عربي ودولي

من احتواء الحرب إلى منع انفجارها.. تيجراي واختبار الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في القرن الأفريقي

واشنطن أمام معادلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها تيجراي وإريتريا والسودان والبحر الأحمر وسد النهضة

لم تعد أزمة تيجراي في عام 2026 مجرد نزاع داخلي بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي، كما لم تعد الولايات المتحدة تتعامل معها باعتبارها أزمة إنسانية وأمنية منفصلة عن محيطها.

فالتطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة أعادت تيجراي إلى قلب الحسابات الجيوسياسية في القرن الأفريقي، في وقت تتزايد فيه حدة التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، ويستمر فيه الصراع السوداني، بينما تتسع أهمية البحر الأحمر وممراته الاستراتيجية.

وتكمن المفارقة في أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واجه اندلاع حرب تيجراي خلال الأسابيع الأخيرة من ولايته الأولى عام 2020، ثم عاد إلى البيت الأبيض ليواجه، خلال ولايته الثانية، خطر عودة الأزمة نفسها، ولكن في بيئة إقليمية مختلفة وأكثر تعقيدًا.

والفارق الأساسي أن واشنطن عام 2020 كانت تتعامل مع حرب اندلعت بالفعل، بينما تحاول في 2026 استخدام أدوات الضغط والتحرك الدبلوماسي قبل أن تتحول الأزمة السياسية والعسكرية إلى حرب شاملة جديدة.

أولًا: 2020.. ترامب أمام حرب لم تكن في صدارة أجندته

اندلعت حرب تيجراي في نوفمبر 2020، عندما دخلت القوات الفيدرالية الإثيوبية في مواجهة مع جبهة تحرير شعب تيجراي، بعد أشهر من تصاعد الخلاف السياسي بين حكومة آبي أحمد والقيادة التيجراوية.

وكان دونالد ترامب حينها رئيسًا للولايات المتحدة، لكن من المهم التمييز بين موقف الإدارة الأمريكية ككل وبين تصريحات الرئيس شخصيًا؛ إذ لم يكن لترامب خطاب شخصي واسع ومفصل بشأن حرب تيجراي على النحو الذي ظهر في ملف سد النهضة.

وصدر الجزء الأكبر من الموقف الأمريكي تجاه الحرب عن وزارة الخارجية ومسؤولي الإدارة المعنيين بالملف الأفريقي.

وفي 30 نوفمبر 2020، تحدث وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، مايك بومبيو، مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ودعا إلى إنهاء القتال وبدء الحوار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ودون عوائق.

وقبل ذلك، في 17 نوفمبر، أدانت واشنطن هجوم جبهة تحرير شعب تيجراي على إريتريا، ودعت جميع الأطراف إلى خفض التصعيد وحماية المدنيين.

وتكشف هذه المواقف عن طبيعة المقاربة الأمريكية آنذاك، والتي ركزت على الحفاظ على وحدة الدولة الإثيوبية، ومنع اتساع نطاق الحرب، والحيلولة دون تحول الصراع إلى مواجهة إقليمية.

لكن المشكلة أن واشنطن كانت تتعامل مع أزمة تجاوزت بالفعل مرحلة الخلاف السياسي؛ فبحلول أواخر نوفمبر، كان الجيش الإثيوبي يتقدم باتجاه ميكيلي، بينما كانت المخاوف الدولية تتزايد بشأن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين واتساع موجات النزوح باتجاه السودان.

ومن هنا ظهرت إحدى ثغرات السياسة الأمريكية آنذاك، جاء التحرك الدبلوماسي في وقت كانت فيه الحرب قد أصبحت واقعًا عسكريًا على الأرض.

ثانيًا: ترامب وسد النهضة.. الملف الذي طغى على تيجراي

المفارقة أن أبرز تصريحات ترامب المرتبطة بإثيوبيا في عام 2020 لم تكن بشأن تيجراي، وإنما بشأن سد النهضة.

ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تتابع التوتر بين أديس أبابا وتيجراي، كان ترامب منخرطًا بقوة في أزمة مياه النيل وسد النهضة، ووصل موقفه من الملف إلى مستوى غير مسبوق من الضغط العلني على أديس أبابا، وهو ما أثار ردود فعل إثيوبية رسمية.

وبالتالي، فإن قراءة السياسة الأمريكية تجاه إثيوبيا في 2020 باعتبارها سياسة موجهة ضد تيجراي وحدها ستكون قراءة ناقصة.

فواشنطن كانت تتحرك في ثلاثة مسارات متوازية: ملف النيل، والاستقرار الإثيوبي، والأمن الإقليمي، وهي ملفات عادت إلى الظهور في عام 2026، ولكن في ظروف أكثر تعقيدًا.

