صراع الأقساط وغرامات الـ15%.. “عقار إكزيت” تكشف كواليس “النزيف الصامت” في السوق العقاري
ركضًا خلف السيولة وهربًا من شروط الفسخ القاسية.. صراع البقاء يضرب أعمق جذور الاستثمار السكني

عندما يتحول حلم العمر إلى حمل شهري لا يتحمله رب الأسرة وسط مصاعب لتوفير حياة كريمة لأفراد أسرته، تُصبح النجاة المادية أولوية تتقدم على كل مكسب مُنتظر بعد حين أو بالأحرى مكسب “وهمي”، هكذا وجد الآلاف من مالكي الوحدات العقارية أنفسهم محاصرين بين مطرقة الأقساط المتصاعدة وسندان شروط التخارج القاسية من الشركات.
ولم يعد الأمر مجرد تعثر عابر، بل ظاهرة اقتصادية فرضت نفسها على السوق العقاري، ودفعت الملاك للبحث عن مخرج أمان عبر منصات مثل “عقار إكزيت”، مفضلين التنازل عن جزء من مدخراتهم وتحمل خسائر محسوبة، في سبيل استعادة سيولتهم وتجنب عقوبات الفسخ وخصومات الـ15% التي تفرضها الشركات.

عرض وحدات متعثرة بـ 89 مليار جنيه في 30 يوم
وتكشف أرقام منصة “عقار إكزيت” عن حجم الظاهرة، حيث تلقت خلال 30 يومًا 6200 عرض لوحدات متعثرة بقيمة إجمالية بلغت 89 مليار جنيه، مقابل نحو 32 ألف طلب شراء على أكثر من 3400 وحدة، فيما أبدى نحو 70% من أصحاب العروض استعدادهم للتنازل عن جزء من مستحقاتهم مقابل سرعة البيع والحصول على السيولة.
ومع نشاط المنصة بشكل ملحوظ – وفقًا للأرقام سالفة الذكر – يُطرح سؤالا حول أسباب تعثر المشترين، ولماذا أصبح إعادة البيع بالنسبة لبعضهم خيارًا أفضل من إعادة الوحدة إلى المطور؟
وفي هذا السياق يقول، أحد ملاك الوحدات الذي قصد المنصة للتخلص من وحدته – بأقل الخسائرـ، إنه لجأ لعقار إكزيت لعرض شقته للبيع، بعدما أصبحت الأقساط الشهرية عبئًا يفوق قدرته المالية، موضحًا أن تراجع دخله وارتفاع التزاماته دفعاه إلى إعادة النظر في قرار الشراء، والبحث عن مخرج يجنبه الاستمرار في سداد أقساط يصعب تدبيرها خلال الفترة المقبلة.

إنهاء الالتزامات المالية بأقل خسائر ممكنة
وأضاف في تصريحه لـ”ليبرالي”، أن هدفه من البيع لم يكن تحقيق مكسب من إعادة بيع الوحدة، وإنما استرداد الأموال التي دفعها بالفعل، وإنهاء التزاماته المالية بأقل خسائر ممكنة، مؤكدًا أن قرار التخارج جاء نتيجة ضغوط اقتصادية متراكمة، وليس رغبة في التخلي عن حلم امتلاك شقة.
وأوضح أن فكرة المنصة شجعته على اتخاذ خطوة البيع، لأنها تتيح عرض الوحدة أمام مشترين مهتمين بالعقارات بنظام التقسيط، مع إمكانية استكمال المشتري الجديد الأقساط وفقًا لشروط التعاقد الأصلي، بدلًا من الاستمرار في التزامات مرهقة أو اللجوء إلى فسخ التعاقد وما يترتب عليه من خصومات.
وفي تجربه مباشرة لبيع وحدة عبر المنصة، ردت المنصة على استفسار محرر”ليبرالي” بشأن إمكانية التنازل عن وحدة سكنية بمدينة العبور، تعثر في سداد أقساطها ويرغب في الخروج من التعاقد.

المنصة لـ”ليبرالي”: التنازل عن التعاقد دون الحصول على “أوفر برايس”
وأوضحت منصة “عقار إكزت” أنها متخصصة في مساعدة أصحاب الوحدات الراغبين في التخارج من تعاقداتهم العقارية، من خلال الوصول إلى مشترين مستعدين لاستكمال الأقساط، وفق نظام التنازل عن التعاقد دون الحصول على “أوفر برايس”.
وأشارت المنصة في ردها على “ليبرالي”إلى أن الخطوة الأولى تتمثل في تسجيل بيانات الوحدة عبر قسم البائعين على موقعها الإلكتروني، تمهيدًا لإنشاء حساب يتيح استكمال التفاصيل الخاصة بالعقار، بما يشمل قيمة الأقساط والمساحة والصور والمعلومات المتعلقة بالتعاقد.
وأضافت المنصة، أن إجراءات عرض الوحدة تبدأ بإرسال الطلب بعد استكمال البيانات، لتتولى فرقها مراجعة المعلومات والأرقام والمستندات الخاصة بالعقار، قبل نشره على المنصة أمام المشترين المحتملين.

