الصكوك الضريبية.. تمويل بلا اقتراض أم «دين بلا مسمى»؟ دراسة تكشف المخاطر والأسئلة المؤجلة

في الوقت الذي تبحث فيه الحكومة عن أدوات جديدة لتخفيف ضغوط التمويل وخفض فاتورة خدمة الدين، تفتح «الصكوك الضريبية» بابًا لواحد من أكثر الأسئلة حساسية في إدارة المالية العامة: هل نحن أمام أداة مبتكرة لتوفير السيولة دون زيادة الدين، أم أمام التزام مالي مؤجل يُعاد تقديمه في صورة مختلفة؟.
المقترح الذي يستند إلى تحصيل جزء من الضرائب مقدمًا مقابل عائد، يبدو للوهلة الأولى كأنه معادلة رابحة للخزانة والممول معًا؛ الدولة تحصل على سيولة اليوم، والممول يحصل على عائد ويخصم لاحقًا قيمة الصك من التزاماته الضريبية.
لكن خلف هذه المعادلة البسيطة، تطرح دراسة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية أسئلة أكثر تعقيدًا حول تكلفة الأداة، وتأثيرها على إيرادات الموازنات المقبلة، وعدالتها بين كبار الممولين والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وما إذا كانت تعالج أصل مشكلة الدين أم تؤجلها فقط؛ فالقضية هنا ليست مجرد «تحصيل ضريبة قبل موعدها»، وإنما قرار باستخدام جزء من إيرادات المستقبل لتوفير سيولة في الحاضر؛ وهو ما يجعل الصكوك الضريبية أمام اختبار حقيقي: هل تخفف أعباء المالية العامة بالفعل، أم تنقل جزءًا من الضغوط من موازنة اليوم إلى موازنة الغد؟.
وطرح المركز المصري للدراسات الاقتصادية تساؤلات حول مقترح إصدار «الصكوك الضريبية»، باعتبارها أداة تستهدف توفير تمويل للموازنة من خلال مبالغ يسددها الممولون مقدمًا، على أن تُخصم لاحقًا من التزاماتهم الضريبية، مقابل عائد مناسب.
وأشار المركز إلى أن أهمية النقاش حول الأداة الجديدة لا ترتبط فقط بقدرتها على توفير سيولة عاجلة، وإنما تمتد إلى طبيعة هذه الأداة وتأثيرها على المالية العامة، وحقوق الأجيال المقبلة، والعدالة الاجتماعية، ومدى وضوح القواعد المنظمة لها، إذ يأتي ذلك في وقت تمثل فيه أعباء الدين وخدمة الدين أحد أبرز التحديات أمام المالية العامة، الأمر الذي يجعل أي أداة تستهدف خفض الاحتياجات التمويلية محل اهتمام، لكنه في الوقت نفسه يفرض اختبارها وفقًا لمبادئ السياسة العامة السليمة.
الصكوك الضريبية.. تفعيل لفكرة قديمة
بحسب الدراسة، فإن فكرة الصكوك الضريبية ليست جديدة على التشريع المصري، إذ يتضمن قانون الضريبة على الدخل منذ عام 2005 نصًا يسمح بإصدار صكوك يكتتب فيها الممولون، وتستخدم قيمتها وعائدها في سداد ضرائب مستحقة أو مستقبلية.
وأوضحت أن المقترح الحالي يتمثل في تفعيل النص القائم وليس استحداث الفكرة من الأساس، مشيرة إلى أن تفعيل الأداة جاء في توقيت منفصل عن آخر تعديل لقانون الضريبة على الدخل، إذ نُشر تعديل القانون في الجريدة الرسمية في يوليو 2026، ثم صدر قرار الصكوك بعد ذلك بنحو أسبوعين، وهو ما يطرح، بحسب الدراسة، تساؤلات حول وضوح القواعد ومعلومية الالتزام بالنسبة للممولين.
هل تخفض الصكوك الضريبية الدين أم تؤجل المشكلة؟
وأكد المركز في تحليله على سؤال جوهري: هل تؤدي الصكوك الضريبية بالفعل إلى حل مشكلة الدين، أم أنها تعيد ترتيب توقيت الإيرادات دون معالجة الأسباب التي أدت إلى نشوء الدين؟، موضحا أن الأداة في جوهرها تعني حصول الخزانة اليوم على أموال مقابل التنازل مستقبلًا عن جزء من حصيلة الضرائب، مع دفع عائد للممول.
ويشبه المركز ذلك بفلاح يحصل على ثمن محصوله قبل زراعته، مقابل الالتزام بتسليم جزء من المحصول عند الحصاد، وبالتالي فإن الحكومة تحصل على السيولة في الوقت الحالي، بينما تتحمل الموازنة في المستقبل تكلفة الوفاء بما التزمت به، سواء في صورة رد قيمة الصك أو خصمها من الضرائب المستحقة، إلى جانب العائد المرتبط بالأداة.
