36 عاما من قانون نزع الملكية.. أصحاب الحقوق يبحثون عن «التعويض» .. 15 ألف وحدة متضررة في الجيزة فقط
إيهاب منصور: تأخر التعويضات يخالف الدستور.. وحسام حسن الخشت يكشف نزع ملكية 88.7 ألف فدان لصالح 525 مشروعا

5 ملايين جنيه فقط، من إجمالي قيمة التعويضات البالغة نحو مليار و340 مليون جنيه، هو المبلغ الذي حصل عليه المتضررون من نزع ملكية العقارات التي تمت إزالتها لصالح مشروع المتحف المصري الكبير بمحافظة الجيزة، هذه الأرقام هي الأحدث في ملف نزع الملكية لصالح المنفعة العامة، والذي يعني منه مئات الأسر جراء أخر صرف التعويضات. والذي كشف عنه النائب ايهاب منصور وركيل لجنة القوى العاملة في سؤال برلماني تقدم به للحكومة حول هذه الأزمة.
نزع الملكية لا يقف فقط عند المباني التي تمت ازالتها لصالح مشروع المتحف المصري، ولكن سبقتها الآلاف من الأرضي والعقارات التي نزعت ملكيتها وهدمت لصالح مشروعات قومية في عددا من محافظات مصر على مدار السنوات الأخيرة.
يعود قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990 إلى واجهة النقاش البرلماني، مع تزايد المطالبات بحسم أزمة تأخر صرف التعويضات للمواطنين الذين نزعت ملكية عقاراتهم وأراضيهم لصالح مشروعات الطرق والمحاور والكباري والمشروعات العامة، رغم التعديلات التي أدخلت على القانون في عامي 2018 و2020.
وتكشف تحركات برلمانية خلال عامي 2025 و2026 عن شكاوى بشأن تأخر صرف مستحقات بعض أصحاب الملكيات لسنوات، إلى جانب الجدل حول قيمة التعويض ومدى قدرتها على توفير بديل مناسب، ما أعاد التساؤلات حول الفجوة بين الضمانات القانونية وآليات التنفيذ.
قانون 10 لسنة 1990
صدر القانون رقم 10 لسنة 1990 بشأن نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة في 31 مايو 1990، ليحل محل القانون رقم 577 لسنة 1954، وينظم إجراءات نزع الملكية وحصر العقارات وتقدير التعويضات وإيداعها وصرفها.
ويضع القانون مجموعة من الإجراءات التي يتعين اتباعها قبل إتمام نزع الملكية، مع منح أصحاب الحقوق ضمانات تتعلق بتقدير التعويض وإمكانية الاعتراض والطعن على قيمته. وبمرور السنوات، ظهرت شكاوى بشأن طول الإجراءات والفارق بين قيمة التعويضات والأسعار السائدة وقت حصول المواطن على مستحقاته.
تعديل 2018
في عام 2018 صدر القانون رقم 24 لسنة 2018 بتعديل بعض أحكام قانون نزع الملكية، مستهدفا تطوير الإجراءات وتعزيز الضمانات الخاصة بأصحاب الحقوق وتسريع دورة العمل. إلا أن استمرار شكاوى المواطنين من تأخر صرف التعويضات أعاد الملف إلى البرلمان، خصوصا مع التوسع في مشروعات الطرق والمحاور خلال السنوات الأخيرة.
وجاء القانون رقم 187 لسنة 2020 بتعديلات جديدة على قانون نزع الملكية، تضمنت قواعد تتعلق بتقدير التعويض وفقا للأسعار السائدة وقت صدور قرار المنفعة العامة، مع إضافة نسبة 20% وفقا لما نص عليه القانون.
ورغم ذلك، ظل توقيت صرف التعويض أحد أبرز محاور الجدل، خاصة في الحالات التي تستغرق فيها الإجراءات عدة سنوات.
وتنص المادة 35 من الدستور على أن الملكية الخاصة مصونة، ولا تنزع إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يدفع مقدما وفقا للقانون.