البائع لا يتحمل أي عمولة مقابل الخدمة
وأوضحت أنه عند العثور على مشتري، يتم إخطار صاحب الوحدة، ثم يتواصل معه أحد أعضاء فريق المبيعات لتأكيد البيانات واستكمال إجراءات التعاقد ونقل الملكية وفق القواعد المعمول بها.
وأكدت المنصة أن البائع لا يتحمل أي عمولة مقابل الخدمة، لكنه يحصل على المبالغ التي سبق له سدادها في الوحدة دون إضافة “أوفر برايس”، معتبرة أن ذلك يتيح له الخروج من التزاماته المالية بدلًا من استمرار تعثره أو الانتظار لفترات طويلة، مع ضرورة تجهيز العقد وإيصالات السداد وصور الوحدة ضمن مستندات الطلب.
بدوره، كشف محمود عمار، مؤسس منصة”عقار إكزيت”، عن أن المنصة تلقت خلال 30 يومًا قرابة الـ 6200 عرض لوحدات عقارية تعثر أصحابها في سداد أقساطها، بقيمة إجمالية بلغت 89 مليار جنيه، في حين وصل عدد طلبات الشراء إلى نحو 32 ألف طلب على أكثر من 3400 وحدة، مؤكدًا أن حجم الإقبال على المنصة تجاوز التوقعات الأولية.

70% أبدوا استعدادهم للتنازل عن جزء من مستحقاتهم مقابل سرعة التخلص من الوحدة
وأضاف عمار، أن 70% من أصحاب الوحدات المعروضة أبدوا استعدادهم للتنازل عن جزء من مستحقاتهم مقابل سرعة التخلص من الوحدة والحصول على السيولة، موضحًا أن هذه النسبة تعكس حجم الضغوط التي يواجهها بعض المشترين، ويفضلون تحمل جزء من الخسارة بدلًا من الاستمرار في التزام قد يصبح أكثر صعوبة مع الوقت.
وأوضح مؤسس منصة”عقار إكزيت”، أن فكرة إنشاء المنصة بدأت من مشكلة حقيقية واجهها أشخاص مقربون منه، بعدما اشتروا وحدات بنظام التقسيط ثم تعثروا في سداد الأقساط، وحاولوا بيعها بالطرق التقليدية دون الوصول إلى مشترين جادين.
وأشار عمار إلى أن المتعثر يواجه، في بعض الحالات، خسارة كبيرة عند اللجوء إلى فسخ التعاقد مع المطور، موضحًا أن بعض العقود أو سياسات الشركات تتضمن خصم 15% من إجمالي المبالغ المسددة عند التخارج، ثم رد المبلغ المتبقي على أقساط تمتد لفترة مماثلة للفترة التي تم خلالها السداد.

الوحدات أقل من 4 ملايين جنيه تستحوذ على النصيب الأكبر من طلبات الشراء
ولفت مؤسس المنصة إلى أن الطلب على الوحدات يختلف بصورة واضحة وفقًا للسعر، موضحًا أن الوحدات التي تقل قيمتها عن 4 ملايين جنيه تستحوذ على النصيب الأكبر من طلبات الشراء، بمعدل يصل إلى 8 أو 9 طلبات على الوحدة الواحدة، بينما تتراوح طلبات شراء الوحدات التي تتجاوز قيمتها 10 ملايين جنيه بين طلب واحد وثلاثة طلبات فقط.
وأفاد مؤسس المنصة، بأن أكثر المناطق التي تشهد عروضًا من المتعثرين تتركز في شرق القاهرة، يليها الساحل الشمالي ثم غرب القاهرة، لافتًا إلى أن نشاط المنصة لم يعد مقتصرًا على العقارات التي تعثر أصحابها في السداد، وإنما اتسع ليشمل التنازلات العقارية بصورة عامة، مع تزايد اهتمام المشترين بالوحدات المعروضة وإمكانية الحصول على وحدات قائمة بالفعل بدلًا من بدء رحلة شراء جديدة مع المطور.

