رحل في الـ31 وبقي أكثر من قرن.. لماذا ظل سيد درويش حاضرًا بعد 103 أعوام من رحيله؟

في 15 سبتمبر من كل عام تستعيد الساحة الفنية ذكرى رحيل واحد من أهم الأسماء التي صنعت تحولا جذريًا في تاريخ الموسيقى المصرية سيد درويش، الفنان الذي امتدت حياته 31 عامًا فقط لكنها كانت كافية ليترك مشروعًا فنيًا ظل حاضرًا بعد أكثر من قرن على رحيله.
لم يكن سيد درويش مجرد ملحن قدم عشرات الأغاني وإنما كان صاحب رؤية مختلفة في التعامل مع الموسيقى اقترب بألحانه من الشارع والناس ودخل إلى عالم المسرح ليجعل الموسيقى جزءًا من الحدث والشخصية كما توسع في استخدام الغناء الجماعي والألحان المرتبطة بالمواقف الاجتماعية والوطنية.
من كوم الدكة إلى القاهرة البداية التي صنعت «فنان الشعب»
ولد سيد درويش في 17 مارس 1892 بمنطقة كوم الدكة في الإسكندرية، وبدأ علاقته بالموسيقى في سن مبكرة قبل أن تتطور موهبته تدريجيًا ويصبح أحد أبرز أبناء المدرسة الموسيقية المصرية في بدايات القرن العشرين.
وكانت الإسكندرية بمثابة البيئة الأولى التي تشكلت فيها شخصيته الفنية، قبل أن ينتقل إلى القاهرة عام 1917، في خطوة فتحت أمامه أبوابًا جديدة للعمل والتواصل مع الفرق المسرحية والفنانين.
ومع وصول سيد درويش إلى القاهرة لم يكتفِ بتقديم الأغاني التقليدية وإنما بدأ في توسيع تجربته والاقتراب من المسرح، وتعاون خلال هذه المرحلة مع عدد من الفرق المسرحية من بينها فرق نجيب الريحاني وجورج أبيض وعلي الكسار وغيرهم، لتصبح الموسيقى المسرحية واحدة من أهم المساحات التي ظهرت من خلالها قدرته على التجديد.
وكان هذا الانتقال مهمًا في مسيرته لأن المسرح منحه فرصة لتوظيف الموسيقى داخل سياق درامي، وليس باعتبارها مجرد أغنية منفصلة.
سيد درويش.. الموسيقى لم تعد مجرد «طرب»
كان أحد أهم التحولات التي أحدثها سيد درويش هو تغيير وظيفة اللحن نفسه، فبدل أن تكون الموسيقى مجرد مساحة لاستعراض صوت المطرب أصبح اللحن عنده قادرًا على التعبير عن الشخصية والموقف والحالة الدرامية.
كما استفاد من تقنيات الغناء الجماعي، وهو ما منح المسرح الغنائي المصري شكلًا مختلفًا، وجعل الموسيقى أكثر ارتباطًا بالحركة والحدث.
وكان تعاون سيد درويش مع الكاتب بديع خيري والفنان نجيب الريحاني من أبرز المحطات في حياته الفنية، حيث بدأت علاقة درويش بخيري من خلال زجل «دنجي دنجي» قبل أن تتحول العلاقة إلى صداقة وشراكة فنية وثيقة وتذكر مذكرات بديع خيري أن سيد درويش سكن لفترة في المسكن المجاور له بشبرا، وأصبح الاثنان يعملان معًا بصورة مستمرة.
أما مع نجيب الريحاني، فقد دخل سيد درويش إلى عالم المسرح بصورة أكثر اتساعًا، وارتبط اسمه بأعمال قدمتها فرقة الريحاني، من بينها «ولو» في تعاون جمع بين كتابة بديع خيري وألحان سيد درويش والأداء المسرحي للريحاني.
«قوم يا مصري».. عندما أصبحت الموسيقى صوتًا للشارع
لم تنفصل تجربة سيد درويش عن الواقع المصري في زمنه، وخلال أجواء ثورة 1919، ارتبط اسمه بأغاني وطنية واجتماعية، من بينها «قوم يا مصري» كما قدم ألحانًا عبّرت عن فئات مختلفة من المجتمع ومهنه وحياته اليومية.
ولذلك ارتبط اسمه بصورة الفنان الذي استطاع أن يجعل الموسيقى أقرب إلى الناس وأن يحول الأغنية إلى وسيلة للتعبير عن الواقع وليس مجرد وسيلة للترفيه.
ومن أبرز محطات سيد درويش المسرحية «العشرة الطيبة» التي ارتبطت باستخدامه للغناء الجماعي وتطوير الشكل الموسيقي داخل المسرح.
كما ارتبط اسمه بعدد من الأعمال المسرحية والأوبراليات، واستطاع خلال سنوات قليلة أن يقدم إنتاجًا غزيرًا شمل عشرات الأدوار والموشحات والطقطوقات والأعمال المسرحية.
ولم يكن حجم الإنتاج هو الإنجاز الوحيد، وإنما الطريقة التي تعامل بها مع الموسيقى إذ جعل اللحن أكثر ارتباطًا بالشخصية والموضوع والمشهد.
وفي عام 1922، خاض سيد درويش تجربة مختلفة عندما حاول مع بديع خيري تأسيس فرقة مسرحية خاصة، وقدما «الطاحونة الحمراء»، ورغم أن التجربة لم تستمر طويلًا فإنها تكشف عن طموح سيد درويش لتقديم مشروع فني مستقل، بعيدًا عن الاكتفاء بالعمل داخل الفرق
وخلال سنوات قليلة، ترك سيد درويش رصيدًا فنيًا ضخمًا وشمل إنتاجه عشرات الأدوار، ونحو 40 موشحًا، ونحو 100 طقطوقة، إضافة إلى عشرات الأعمال المسرحية والأوبراليات، وهذا الإنتاج إلى جانب أسلوبه المختلف جعله أحد أهم المجددين في الموسيقى المصرية الحديثة.
15سبتمبر 1923.. الرحيل المبكر
في 15 سبتمبر 1923، رحل سيد درويش عن عمر لم يتجاوز 31 عامًا، ورغم قصر عمره، لم تتوقف تجربته عند لحظة الرحيل، بل استمرت ألحانه وأفكاره في التأثير على أجيال متعاقبة من الموسيقيين والمطربين.
وبعد أكثر من مئة عام على رحيله، لا يزال اسم سيد درويش حاضرًا في الذاكرة الفنية المصرية ليس فقط بسبب الأغاني التي تركها وإنما بسبب التحول الذي أحدثه في مفهوم الموسيقى نفسها، فقد خرج باللحن من حدود الطرب التقليدي إلى المسرح والشارع والحياة اليومية والموضوع الوطني، وأثبت أن الموسيقى يمكن أن تكون جزءًا من الدراما والتعبير الاجتماعي.