ثالثًا: اتفاق بريتوريا أوقف الحرب.. لكنه لم ينهِ أسبابها

أوقف اتفاق بريتوريا، الموقع في نوفمبر 2022، الحرب الواسعة بين الحكومة الإثيوبية والقوات التيجراوية، لكنه كان أقرب إلى اتفاق لوقف القتال وترتيب مرحلة ما بعد الحرب منه إلى تسوية سياسية شاملة لجميع جذور الصراع.

وظلت ملفات أساسية معلقة، من بينها وضع الأراضي المتنازع عليها، وعودة النازحين، وترتيبات الأمن، ومستقبل العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والسلطات في تيجراي.

كما ظلت قضية القوات الإريترية حاضرة في النقاش بشأن تنفيذ الاتفاق، وهو ما ظهر لاحقًا في الموقف الأمريكي، إذ ربطت واشنطن تطبيع العلاقات مع إثيوبيا بالتقدم في تنفيذ اتفاق السلام، وإنهاء الانتهاكات، وتحقيق تقدم في ملف العدالة الانتقالية.

وهنا برز أحد أبرز تحديات مرحلة ما بعد الحرب، التعامل مع اتفاق السلام باعتباره نهاية للحرب، في الوقت الذي بقيت فيه أسباب سياسية وجغرافية وأمنية للصراع دون تسوية نهائية.

رابعًا: 2026.. واشنطن تغير طريقة التدخل

في عام 2026 عادت تيجراي إلى دائرة الخطر، ففي أبريل ومايو، أعادت جبهة تحرير شعب تيجراي ترتيب الإدارة السياسية في الإقليم، وأعادت مؤسسات مرتبطة بالترتيبات السابقة للحرب، في خطوة اعتُبرت تهديدًا مباشرًا لاتفاق بريتوريا وأثارت مخاوف من ظهور إدارتين متنافستين داخل الإقليم.

لكن رد فعل واشنطن هذه المرة جاء مختلفًا، ففي 18 يونيو 2026، أعلنت الولايات المتحدة قيودًا مستهدفة على التأشيرات بحق أشخاص اتهمتهم بتقويض جهود السلام في إثيوبيا، وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن تصاعد التوتر بين العناصر المتشددة داخل جبهة تحرير شعب تيجراي والحكومة الفيدرالية يهدد بإعادة إشعال الصراع في شمال البلاد.

وهنا تظهر نقطة مهمة في طبيعة التحرك الأمريكي، واشنطن لم تنتظر تحول الأزمة إلى حرب كاملة حتى تتحرك، وإنما لجأت إلى أدوات أقل تكلفة من التدخل المباشر، مثل القيود على التأشيرات والضغط الدبلوماسي.

ويعكس ذلك تحولًا في أدوات التعامل مع الأزمة، من محاولة احتواء حرب قائمة إلى استخدام الضغط السياسي والاقتصادي بهدف منع عودة الحرب قبل اندلاعها.

خامسًا: لماذا أصبحت تيجراي أكثر خطورة في 2026؟

لأن البيئة الإقليمية المحيطة بالإقليم تغيرت، ففي عام 2020، كان الصراع الأساسي يدور بصورة رئيسية بين أديس أبابا وتيجراي.

أما في عام 2026، فأصبحت المعادلة أكثر تعقيدًا: أديس أبابا، تيجراي، أسمرة، السودان، البحر الأحمر، وهذا هو جوهر التحول الجيوسياسي.

ففي يناير وفبراير 2026، تبادلت إثيوبيا وإريتريا اتهامات حادة؛ إذ اتهمت أديس أبابا أسمرة بالعدوان العسكري ودعم جماعات مسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، بينما رفضت إريتريا هذه الاتهامات ووصفتها بأنها ذريعة لشن حرب.

وفي هذه البيئة، تتحول تيجراي من مجرد إقليم متنازع عليه إلى منطقة شديدة الحساسية بين قوتين متنافستين، وإذا اندلعت مواجهة جديدة داخل تيجراي، فإن احتمال ارتباطها بالتوتر الإثيوبي-الإريتري يصبح أكبر بكثير مما كان عليه في مرحلة ما بعد اتفاق بريتوريا.

سادسًا: السودان.. الحلقة التي قد تحول الحرب الإثيوبية إلى أزمة إقليمية

يمثل السودان أحد أهم المتغيرات الجديدة في معادلة 2026، فالسودان يشهد حربًا منذ أبريل 2023، وبالتالي فإن أي اضطراب واسع في شمال إثيوبيا لن يحدث في فراغ إقليمي.

وقد حذرت تحليلات من أن تجدد الحرب في شمال إثيوبيا يمكن أن يوسع نطاق التوتر الإقليمي، بما قد يؤثر في العلاقات والحدود بين إثيوبيا والسودان.

وفي حال اندلاع حرب جديدة، يمكن أن تتأثر الحدود الإثيوبية-السودانية، وتظهر موجات نزوح جديدة باتجاه السودان، فضلًا عن احتمال فتح قنوات للدعم أو التسليح عبر الحدود، وتداخل حسابات الصراع الإثيوبي مع الحرب السودانية.