الشركات تفرض رسوم للتنازل بـ 15% من قيمة الوحدة
وأكد عمار على أن المنصة واجهت اعتراضات من بعض شركات التطوير العقاري، خاصة فيما يتعلق برسوم التنازل التي تفرضها بعض الشركات، والتي قال إنها تصل في بعض الحالات إلى 15% من قيمة الوحدة، معتبرًا أن ارتفاع هذه الرسوم يمثل عائقًا أمام إعادة البيع ويزيد تكلفة خروج العميل من التعاقد.
وفيما يخص بعض الشروط المعلنة على المنصة، توضح المنصة أنها تراجع الفرص العقارية قبل عرضها، من خلال فحص العقود وإثباتات السداد، والمبالغ المستحقة للمالك والمطور، والأقساط ومواعيدها، والدفعات الكبيرة ومصاريف الصيانة، إلى جانب التحقق من إمكانية نقل التعاقد والرسوم والشروط التي يحددها المطور.
كما تتولى المنصة إدارة العملية بدءًا من مراجعة الفرصة وتأهيل المشتري وتنظيم المستندات، وصولًا إلى متابعة إجراءات نقل التعاقد وإتمام الصفقة، ووفقًا لما تعلنه المنصة، تبلغ عمولتها 1.25% من المشتري عند نجاح نقل التعاقد، بينما لا تفرض عمولة على البائع، مؤكدة أن نموذج عملها يستهدف توفير فرصة عقارية موثقة وإدارة إجراءات النقل، وليس مجرد عرض إعلانات أو بيانات اتصال بين الأطراف.

سرعة الوصول إلى مشتري لوحدة ما زالت مرتبطة بأقساط
وعقب الخبير العقاري، واستشاري التنمية العمرانية، المهندس سامح الغزولي، على رواج فكرة المنصة، بأن لجوء بعض ملاك الوحدات إلى منصة “عقار إكزيت” لإعادة بيع وحداتهم بدلًا من التخارج المباشر مع الشركات المطورة، يرتبط في الأساس برغبة المالك في تجنب الخصم الذي تفرضه الشركة عند إعادة الوحدة إليها.
وأضاف الغزولي في تصريحه لـ”ليبرالي”، أن وجود شرط خصم 15% من إجمالي المبالغ التي سددها المشتري عند طلب التخارج، يجعل بعض العملاء يعيدون حساباتهم، خاصة إذا كانت قيمة المبالغ المدفوعة كبيرة، لأن الخصم يمثل خسارة مباشرة بالنسبة للمالك، بينما يمنحه البيع لمشتري جديد فرصة لاسترداد قيمة أكبر مما دفعه.
وأوضح الخبير العقاري، أن قرار البيع عبر منصة متخصصة لا يرتبط فقط بالبحث عن سعر أفضل، وإنما أيضًا بسرعة الوصول إلى مشتري لديه استعداد لشراء وحدة ما زالت مرتبطة بأقساط، لافتًا إلى أن بعض الملاك يجدون صعوبة في تسويق الوحدة بأنفسهم، خاصة عندما تكون هناك التزامات مالية قائمة وإجراءات تحتاج إلى تنسيق مع الشركة المطورة، ولذلك تصبح المنصة وسيطًا يساعد في عرض الوحدة والوصول إلى شريحة من المشترين الباحثين عن وحدات قائمة بالفعل بدلًا من الدخول في تعاقد جديد من البداية.

الخطر يظهر..إذا اتسعت ظاهرة التعثر وإعادة البيع بصورة كبيرة
وأشار الغزولي إلى أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع الالتزامات الشهرية يمثلان عاملًا إضافيًا وراء هذا الاتجاه، موضحًا أن بعض المشترين يدخلون مشروعات عقارية في البداية بناءً على قدرتهم المالية وقت التعاقد، ثم تتغير ظروفهم لاحقًا بسبب ارتفاع المصروفات أو تغير الدخل أو ظهور التزامات أسرية جديدة، وفي هذه الحالة، يصبح أمام العميل خياران أساسيان: إما الاستمرار في الأقساط رغم الضغط المالي، أو محاولة التخارج، وهنا يبدأ في مقارنة الخسارة المتوقعة من إعادة الوحدة للشركة بالنتيجة المحتملة من بيعها إلى مشترٍ جديد.
وفيما يتعلق بالحديث عن وجود فقاعة عقارية في السوق المصرية، قال الخبير العقاري، إن ارتفاع أسعار الوحدات خلال السنوات الأخيرة لا يعني بالضرورة أننا أمام فقاعة بالمعنى الاقتصادي، موضحًا أن الفقاعة تحدث عندما ترتفع الأسعار بصورة تفوق القيمة الحقيقية للأصول وبشكل مدفوع بالمضاربات أكثر من الطلب الفعلي، ثم تبدأ الأسعار في التراجع الحاد عند تغير توقعات المشترين.
وأفاد الخبير العقاري، بأن ظهور ملاك يرغبون في إعادة بيع وحداتهم قبل استكمال الأقساط لا يمثل بمفرده دليلًا على انفجار فقاعة عقارية، وإنما قد يكون مؤشرًا على أن جزءًا من المشترين أصبح يراجع قدرته على تحمل الالتزامات التي تعاقد عليها.
وشدد الغزولي على أن الخطر الحقيقي يظهر إذا اتسعت ظاهرة التعثر وإعادة البيع بصورة كبيرة، بالتزامن مع تراجع الطلب وعدم قدرة السوق على استيعاب الوحدات المعروضة، وهو ما يضغط على الأسعار ويزيد الفجوة بين الأسعار المعلنة والأسعار التي يمكن تنفيذ الصفقات بها فعليًا.






