في ذكرى رحيله.. أسامة الباز.. العقل الهادئ خلف ملفات مصر السياسية الأكثر حساسية

تحل اليوم ذكرى وفاة الدكتور أسامة الباز، أحد أبرز الدبلوماسيين والسياسيين المصريين الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخ الدبلوماسية المصرية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بعدما ارتبط اسمه لسنوات طويلة بالملفات السياسية الحساسة وعُرف بقدرته على التفاوض والحوار وإدارة القضايا المعقدة بعيدًا عن الأضواء.
رحل أسامة الباز في 14 سبتمبر 2013 عن عمر ناهز 82 عامًا، بعد مسيرة امتدت لعقود في العمل الدبلوماسي والسياسي، شغل خلالها مواقع مهمة أبرزها منصب المستشار السياسي للرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.
من هو أسامة الباز؟
وُلد أسامة الباز عام 1931 في محافظة الشرقية وبدأ مسيرته العلمية بدراسة الحقوق في جامعة القاهرة حيث حصل على ليسانس الحقوق عام 1952، قبل أن يستكمل دراسته في الولايات المتحدة ويحصل على درجة الماجستير في القانون من جامعة هارفارد عام 1961، ثم درجة الدكتوراه في القانون عام 1968.
لم تكن دراسته القانونية مجرد محطة أكاديمية وإنما شكلت أساسًا لشخصيته المهنية التي جمعت بين القانون والدبلوماسية والسياسة، وهي مجالات احتاجت إلى قدر كبير من التحليل والقدرة على التفاوض.
أسامة الباز.. من الخارجية إلى دوائر صنع القرار
التحق الباز بالسلك الدبلوماسي المصري، وتدرج في العمل بوزارة الخارجية قبل أن يصبح واحدًا من أبرز الشخصيات المرتبطة بملفات السياسة الخارجية المصرية.
وفي عام 1977، تولى منصبًا دبلوماسيًا برتبة سفير، وفي الفترة نفسها برز اسمه خلال مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ العلاقات المصرية الإسرائيلية خصوصًا مع التحركات التي سبقت زيارة الرئيس الراحل أنور السادات إلى القدس والمفاوضات التي أعقبتها.
دوره في مفاوضات السلام
كان ملف السلام المصري الإسرائيلي من أبرز المحطات في مسيرة أسامة الباز، وخلال التحضيرات لزيارة السادات إلى القدس عام 1977، شارك الباز في الترتيبات والمفاوضات المتعلقة بالزيارة وكان ضمن الدائرة المصرية التي تعاملت مع أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة.
كما ارتبط اسمه خلال تلك المرحلة بالعمل إلى جانب شخصيات دبلوماسية بارزة من بينها الدكتور بطرس غالي، الذي أصبح لاحقًا الأمين العام للأمم المتحدة.
هذه المرحلة أسهمت في ترسيخ مكانة الباز باعتباره أحد العقول الدبلوماسية القادرة على التعامل مع الملفات الإقليمية المعقدة.
مستشار سياسي للرئيس حسني مبارك
بعد اغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981 وتولي حسني مبارك رئاسة الجمهورية، أصبح أسامة الباز أحد أبرز مستشاري الرئيس الجديد، وتولى رئاسة مكتب الشؤون السياسية بالرئاسة.
وعلى مدار سنوات طويلة كان قريبًا من دوائر صنع القرار، خصوصًا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية والعلاقات الإقليمية والدولية.
ووصفته مصادر صحفية بأنه كان من الشخصيات ذات التأثير الكبير في ملفات السياسة الخارجية، وأنه تولى مهام حساسة لم يكن من المناسب دائمًا أن يتولاها وزير الخارجية بشكل مباشر.
«
الرجل الهادئ» في الملفات الشائكة
لم يكن أسامة الباز من الشخصيات التي تعتمد على الظهور الإعلامي المكثف بل ارتبط اسمه أكثر بالغرف المغلقة والاجتماعات والمفاوضات.
