اقتصاد

بين تداعيات الحرب الإيرانية وضغوط التمويل.. كيف يواجه الاقتصاد المصري سيناريوهات الأزمة؟

خبراء اقتصاد يحذرون من ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن.. ويطرحون حلولًا لتعزيز الاستثمار والإنتاج والصادرات وترشيد الإنفاق الحكومي

تفرض التوترات الإقليمية وتداعيات الحرب الإيرانية تحديات متزايدة على الاقتصاد المصري، في ظل الضغوط على أسعار الطاقة وتكاليف الاستيراد والشحن، وما قد تتركه من آثار على الموازنة العامة وأسعار السلع والخدمات ومستويات معيشة المواطنين خلال العام المالي 2026/2027.

ولا تقتصر التحديات على الضغوط الخارجية، بل تمتد إلى تدبير الاحتياجات التمويلية، وزيادة الاستثمار الخاص والإنتاج والصادرات، وتوفير فرص العمل.

كيف يواجه الاقتصاد المصري سيناريوهات الأزمة؟

وفي هذا السياق، يستعرض خبراء اقتصاديون المخاطر المحتملة وسيناريوهات التعامل معها والإصلاحات اللازمة لتعزيز الموارد المستدامة.

رائد سلامة: اشتداد الأزمات قد يشير إلى اقتراب نهايتها

أعرب الدكتور رائد سلامة، الخبير الاقتصادي، عن تفاؤله بإمكانية احتواء الأزمات، معتبرًا أن اشتدادها قد يكون مؤشرًا على اقتراب نهايتها، في ظل تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد المصري.

وأشار إلى احتمال التوصل إلى اتفاق أو هدنة مؤقتة، بما يسمح بعودة حركة الملاحة في المضايق إلى مستويات أقرب لما كانت عليه قبل الأزمة، ويؤدي إلى انخفاض أسعار النفط، وانحسار الضغوط التضخمية واستقرار سلاسل الإمداد.

الدكتور رائد سلامة
الدكتور رائد سلامة

وأضاف أن اقتراب انتخابات الكونجرس النصفية والمشكلات التي يواجهها الاقتصاد الأمريكي قد يشكلان عاملَي ضغط لإنهاء الأزمة.

وأوضح أن إدارة المخاطر تستلزم إعداد سيناريوهات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، تشمل صدمات أسعار الطاقة والغذاء والأسمدة، واضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد، وتقلبات أسواق المال والصرف الأجنبي، وتراجع تدفقات رؤوس الأموال، وانعكاسات ذلك على القطاع الخاص والتوظيف والتصنيع.

وأكد «سلامة» أن التحدي الأهم يتمثل في مراجعة فلسفة إعداد الموازنة، وتعظيم الموارد من مصادر غير ضريبية، وترشيد الإنفاق لخفض العجز.

وشدد على ضرورة التنسيق بين السياسات النقدية والمالية والاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن الانتقال من قياس النمو إلى تحقيق التنمية وتحسين مستوى المعيشة.

واقترح تحديث وثيقة السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية، التي أُعلنت في سبتمبر 2025، وفق المستجدات الجيوسياسية والسيناريوهات المحتملة، مع عرضها على مجلس النواب لمناقشتها ومتابعة تنفيذ أولوياتها، وإمكانية إعادة ترتيب بعض الخطط الحكومية إذا استمرت الضغوط التمويلية.

وليد جاب الله: أسعار الطاقة تضغط على الموازنة

قال الدكتور وليد جاب الله، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة، إن استمرار الاضطرابات الإقليمية يهدد بزيادة أسعار البترول والشحن والنقل، موضحًا أن تجاوز سعر البرميل مستوى 75 دولارًا المحدد في الموازنة، واقترابه من 100 دولار، يرفع تكلفة استيراد الطاقة ويزيد الأعباء المالية.

