي إلى أن عدم التوصل إلى هذا الإطار الإقليمي سيعوق نجاح أي تسوية داخلية، كما دعا إلى استحضار رؤية الراحل الصادق المهدي الداعية لإنشاء «منظومة للأمن والتعاون التنموي» في القرن الأفريقي، مؤكدًا أن الحلول التنموية الشاملة هي الكفيلة بتجاوز الرؤى الأمنية الضيقة التي أثبتت عجزها وزادت من تعقيد أزمات المنطقة.
أسماء الحسيني: الوضع بالسودان والصومال اختبار حقيقي لمصر في أفريقيا
وفي الجلسة الثالثة، دعت الكاتبة الصحفية المُتخصصة في الشأن الأفريقي والسوداني، أسماء الحسيني، إلى ضرورة إعادة صياغة وتطوير الاستراتيجية المصرية تجاه القارة الأفريقية، مؤكدة أن القوة الناعمة المصريةبما تضمه من مفكرين وأدباء وفنانين ومعلمين وفلاحين تمثل طاقة هائلة لم تستغل بعد بالشكل الأمثل لتحقيق المصالح المشتركة مع الشعوب الأفريقية.
وأوضحت «الحسيني» في كلمتها، أن بناء العلاقات مع أفريقيا في العصر الرقمي الحديث يتطلب تجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية والتواصل الرسمي بين القيادات إلى التأسيس لشراكات اقتصادية وثقافية راسخة، كما طالبت بتطوير الإعلام المصري ليكون صانعًا للرؤية وشريكًا في بناء التنمية، وليس مجرد ناقل للأحداث.
وشددت الكاتبة الصحفية على أن احتواء واستضافة الملايين من أبناء الشعوب الأفريقية، وفي مقدمتهم الأشقاء السودانيون والوافدون من دول الساحل والصومال وإريتريا، يمثل فرصة استراتيجية لبناء روابط شعبية تدوم لعقود، وتدحض كافة الدعايات والأكاذيب المضللة حول الدور المصري في القارة.
الملف السوداني والصومالي
اعتبرت «الحسيني»، أن ما يمر به السودان يشكل اختبارًا حقيقيًا ومختبرًا لاستراتيجية مصر ودورها المستقبلي في عموم القارة.
وحذرت الكاتبة الصحفية من خطورة التعدي على سيادة الصومال ووحدة أراضيه، مشيرة إلى أن الصمت تجاه هذا الوضع قد يجعله نموذجًا قابلاً للتكرار في دول عربية وأفريقية أخرى.
وشددت على أهمية الربط بين أمن المياه والتنمية الشاملة بدول حوض النيل، مع ضرورة التحرك الفعال لمواجهة التحديات المتزايدة مثل اتفاقية «عنتيبي»، موضحة، أن أفريقيا تمر بمرحلة إعادة تشكيل وتأسيس لواقع جديد، وهو ما يستدعي تواجد مصر بقوة عبر المبادرات الإيجابية ودعم الاستقرار والتنمية لصالح كافة الشعوب الشقيقة.






