مصر تحارب الدولار بـ«مبادلة العملات».. ماذا وراء التحرك مع بريكس والصين والإمارات؟

تحاول السلطات النقدية في مصر، ممثلة في البنك المركزي المصري، العمل على تقليص المعاملات بالنقد الأجنبي، لخفض الفاتورة الاستيرادية، في ظل استمرار تداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية، التي تسببت في ارتفاع أسعار السلع الأساسية والنفط وتكاليف الشحن عالميًا.
وكشفت تقارير حكومية ومصرفية عن اعتماد البنوك في الوقت الحالي على مبادلات العملات وفقًا لاتفاقيات ثنائية يجريها البنك المركزي المصري مع دول بريكس، سواء بصورة جماعية أو منفردة، خصوصًا بعد نجاح تمديد اتفاقية مصر مع الصين ورفع سقف معاملات مبادلة العملات بما يقارب 4.4 مليار دولار، بما يعادل 30 مليار يوان صيني، إلى جانب تمديد اتفاقية مبادلة العملات بين مصر والإمارات لمدة 5 سنوات.
وبموجب الاتفاقية مع الإمارات، تتبادل مصر 69 مليار جنيه مقابل الحصول على 5 مليارات درهم إماراتي، إلى جانب سلسلة من المعاملات المرتقبة مع عدد من دول بريكس.

لماذا تلجأ مصر إلى مبادلة العملات؟
بحسب تقارير صادرة عن البنك المركزي المصري، تتضمن توجهات الحكومة تشجيع الاستثمار الأجنبي في مصر، بالإضافة إلى رفع مستويات الميزان التجاري والتحول من العجز إلى الفائض، إذ تساعد عمليات مبادلة العملات على دعم حركة التجارة وفتح أسواق للمنتجات المصرية في الخارج، وهو ما يعزز حجم الصادرات ويرفع مستويات الاحتياطي النقدي.
وتركز إجراءات الحكومة في الوقت الحالي على خفض المعاملات بالدولار والعملات الأجنبية الأخرى، كاليورو، بهدف تقليل الطلب على العملة الأجنبية، خصوصًا مع التلويح بارتفاع أسعار السلع الأساسية عالميًا، ولا سيما النفط والحبوب وغيرها، وهو ما قد يتسبب في ارتفاع معدلات عجز الموازنة.

مناخ لجذب الاستثمار
قال الباحث الاقتصادي محمود حجازي، إن إجراءات البنك المركزي المصري لخفض الطلب على الدولار من جانب المستثمرين والمصنعين لشراء الخامات تمثل توجهًا مطلوبًا في ظل ضبابية المشهد الاقتصادي على الساحة العالمية وانعكاساتها على الاقتصاد المصري.
وأضاف «حجازي»، في تصريحات لـ«ليبرالي»، أن العبرة ليست بتوفير قدر كبير من العملة الأجنبية لمواجهة ارتفاع الأسعار العالمية، مؤكدًا أن جذب الاستثمار يتوقف على تهيئة بيئة مواتية لدعم الاستثمار، سواء من خلال تشريعات غير متضاربة، أو توفير تسهيلات وحوافز حقيقية لجذب رؤوس الأموال، في ظل التداعيات العالمية الأكثر صعوبة.
وأوضح «حجازي»، أن الأسعار العالمية، سواء للنفط أو غيره، لا تزال تشهد تذبذبًا كبيرًا بعد تأثر الإمدادات النفطية من دول الخليج، ليرتفع النفط بمقدار 3.1 دولار للبرميل مجددًا، ويصل خام برنت إلى نحو 101 دولار للبرميل حاليًا.
وأشار إلى أن ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه يفرض ضغوطًا جديدة على الاقتصاد المصري، خاصة أن جزءًا كبيرًا من احتياجات السوق المحلية، سواء من السلع الوسيطة أو مستلزمات الإنتاج أو بعض المنتجات النهائية، لا يزال مرتبطًا بالاستيراد، وهو ما يجعل أي تحرك في سعر الصرف ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تكلفة الإنتاج والأسعار.
وأضاف «حجازي»، أن تأثير ارتفاع الدولار لا يتوقف عند تكلفة الواردات، وإنما يمتد إلى مختلف حلقات الاقتصاد، بداية من المنتج والمصنع وصولًا إلى المستهلك النهائي، موضحًا أن الشركات التي تعتمد على مكونات أو خامات مستوردة قد تضطر إلى إعادة تسعير منتجاتها للحفاظ على هوامش التشغيل، بما قد يضيف ضغوطًا جديدة على معدلات التضخم.
وأوضح أن التعامل مع تداعيات ارتفاع الدولار يتطلب التركيز بصورة أكبر على زيادة الإنتاج المحلي وتعميق التصنيع، إلى جانب دعم القطاعات القادرة على تحقيق إيرادات دولارية وزيادة الصادرات، بما يسهم في تقليص الفجوة بين الطلب على العملة الأجنبية والموارد الدولارية المتاحة.

وأشار إلى أن الحفاظ على استقرار سوق الصرف يرتبط أيضًا بقدرة الاقتصاد على جذب استثمارات جديدة وزيادة موارد النقد الأجنبي من السياحة والصادرات والاستثمار وتحويلات المصريين بالخارج، مؤكدًا أن زيادة المعروض الدولاري بصورة مستدامة تظل العامل الأكثر أهمية في الحد من الضغوط على سعر الصرف.
وأكد «حجازي»، أن الفترة الحالية تتطلب توجيه مزيد من الاهتمام إلى الصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارهما من الأدوات القادرة على زيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتقليل الاعتماد على الواردات، مشددًا على أن معالجة أزمة الدولار لا يجب أن تقتصر على التعامل مع سعر الصرف نفسه، وإنما تمتد إلى معالجة الأسباب الهيكلية التي تؤثر في الطلب على العملة الأجنبية.