وأضاف أن ارتفاع أسعار السلع المستوردة ومستلزمات الإنتاج يرفع تكاليف التصنيع، وينعكس على أسعار المنتجات النهائية، مؤكدًا أن مرونة سعر الصرف ساعدت الاقتصاد على استيعاب الضغوط، مشيرًا إلى أن خروج استثمارات أجنبية تتجاوز 6 مليارات دولار من أدوات الدين الحكومية لم يمنع مواصلة مواجهة التحديات.

الدكتور وليد جاب الله
الدكتور وليد جاب الله

وحذر من استمرار مخاطر سعر الصرف وتوافر العملة الأجنبية مع عدم الاستقرار العالمي، معتبرًا أن طول أمد الأزمة قد يضاعف الضغوط الاقتصادية، كما أشار إلى انعكاس التحديات الخارجية على أسعار بعض الخدمات، ومنها الكهرباء، واحتمال ظهور آثار إضافية إذا ارتفعت أسعار الوقود.

وأوضح أن أعباء ارتفاع الطاقة والاستيراد قد تتحملها الموازنة العامة أو المواطن من خلال زيادة أسعار السلع والخدمات، أو تتوزع بين الطرفين.

ودعا إلى الحفاظ على مرونة سعر الصرف، والقضاء على السوق السوداء للعملة، وتحفيز القطاع الخاص، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة جديدة، وتوفير التمويل اللازم لدعم الإنتاج والنمو.

هيثم جمال: التصنيع والتكنولوجيا فرص لزيادة الصادرات

أكد الدكتور هيثم جمال، الخبير الاقتصادي، أن تحسين المناخ الاستثماري وزيادة الصادرات وتعزيز دور القطاع الخاص تواجهها تحديات، أبرزها ارتفاع تكلفة التمويل، وتعقيد الإجراءات الإدارية وتعدد جهات الترخيص، وتقلب تكاليف مدخلات الإنتاج المستوردة بفعل تغيرات سعر الصرف والشحن.

وأوضح أن القطاع الخاص قادر على استيعاب ملايين الخريجين سنويًا وخفض البطالة، بشرط الالتزام بوثيقة سياسة ملكية الدولة، والحد من مزاحمة الحكومة، وتقديم حوافز ضريبية وجمركية واضحة ومستقرة لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

وأشار إلى أن مشروعات البنية التحتية أسهمت في تهيئة المناخ للاستثمار، لافتًا إلى فرص واعدة في الصناعات التحويلية لإحلال الواردات وزيادة الصادرات وتعميق المكون المحلي، إلى جانب الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، التي تتيح تصدير الخدمات الرقمية دون تكاليف شحن مرتفعة.

الدكتور هيثم جمال
الدكتور هيثم جمال

إصلاحات مطلوبة لتعزيز الاستدامة

وشدد «جمال» على ضرورة الانتقال من اقتصاد يعتمد على الدين إلى اقتصاد قائم على الإنتاج، عبر مجموعة من الإصلاحات الهيكلية، تشمل وضع سقف ملزم للدين العام، وترشيد الإنفاق الاستثماري الحكومي غير العاجل، ودمج موارد الموازنة والهيئات الاقتصادية لتحسين الكفاءة دون فرض رسوم جديدة.

وتتضمن الإصلاحات توسيع الطروحات الحكومية والشراكات مع المستثمرين الاستراتيجيين لجذب استثمارات مباشرة بدلًا من القروض، وتعزيز الصادرات من خلال انتظام رد الأعباء التصديرية وفتح أسواق جديدة، خاصة في إفريقيا والدول العربية.

كما دعا إلى توجيه الأموال التي تم توفيرها من خلال ترشيد الإنفاق إلى الصحة والتعليم الفني، لرفع إنتاجية العاملين وتأهيلهم لوظائف أعلى أجرًا، وتطوير شبكات الأمان الاجتماعي لضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا والحد من الهدر.

وتعكس هذه الرؤى أن مواجهة التحديات الاقتصادية لا تتوقف على احتواء الصدمات الخارجية، بل تتطلب إصلاحات مالية وإنتاجية متكاملة، تعزز موارد الدولة وتدعم الاستثمار والتصدير، وتضمن وصول ثمار النمو إلى المواطنين.

زر الذهاب إلى الأعلى