وتشير الدراسة إلى أن جدوى هذه العملية لا يمكن تحديدها بشكل نهائي عند الإصدار، لأن تكلفة التعجيل بالسيولة تكون محددة، بينما الحصيلة الضريبية المستقبلية التي سيجري الخصم منها ليست ثابتة، وإنما تتأثر بمعدلات النمو والأسعار والنشاط الاقتصادي، و إذا نمت الحصيلة الضريبية بمعدل يفوق تكلفة العائد، فقد تكون العملية مواتية للخزانة، بينما قد يحدث العكس إذا جاءت الحصيلة أقل من التوقعات.
العائد.. ميزة للممول وتكلفة على الخزانة
وأشار المركز إلى أن العائد المدفوع على الصك يمثل في الوقت نفسه ميزة بالنسبة إلى الممول وتكلفة بالنسبة إلى الخزانة، فما يحصل عليه المكتتب كعائد يمثل تكلفة تتحملها الموازنة العامة، وهو ما يستدعي النظر إلى الأداة باعتبارها عملية تمويل لها تكلفة، وليس مجرد آلية لتحصيل الضرائب مقدمًا.
ويطرح ذلك سؤالًا حول مدى قدرة هذه الآلية على خفض تكلفة التمويل فعليًا مقارنة ببدائل التمويل الأخرى.
حقوق الأجيال المقبلة تحت الاختبار
وتضع الدراسة مبدأ حقوق الأجيال المقبلة ضمن أبرز معايير تقييم الصكوك الضريبية، فالأداة لا تغير بالضرورة حجم ما يدفعه الممول من أموال، لكنها تغير توقيت استخدام هذه الأموال، بحيث تحصل الدولة عليها في الوقت الحالي مقابل تقليل جزء من إيرادات السنوات المقبلة.
وتظهر المشكلة، وفق الدراسة، عندما يحل أجل الصك؛ إذ تجد الموازنة في ذلك العام جزءًا من حصيلتها الضريبية قد جرى تخصيصه مسبقًا، في الوقت الذي تظل فيه التزاماتها الأساسية قائمة، مثل الإنفاق على الأجور والصحة والتعليم والدعم.
وتزداد أهمية هذا الأمر مع احتمالية تغير الظروف الاقتصادية، إذ قد تواجه الدولة في المستقبل احتياجات لم تكن متوقعة وقت إصدار الصك، موضحا أن تكرار الإصدار عامًا بعد عام قد يحول الأداة من إجراء استثنائي إلى التزام مستمر على إيرادات لم تتحقق بعد.
من يستفيد من الصكوك الضريبية؟
وأشار المركز لتساؤل حول العدالة الاجتماعية، وتحديدًا بشأن الفئات القادرة على الاكتتاب في هذه الأدوات، فالمشاركة تتطلب توافر فائض من السيولة، والقدرة على تجميد الأموال لفترة زمنية، وتحمل تكلفة عدم استخدامها في النشاط التشغيلي.
ويرى المركز أن هذه الشروط تتوافر بدرجة أكبر لدى كبار الممولين والشركات التي تمتلك فوائض نقدية، بينما قد تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة صعوبة أكبر في تجميد أموالها، نظرًا لارتباط السيولة لديها بالدورة التشغيلية اليومية.
وبالتالي، قد يصبح العائد المرتبط بالصك امتيازًا متاحًا بدرجة أكبر لمن يمتلك القدرة على تجميد السيولة، وتربط الدراسة ذلك بتعديل تشريعي صدر في فبراير 2025، استبعد المشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه من نظام الخصم أو الدفعات المقدمة تحت حساب الضريبة، في إطار فصل حمل عنوان «التيسيرات الضريبية».
وتشير الدراسة إلى أن طرح أداة لسداد الضرائب مقدمًا مقابل عائد، يستفيد منها القادرون على توفير السيولة، قد يثير تساؤلات حول مدى اتساقها مع فلسفة التيسيرات الضريبية الموجهة للمنشآت الأصغر.
هل تنتقل تكلفة الصك إلى المستهلك؟
تطرح الدراسة جانبًا آخر يتعلق بقدرة الشركات الكبرى على تمرير تكلفة السيولة إلى أسعار السلع والخدمات،فالشركات التي تستطيع الاكتتاب في الصكوك قد تكون في بعض الحالات قادرة على نقل جزء من تكلفة التمويل إلى أسعار منتجاتها وخدماتها، حيث ينتقل جزء من التكلفة بصورة غير مباشرة إلى المستهلك النهائي، رغم أنه لم يشارك في الاكتتاب في الأداة.