أزمة تطبيق
انتقد النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، آليات تنفيذ قانون نزع الملكية للمنفعة العامة، مؤكدا أن الأزمة لا ترتبط دائما بالنصوص التشريعية، وإنما تمتد إلى آليات التنفيذ والإجراءات التي تتبعها الحكومة والوزارات والجهات المعنية.
وقال منصور، في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي”، إنه يتابع ملف نزع الملكية والمشكلات المرتبطة به، معتبرا أن تأخر صرف التعويضات أو عدم حصول المواطنين على تعويضات كافية يمثل أزمة متكررة، ووصف ما يتعرض له عشرات الآلاف من المواطنين في بعض الحالات بأنه «جريمة يومية» ومخالفة صريحة للمادة 35 من الدستور.
وأوضح أن المادة 35 تقرر حماية الملكية الخاصة، ولا تجيز نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يدفع مقدما وفقا للقانون، مشيرا إلى أن الإشكالية الأساسية تكمن في عدم الالتزام بهذا المبدأ عند التنفيذ.
وضرب عضو مجلس النواب مثالا لتوضيح تأثير تأخر صرف التعويضات، قائلا إن العقار الذي تبلغ قيمته السوقية مليون جنيه يمكن أن يصل التعويض عنه إلى مليون و200 ألف جنيه، وفقا للنسبة الإضافية التي أقرها تعديل قانون نزع الملكية عام 2020.
وأضاف أن بعض المواطنين قد يحصلون، عند الإخلاء والإزالة، على دفعة أولى محدودة، ثم ينتظرون عدة سنوات للحصول على باقي المستحقات، موضحا أن المواطن قد يجد نفسه خلال هذه الفترة مضطرا إلى استئجار مسكن، بينما ترتفع أسعار العقارات بصورة كبيرة.
وأشار إلى أنه في نموذج طرحه للتوضيح، قد يحصل المواطن على 140 ألف جنيه عند الإزالة، ثم يحصل بعد أربع سنوات على 760 ألف جنيه أخرى، ليصل إجمالي ما تقاضاه إلى 900 ألف جنيه، في الوقت الذي قد ترتفع فيه قيمة العقار البديل إلى نحو مليوني جنيه.
وأكد أن المشكلة في هذه الحالة لا تتعلق فقط بقيمة التعويض، وإنما أيضا بالتوقيت الذي يحصل فيه المواطن على مستحقاته، وتأثير ارتفاع الأسعار على القيمة الفعلية للمبلغ.
أكثر من 15 ألف وحدة متضررة في الجيزة
وكشف منصور أن تقديراته تشير إلى تضرر وإزالة أكثر من 15 ألف وحدة سكنية في محافظة الجيزة نتيجة مشروعات الطرق والمحاور، من بينها تطوير الطريق الدائري، ومحور عمرو بن العاص، وتطوير شارع ترسا، ومحور الفريق كمال عامر.
وأضاف أن مشكلات التعويضات لا تقتصر على الجيزة، وإنما تظهر في محافظات أخرى، بينها القاهرة وأسوان، مشيرا إلى أنه تابع عددا من الحالات على أرض الواقع واطلع على معاناة المواطنين قبل الإزالة وبعدها.
وتحدث منصور عن شكاوى تتعلق بإزالة بعض العقارات التي يقول أصحابها إنها لا تقع ضمن مسار المشروعات، مطالبا بالتحقق من حدود الإزالة بدقة، ومراجعة أي حالات يثبت فيها تنفيذ إزالة خارج نطاق المشروع.
هيئة المساحة سبب التأخير
وحمل النائب جانبًا من مسؤولية تأخر صرف التعويضات إلى آليات العمل داخل الهيئة المصرية العامة للمساحة، التابعة لوزارة الموارد المائية والري، مشيرا إلى أن الجهات المنفذة للمشروعات، ومنها وزارات النقل والإسكان والتنمية المحلية، تتعامل مع الهيئة في ملفات الحصر والتقدير وصرف التعويضات.
