مقالات

تثبيت أسعار الوقود.. والبحث عن خطط لمواجهة تقلبات النفط وسعر الصرف

أشرف عبدالغني

أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ ومؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية

يمثل قرار الإبقاء على أسعار المنتجات البترولية دون تغيير حتى نهاية ديسمبر 2026، في ظل تقلبات أسواق الطاقة وسعر الصرف، خطوة تمنح الاقتصاد والمواطنين مساحة لالتقاط الأنفاس، لكنه في جوهره ليس مجرد قرار تسعيري، بل اختبار لقدرة السياسة الاقتصادية على إدارة الصدمات، وحماية الاستقرار الاجتماعي، دون تحميل الموازنة أعباءً تتجاوز قدرتها على الاحتمال.

وتكشف قراءة السنوات الماضية حجم الضغط المتراكم، فمنذ 2016 ارتفعت أسعار الوقود في مصر بنحو ثمانية إلى اثني عشر ضعفًا، بحسب نوع المنتج، وخلال السنوات الخمس الأخيرة وحدها، توالت جولات الزيادة، وصولًا إلى رفع مارس 2026، الذي زادت فيه أسعار البنزين والسولار بنحو 14 إلى 17%.

وفي المقابل، بلغ التضخم السنوي  12.8% في سبتمبر 2026، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهذه المؤشرات لا تُعني أن الوقود وحده يصنع التضخم، لكنها تبرز خطورة إضافة صدمة جديدة إلى تكاليف النقل والإنتاج والغذاء.

الوقود ليس سلعة منفصلة عن حياة المصريين، بل يدخل في نقل المحاصيل والبضائع، وتشغيل المصانع، وتكلفة الخدمات، وأي زيادة كبيرة قد تنتقل عبر حلقات الإمداد إلى أسعار السلع، فتتآكل القوة الشرائية للأسر، وتتزايد أعباء المشروعات الصغيرة، ويصبح احتواء التضخم أكثر صعوبة، لذلك، فإن احتمالات الزيادة تستوجب الاستعداد المبكر، لا افتراض أن المجتمع قادر على استيعاب موجة جديدة مهما بلغت حدتها.

لكن تثبيت الأسعار وحده لا يصنع أمنًا للطاقة، فقد ارتفعت فاتورة واردات مصر البترولية إلى نحو 19.4 مليار دولار في العام المالي 2024/2025، مقابل 7.6 مليار دولار في العام السابق، وفق بيانات منشورة عن ميزان المدفوعات، وهنا ينبغي أن يتحول مركز الثقل من إدارة الأسعار إلى زيادة الإنتاج المحلي، وتسريع الاستكشاف، ورفع كفاءة المصافي، وتسوية مستحقات الشركاء لجذب استثمارات جديدة، إلى جانب التوسع في الطاقة المتجددة وترشيد الاستهلاك.

وتقدم التجارب الدولية دروسًا مهمة، فالهند طورت التحويلات النقدية المباشرة لتوجيه دعم غاز الطهي إلى مستحقيه، بينما تلزم قواعد وكالة الطاقة الدولية أعضاءها بالاحتفاظ بمخزونات نفطية تعادل 90 يومًا من صافي الواردات، والدرس ليس استنساخ النماذج، بل بناء احتياطيات فعالة وحماية اجتماعية أكثر استهدافًا.

كلمة أخيرة:

المطلوب أن تكون الحكومة سابقة للأزمة لا أسيرة لها؛ بخطط معلنة لزيادة الإنتاج، وسيناريوهات واضحة لتقلبات النفط وسعر الصرف، ومؤشرات إنذار مبكر، ودعم موجه للفئات الأكثر تضررًا، فاستقرار الأسعار لا يتحقق بتأجيل القرار وحده، بل بتقليل أسباب الحاجة إليه.

والسياسة الاقتصادية الناجحة لا تكتفي بإدارة كلفة الأزمة، بل تعمل على منع انتقالها إلى موائد المصريين ومعاشهم اليومي.

زر الذهاب إلى الأعلى