صراع الممرات «١٠-١٠».. مضيق جبل طارق.. بوابة المتوسط إلى العالم
إذا كانت قناة السويس هي البوابة التي يدخل منها العالم إلى البحر المتوسط من الشرق، فإن مضيق جبل طارق هو البوابة التي يخرج منها المتوسط إلى المحيط الأطلسي، وبين البوابتين تتشكل واحدة من أهم المناطق البحرية في العالم.
يفصل المضيق بين أوروبا وأفريقيا، ويربط البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي، ولذلك تحول عبر التاريخ إلى نقطة تتقاطع عندها التجارة والجيوش والإمبراطوريات، وموقعه الاستراتيجي هو ما يفسر حرص بريطانيا على جبل طارق؛ فمنذ سيطرة القوات الإنجليزية عليه عام 1704، ثم تثبيت الوجود البريطاني بموجب معاهدة أوترخت عام 1713، ظل الموقع قاعدة بحرية مهمة تتيح مراقبة الحركة بين الأطلسي والمتوسط.
ولا تكمن أهمية جبل طارق في موقعه الجغرافي فقط؛ فالمضيق تمر عبره نحو 100 ألف سفينة سنويًا، أي ما يقارب 270 سفينة يوميًا، محملة بالنفط والغاز والحاويات والبضائع المختلفة. وهذا الحجم من الحركة يجعل أي اضطراب كبير في المضيق قادرًا على التأثير في حركة التجارة والطاقة بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.
لكن المنافسة لم تعد بريطانية–إسبانية فقط، فإسبانيا تتمسك بموقفها من السيادة على جبل طارق، بينما يمثل موقع المغرب على الضفة الجنوبية للمضيق عنصرًا مهمًا في معادلة جديدة، خصوصًا مع التطور الكبير لميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح مركزًا لوجستيًا رئيسيًا ينافس موانئ جنوب إسبانيا على حركة التجارة والخدمات البحرية.
وهكذا تحولت المنطقة إلى مساحة تتداخل فيها السيادة والجغرافيا والتجارة والقوة البحرية.

لكن هل يمكن أن يتحول جبل طارق إلى أزمة ملاحة مثل باب المندب؟
المخاطر مختلفة، فالمضيق لا يواجه حاليًا أزمة ملاحة مماثلة، لكن حساسيته تكمن في أنه عنق الزجاجة الذي يربط المتوسط بالمحيط الأطلسي. وأي اضطراب كبير فيه يمكن أن يؤثر على حركة السفن والطاقة والموانئ الأوروبية والمتوسطية.
وهنا تظهر فكرة أساسية في «صراع الممرات»: أهمية أي ممر لا تتحدد فقط بحجم التجارة التي تمر خلاله، وإنما أيضًا بعلاقته بالممرات الأخرى.
فإذا زادت المخاطر في هرمز، ارتفعت أهمية طرق الطاقة البديلة. وإذا اضطر جزء من التجارة إلى تجنب باب المندب، أصبحت طرق المتوسط والمحيط الأطلسي أكثر أهمية. وإذا زادت حركة التجارة عبر السويس، أصبح مدخل المتوسط الغربي جزءًا أكثر حساسية من هذه الشبكة.
فالممرات لا تعمل منفردة؛ إنها شبكة واحدة، والضغط على ممر يمكن أن يرفع القيمة الاستراتيجية لممر آخر.
ولهذا فإن جبل طارق يمثل خاتمة طبيعية لهذه الرحلة؛ فهو يقف بين بحرين وقارتين، وعلى واحد من أهم مفاتيح الحركة البحرية العالمية.
وفي عالم «صراع الممرات»، قد لا تكون القوة في امتلاك البحر كله، وإنما في امتلاك المفتاح الذي يفتح بابه.