وكانت طريقته تعتمد بصورة أساسية على التحليل والحوار وفهم مواقف الأطراف المختلفة وهو ما جعله حاضرًا في عدد من الملفات الإقليمية والدولية المهمة.
وتشير شهادات وكتابات عن مسيرته إلى أنه كان شديد الاهتمام بمتابعة التطورات الداخلية والإقليمية والدولية ومحاولة تهيئة الظروف التي تساعد المفاوض المصري على تحقيق أهدافه.
ولم تقتصر إسهامات أسامة الباز على العمل الدبلوماسي والسياسي، إذ ألف أيضًا كتاب «مصر والقرن الحادي والعشرين» الذي تناول فيه رؤيته لعدد من القضايا المرتبطة بمستقبل الدولة المصرية والتحديات التي تواجهها.
ويكشف الكتاب جانبًا آخر من شخصيته الفكرية باعتباره رجل دولة لم يكن اهتمامه مقتصرًا على إدارة الملفات السياسية اليومية وإنما امتد إلى محاولة قراءة مستقبل مصر والتغيرات التي يشهدها العالم.
وظل الباز لسنوات طويلة من الشخصيات المقربة من الرئيس حسني مبارك، وكان أحد أهم مستشاريه في القضايا السياسية.
ومع مرور السنوات تراجع ظهوره في المشهد العام خصوصًا خلال السنوات الأخيرة من حكم مبارك، إلا أن اسمه ظل حاضرًا باعتباره أحد أبرز رجال الدولة الذين عملوا داخل مؤسسة الرئاسة في العقود السابقة.
أسامة الباز وفترة ما قبل رحيله
في سنواته الأخيرة ابتعد أسامة الباز نسبيًا عن دائرة الضوء في الوقت الذي شهدت فيه مصر تغيرات سياسية متسارعة.
ظهر اسمه مجددًا في سياق الأحداث السياسية التي شهدتها مصر خلال عام 2011، قبل أن يرحل بعد ذلك بعامين.
كما ارتبط اسم أسامة الباز أيضًا بعلاقة القرابة مع عالم الجيولوجيا المصري الشهير الدكتور فاروق الباز، الذي عمل في وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» وشارك في برامج علمية مرتبطة باستكشاف القمر.
لكن أسامة الباز صنع لنفسه مسارًا مختلفًا تمامًا إذ اختار طريق الدبلوماسية والقانون والسياسة بينما أصبح شقيقه واحدًا من أبرز العلماء المصريين في مجال علوم الفضاء والجيولوجيا.
رحيل أسامة الباز.. نهاية مسيرة دبلوماسي بارز
في فجر السبت 14 سبتمبر 2013، توفي أسامة الباز عن عمر 82 عامًا بعد صراع مع المرض.
وأعلنت الرئاسة المصرية آنذاك نعيه، ووصفه أحمد المسلماني، المستشار الإعلامي للرئيس المؤقت عدلي منصور بأنه عمل بإخلاص من أجل بلاده وقدم نموذجًا في الكفاءة والوطنية.
وجاء رحيله ليضع نهاية لمسيرة أحد أبرز رجال الدبلوماسية والسياسة المصرية خلال عقود شهدت تحولات كبرى في المنطقة من مفاوضات السلام المصرية الإسرائيلية إلى أزمات الشرق الأوسط والتحولات السياسية التي مرت بها مصر.
وبعد مرور سنوات على رحيله يبقى اسم أسامة الباز مرتبطًا بمرحلة مهمة من تاريخ السياسة الخارجية المصرية مرحلة كان فيها التفاوض والحوار والاتصالات السياسية أدوات أساسية في إدارة الملفات الإقليمية.
ورغم ابتعاده عن الأضواء فإن إرثه الدبلوماسي ظل حاضرًا في الذاكرة السياسية المصرية باعتباره واحدًا من أبرز المستشارين والدبلوماسيين الذين لعبوا أدوارًا مؤثرة خلف الكواليس.






