اقتصادملفات

«كتل خرسانية صماء».. 49 مدينة جديدة في مصر تستهدف 27 مليون نسمة والسكان لم يأتوا

على مدار قرابة 5 عقود، تبنت الحكومات المصرية المتعاقبة استراتيجية لإنشاء المدن والمجتمعات العمرانية الجديدة في المناطق الصحراوية، بهدف التوسع في الرقعة المأهولة بالسكان وإعادة توزيع الكثافات السكانية، إلى جانب خلق مراكز جديدة للنشاط الاقتصادي والتنمية العمرانية.

وتُوجت هذه الاستراتيجية بإنشاء هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بموجب القانون رقم 59 لسنة 1979، لتكون انطلاقة لبرنامج قومي يستهدف توسيع رقعة المساحات المأهولة بالسكان، بما يسمح بإعادة توزيع الكثافة السكانية، ويفتح المجال أمام إنشاء مراكز جديدة للنشاط الاقتصادي والتطوير العمراني.

كثافة سكانية وتركز أقل

لكن دراسة أعدها المركز المصري للدراسات الاقتصادية، حول توزيعات السكان في مناطق شديدة التركز في مصر، أوضحت أن إنشاء هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة جاء في الأساس في إطار تنفيذ مخططات قومية تتعلق بالسكان، وذلك بعد رصد تواجد أكثر من 95% من سكان مصر داخل 4% فقط من مساحة الدولة، التي يتجاوز نطاقها مليون كيلومتر مربع.

وأدى هذا التركز السكاني، على مدار العقود السابقة، إلى زيادة الضغوط على المراكز الحضرية، وأسهم في تفاقم الازدحام، وارتفاع الطلب على الإسكان، إلى جانب زيادة الضغط على البنية التحتية والخدمات العامة، فضلا عن محدودية فرص التوسع العمراني في المستقبل.

وأشارت الدراسة إلى أن اجراءات التنمية العمرانية والحضرية التي اتبعتها مصر في الفترات السابقة على مستوى الشرق الأوسط، تسببت في إنشاء 49 مدينة جديدة على مستوى محافظات مصر، بمساحات كلية كسرت حاجز الـ2.2 مليون فدان وبطاقة استيعاب 27 مليون نسمة، وبما يشكل 22.4% من سكان مصر أي بما يمثل أقل من الربع.

وتسألت الدراسة حول جدوى نجاح المخططات الحكومية في تحقيق المرجو من إنشاء المدن الجديدة في جذب السكان ودعم النشاط الاقتصادي المستدام وإمكانية الموازنة وتكاليف الاستثمارات والإنشاءات المتعلقة بالبنية التحتية والمرافق والخدمات، بما في ذلك شبكات المواصلات والطرق والمياه والإنارة وغيرها؛ وبين النتائج الملموسة واقعيًا، حيث تستوعب تلك المدن نسب أقل بكثير مما كان هو مخططًا لقدرتها الاستيعابية من السكان.

وأشارت الدراسة إلى أن هناك فارقًا بين المدن العمرانية الجديدة الأقدم ونظيرتها المعروفة بمدن الجيل الرابع؛ من حيث حداثة معدلات الإشغال، فمثلاً في مدينة أكتوبر الجديدة وهي ضمن المدن الأحدث، حيث تستهدف جذب 8.1 مليون نسمة بالرغم من أن عدد السكان الفعلي 35 ألفًا فقط بما يساوى 0.4% من المخطط، بينما مدينة العاصمة الإدارية الجديدة التي تستهدف 6.5 مليون نسمة لايتجاوز عدد سكانها نصف مليون مواطن في المرحلة الأولى و 30 ألفاً فقط بالمرحلة الراهنة بما يمثل 0.5% من المستهدف.

أما مدينة العلمين الجديدة، فيقدر المستهدف من السكان 1.5 مليون نسمة، ويصل نسبة الإشغال الحالي 15 ألفا فقط بما يمثل 0.9% من المستهدف؛ بينما مدينة أسيوط الجديدة، فتستهدف 750 ألف نسمة، بينما يبلغ عدد سكانها 9 آلاف و956 نسمة، بنسبة تحقق تبلغ 1.30%، وهي النسبة نفسها المسجلة في قنا الجديدة، التي تستهدف 130 ألف نسمة، مقابل 1736 نسمة حاليًا، و المنيا الجديدة فتستهدف 638 ألف نسمة، بينما يصل العدد الحالي إلى 18 ألفًا و590 نسمة، بنسبة تحقق تبلغ 2.90%.