وبذلك، يمكن أن تتحول تيجراي إلى نقطة اتصال بين أزمتين إقليميتين تبدوان منفصلتين في ظاهرهما.

سابعًا: البحر الأحمر يغير حسابات واشنطن

يمثل البحر الأحمر عاملًا آخر لا يقل أهمية في الحسابات الأمريكية، فإثيوبيا دولة حبيسة، لكنها تسعى منذ سنوات إلى الحصول على منفذ بحري، بينما تمتلك إريتريا ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر.

وبالتالي، فإن أي صدام إثيوبي-إريتري لا يتعلق فقط بالحدود أو بإقليم تيجراي، وإنما يرتبط أيضًا بسؤال استراتيجي يتعلق بالوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.

وهنا تصبح المصالح الأمريكية أوسع من ملفات حقوق الإنسان أو الديمقراطية، لتشمل أمن الملاحة، ومكافحة الإرهاب، واستقرار الممرات التجارية، والتنافس على النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ولهذا، فإن منع تحول أزمة تيجراي إلى مواجهة إثيوبية-إريترية أوسع يمكن أن يمثل بالنسبة إلى واشنطن جزءًا من حسابات الأمن الإقليمي، وليس مجرد ملف داخلي إثيوبي.

ثامنًا: هل تغير ترامب أم تغيرت أولويات الولايات المتحدة؟

الأدق سياسيًا ألا يُقال إن ترامب «غير موقفه من تيجراي»، لأن المقارنة المباشرة بين تصريحاته الشخصية في عامي 2020 و2026 محدودة، والأصح أن يقال، إن البيئة التي تعمل فيها الإدارة الأمريكية تغيرت.

ففي عام 2020 كان الهدف الأساسي هو التعامل مع حرب ناشئة، والحفاظ على الاستقرار الإثيوبي، ومنع اتساع الصراع.

أما في عام 2026، فتجد الولايات المتحدة نفسها أمام منظومة أوسع تضم تيجراي وإريتريا والسودان والبحر الأحمر وسد النهضة.

وهذا يفسر تحول أدوات واشنطن نحو مزيد من الانتقائية؛ فبدلًا من الانخراط في مواجهة سياسية مفتوحة مع أديس أبابا، تستخدم الإدارة الأمريكية العقوبات الفردية والقيود على التأشيرات والضغط الدبلوماسي، بالتوازي مع النظر إلى المشهد الإقليمي الأوسع.

تاسعًا: هل تستطيع واشنطن منع الحرب أم احتواء آثارها؟

تكمن إحدى أصعب نقاط الأزمة في حدود الأدوات الأمريكية، فالولايات المتحدة تستطيع فرض قيود على السفر، واستخدام العقوبات والضغط الدبلوماسي، ودعم جهود الوساطة، لكنها لا تستطيع وحدها حل الخلافات بين أديس أبابا وتيجراي، أو إنهاء التوتر بين إثيوبيا وإريتريا.

كما تواجه واشنطن معضلة في تحديد مستوى الضغط المناسب؛ فإذا مارست ضغطًا شديدًا على الحكومة الفيدرالية، فقد ترى أديس أبابا أن واشنطن تتدخل في شؤونها وسيادتها، بينما يتوقف الضغط المتوازن على جميع الأطراف على وجود تسوية سياسية قابلة للتنفيذ.

وهنا يصبح اتفاق بريتوريا نقطة الاختبار الأساسية، فالتحدي لا يتمثل فقط في منع إطلاق النار، وإنما في معالجة الملفات التي أبقت أسباب الصراع قائمة تحت سطح السلام.

عاشرًا: من تيجراي إلى إعادة تشكيل القرن الأفريقي

تكشف الأزمة أن واشنطن لم تعد قادرة على فصل الملفات الإقليمية عن بعضها.

فسد النهضة يؤثر في العلاقات المصرية-الإثيوبية، والعلاقة الإثيوبية-الإريترية تؤثر في تيجراي، بينما ترتبط تطورات تيجراي بالسودان، ويرتبط السودان بأمن البحر الأحمر، الذي أصبح بدوره ساحة لتنافس دولي وإقليمي متزايد.

وبالتالي، فإن أي سياسة أمريكية تجاه تيجراي ستظل مرتبطة بهذه السلسلة الإقليمية الأوسع.

ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة تحرك واشنطن في يونيو 2026 باعتباره مجرد إجراء يستهدف قيادات أو أطرافًا مرتبطة بتيجراي، بل باعتباره جزءًا من محاولة أوسع للحيلولة دون تحول التوتر في الإقليم إلى صراع جديد يمتد إلى خارج الحدود الإثيوبية.

زر الذهاب إلى الأعلى