وقال إن نقص الكوادر وتكدس الملفات وتعقد الإجراءات يمكن أن يؤدي إلى تأخر إنهاء معاملات المواطنين، داعيا إلى دعم الهيئة بالموظفين والإمكانات اللازمة، وإعادة تنظيم دورة العمل بما يضمن سرعة إنجاز الملفات.
وأشار كذلك إلى ضرورة مواجهة أي ممارسات فردية أو مساومات قد تعطل حصول المواطنين على مستحقاتهم، مع وضع آليات رقابية وإجرائية واضحة تحول دون ذلك.
4 مطالب لإنهاء أزمة التعويضات
وحدد منصور مجموعة من الإجراءات التي يرى ضرورة اتخاذها لحسم أزمة نزع الملكية، في مقدمتها الالتزام بالدستور والقانون، وعدم تنفيذ الإزالة قبل تدبير التعويض العادل والمسبق للمواطنين المستحقين.
وطالب بإدراج كامل مخصصات التعويضات ضمن موازنات المشروعات قبل بدء التنفيذ، والالتزام بالمواعيد والإجراءات القانونية الخاصة بإيداع وصرف التعويضات.
كما دعا إلى دعم وإعادة هيكلة هيئة المساحة، وزيادة أعداد العاملين بها بما يتناسب مع حجم الملفات، إلى جانب تطوير آليات الحصر والتقدير والصرف.
وشدد النائب على أهمية إجراء تعديلات إجرائية، إذا لزم الأمر، لتحديد مسؤولية كل جهة عن ملف التعويض، ووضع آلية واضحة ومحددة لصرف المستحقات، بما يقلل فرص التأخير ويضمن حصول المواطن على حقه في التوقيت والقيمة اللذين يكفلهما القانون.
نزع ملكية نحو 88 ألف فدان
أما النائب حسام حسن الخشت، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، والذي سبق وتقدم خلال دور الانعقاد الأول بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزراء النقل والمواصلات، والتخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، والإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، والموارد المائية والري، بشأن كفاءة واستجابة منظومة تعويضات نزع الملكية للمنفعة العامة، وما تشهده من تحديات تؤثر على حصول المواطنين على حقوقهم بصورة عادلة وفي التوقيت المناسب.
وأكد الخشت أن التوسع الكبير الذي شهدته الدولة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية والمشروعات القومية خلال السنوات الأخيرة، صاحبه تزايد في شكاوى المواطنين المتضررين من إجراءات نزع الملكية، خاصة فيما يتعلق بتأخر صرف التعويضات وعدم توافق قيمتها مع الأسعار السوقية الفعلية للأصول المنزوعة، فضلًا عن تأثر القيمة الحقيقية للتعويضات بمعدلات التضخم وارتفاع الأسعار.
وأشار النائب إلى أن دراسة حديثة صادرة في يونيو 2026 كشفت عن نزع ملكية نحو 88 ألفًا و769 فدانًا لصالح 525 مشروعًا خلال الفترة من 2021 إلى 2025، مع تضرر أكثر من 136 ألف أسرة بإجمالي يتجاوز 546 ألف مواطن، وهو ما يعكس أهمية مراجعة آليات التقييم والصرف وضمان تحقيق العدالة للمتضررين.
وشدد الخشت على أن الدستور المصري كفل حماية الملكية الخاصة، حيث نصت المادة (35) على عدم جواز نزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدمًا وفقًا للقانون، كما ألزم قانون نزع الملكية الجهات طالبة النزع بإيداع قيم التعويضات وفق الضوابط القانونية المنظمة لذلك.
وطالب النائب الحكومة بتوضيح أسباب تأخر صرف التعويضات في عدد من المشروعات، ومدى الالتزام بالمدد القانونية المحددة، وآليات مراجعة وتحديث قيم التعويضات بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية ومعدلات التضخم، فضلًا عن الإجراءات المتخذة لضمان حصول المواطنين على كامل حقوقهم دون انتقاص.