وتقترب منها المنصورة الجديدة، التي تستهدف 680 ألف نسمة، مقابل نحو 20 ألف نسمة حاليًا، بنسبة تحقق تقدر بنحو 2.90%.، ومدينة حدائق العاصمة تستهدف 600 ألف نسمة، مقابل نحو 25 ألف نسمة حاليًا، بما يعادل 4.20% من المستهدف.

مدن أقدم بمعدلات أعلى نسبيًا

وقالت الدراسة إن مدينة 15 مايو وهي الأقدم من بين تلك المدن حققت 20.20%، وهي الأعلى بين المدن الواردة في البيانات باستثناء الحالات التي تظهر نسبًا شديدة الانخفاض في بعض المدن حديثة النشأة؛ إذ يبلغ مستهدفها السكاني 500 ألف نسمة، مقابل 101.14 ألف نسمة حاليًا، ثم مدينة بدر إلى 7.50%، إذ يبلغ عدد السكان المستهدفين 450 ألف نسمة، مقابل 33.8 ألف نسمة حاليًا.

أما القاهرة الجديدة، فتستهدف الوصول إلى 4 ملايين نسمة، بينما يبلغ عدد سكانها الحالي 321.91 ألف نسمة، بنسبة تحقق تبلغ 8%، و تستهدف العاشر من رمضان 2.1 مليون نسمة، بينما يبلغ عدد سكانها الحالي 267.15 ألف نسمة، بنسبة تحقق تبلغ 12.70%.

وفي العبور، يبلغ عدد السكان المستهدفين نحو 1.054 مليون  نسمة، مقابل 144.74 ألف نسمة حاليًا، بنسبة تحقق تبلغ 13.70%، و يصل عدد سكان الشروق إلى94.23 ألف نسمة، مقابل مستهدف يبلغ 500 ألف نسمة، بنسبة تحقق قدرها 18.80%.

فجوة بين المستهدف والتوطين الفعلي للمدن الجديدة 

وأوضحت الدراسة أن تلك الأرقام قد كشفت عن فجوة واضحة بين المستهدفات السكانية الطموحة للمدن الجديدة وبين معدلات التوطين الفعلية، مع تفاوت كبير بين مدينة وأخرى، فضلا عن أن إنشاء البنية العمرانية وحده لا يضمن انتقال السكان إليها، ما يجعل توفير فرص العمل والخدمات والمواصلات والأنشطة الاقتصادية عوامل حاسمة في تحويل المدن الجديدة من مشروعات عمرانية إلى مراكز سكانية واقتصادية جاذبة، في ظل وجود تفاوت كبير بين مدى تحقيق المستهدفات السكانية.

وأضافت الدراسة أنه لا تزال بعض المدن بعيدة بصورة كبيرة عن الأعداد المستهدفة، رغم مرور سنوات على إنشائها، بينما حققت مدن أخرى نسبًا أعلى من مستهدفاتها.

وأوضحت الدراسة أن مدن الجيل الرابع  والتي من بينها العاصمة الإدارية الجديدة، وأكتوبر الجديدة، والعلمين الجديدة، وسوهاج الجديدة، وأسوان الجديدة، قد حققت  أقل من 1% فقط من المستهدفات السكانية المخططة لها رغم كونها فترة قصيرة لنمو السكان واستقرارهم فيها، نظرًا لحداثة إنشائها نسبيًا.

وأضافت الدراسة أنه لا تزال مجموعة من المدن التي أُنشئت منذ عدة عقود، من بينها مدينة السادات، والقاهرة الجديدة، والعبور، والشروق، و15 مايو، بعيدة هي الأخرى عن تحقيق طاقتها الاستيعابية السكانية المستهدفة؛ بالرغم من أن هذه المدن سجلت معدلات إشغال أعلى من المدن الأحدث، فإن معظمها لم يحقق سوى معدلات إشغال تتراوح بين 5% و20% من عدد السكان المستهدف، وذلك رغم مرور عدة عقود على إنشائها وإتاحة الوقت الكافي لنموها واستقرارها.

كما  حققت بعض مدن الجيل المتوسط، مثل دمياط الجديدة وبني سويف الجديدة، أداءً أفضل من العديد من المدن حديثة الإنشاء، إلا أنها لا تزال بعيدة بشكل ملحوظ عن تحقيق مستهدفاتها السكانية.

وأوضحت الدراسة أن هناك فجوة  بين عدد السكان المستهدف والفعلي لا يمكن تفسيرها بحداثة إنشاء المدن وحدها؛ رغم وجود عامل الزمن جزئيًا فإن الأداء السكاني لمدن الجيل الرابع، يشير إلى انخفاض معدلات الإشغال في مدن أقدم إلى وجود تحديات هيكلية أوسع نطاقًا استمرت عبر الأجيال المتعاقبة من المدن العمرانية الجديدة في مصر.

زر الذهاب إلى الأعلى