الشفافية.. السؤال المؤجل
ويتوقع المركز أن القبول المجتمعي لأي سياسة مالية لا يتوقف على الإعلان عن المبدأ فقط، وإنما يحتاج إلى قواعد واضحة تحدد المستفيدين وغير المستفيدين، وآلية تعويض غير المستفيدين إن وجدت، وطريقة احتساب العائد، إذ تشير الدراسة إلى أن عددًا من التفاصيل المهمة لم يكن قد حُسم بعد، ومن بينها آلية ربط العائد بمرجع منشور أو ترك تحديده لتقدير إداري، وسقف الإصدار الإجمالي، وكيفية التعامل مع الحالات التي يتجاوز فيها اكتتاب الممول التزامه الضريبي الفعلي.
كما تطرح الدراسة تساؤلًا حول كيفية تسجيل حصيلة الصكوك محاسبيًا: هل تعامل باعتبارها إيرادات ضريبية أم أحد مصادر التمويل؟ إذ يعتبر المركز أن تأخر التفاصيل التنظيمية قد يمثل تكلفة في حد ذاته، لأن الشركات قد تتخذ قراراتها على أساس افتراضات احترازية قبل اكتمال الإطار التنظيمي.
ماذا تقول تجارب الدول؟
تؤكد الدراسة أن الصكوك الضريبية ليست من أدوات التمويل العام المستقرة أو ذات التصنيف القياسي الواضح في الأطر المحاسبية الدولية، وأن التجارب الدولية المرتبطة بها جاءت محدودة ومتباينة، حيث الدراسة تجارب في عدد من الدول، من بينها إيطاليا واليونان وبريطانيا وهونج كونج، بهدف اختبار مدى نجاح الأدوات المشابهة في تحقيق أهدافها.
وفي إيطاليا، أقر مجلس النواب في مايو 2019 توصية تلزم الحكومة ببحث إصدار أوراق حكومية صغيرة القيمة يمكن استخدامها في تسوية المستحقات الضريبي حيث نفت وزارة الاقتصاد والمالية الإيطالية وجود حاجة إلى إصدارات من هذا النوع.
وتستعرض الدراسة كذلك موقف البنك المركزي الأوروبي من طبيعة هذه الأدوات، في إطار الجدل حول تصنيفها: هل تمثل نقودًا أم دينًا؟، مشيرا إلي وجود تجارب بريطانية وهونج كونجية لأدوات قريبة من الفكرة، لكنها تختلف في تصميمها وآلية استخدامها.
وتخلص الدراسة إلى أن القاسم المشترك بين التجارب المختلفة هو أن هذه الأدوات لم تتحول إلى حل مستقر لمشكلة الدين، كما أن آثارها على معالجة أعباء الدين ظلت محدودة.
المشكلة ليست في جدول السداد
تضع الدراسة جوهر المشكلة في مكان آخر، إذ ترى أن الدين في الأساس نتيجة لقرارات إنفاق واستثمار وأولويات مالية سابقة، فإن معالجة مشكلة الدين لا تبدأ عند إعادة ترتيب مواعيد السداد، وإنما عند مراجعة القرارات التي أدت إلى تكوينه.
وتؤكد الدراسة أن إعادة جدولة الالتزامات لا تكفي وحدها إذا لم يقابل الدين عائد اقتصادي كافٍ يسمح بخدمته وسداده.
ومن هذا المنطلق، يربط المركز معالجة مشكلة الدين بالإصلاح المؤسسي ومراجعة أولويات الدولة وبنود الإنفاق الحكومي، إلى جانب قياس العائد الاقتصادي والاجتماعي للإنفاق الاستثماري.
الصكوك الضريبية.. حل للسيولة أم إعادة ترتيب للمشكلة؟
وتضع الدراسة الصكوك الضريبية أمام اختبار يتجاوز قدرتها على توفير سيولة عاجلة، إذ تعيد الدراسة ترتيب توقيت تحصيل إيراد قائم، لكنها لا تنشئ إيرادًا جديدًا، ولا تعالج القرار الأصلي الذي أدى إلى الحاجة لتمويل.
وحذرت الدراسة من أن الاعتماد المتكرر على مثل هذه الأدوات قد يحولها من وسيلة استثنائية لإدارة السيولة إلى التزام مستمر على الإيرادات المستقبلية.
وأوضح المركز أن التعامل المستدام مع مشكلة الدين يتطلب مراجعة القرارات التي أنشأت الالتزامات، وضبط أولويات الإنفاق والاستثمار، بدلًا من الاعتماد المتكرر على حلول تؤجل أثر المشكلة إلى موازنات لاحقة.






