الرئيسيةملفات

«الموت بلا سعار».. كلاب الشوارع تقتل بالتطعيم وبدونه

بعد وفاة «سلسبيل».. خبراء يحذرون من مخاطر الهجمات الجماعية والنزيف الحاد ويطالبون بحلول تتجاوز التطعيم والتعقيم

مأساة إنسانية جديدة أعادت فتح ملف الكلاب الضالة في الشوارع، لكنها هذه المرة تضع علامات استفهام كبرى حول جدوى الاكتفاء بالحلول الظاهرية، فوفاة الطفلة «سلسبيل»، التي لم تتجاوز عام ونصف، إثر هجوم وحشي لقطيع من الكلاب أمام منزل أسرتها بمدينة حدائق أكتوبر بمحافظة الجيزة، أثبتت أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد التخوف من مرض «السعار».

تأتي هذه الفاجعة لتكشف عن خلل في المفهوم السائد لدى البعض بأن تطعيم الكلاب أو وضع الحلقة التعريفية «الآير تاج» في آذانها يمثل ضمانة كافية لأمان المواطنين، فالواقع يشير إلى أن الكلب المطعم أو غير المسعور لا يتوقف عن كونه حيوانًا ذا غرائز هجومية، قد يقتل بنزيف حاد في ثوانٍ معدودة، أو ينهي الحياة بـ«صدمة فزع» تصيب القلب بسكتة مفاجئة دون أن يلمس الجسد.

الوكيل السابق للأطباء البيطريين عن «الآير تاج»: حلقة معدنية لا تمنع الخطر ولا تلغي غريزة النهش

وهذا ما أكدته شيرين علي زكي، الوكيل السابق للنقابة العامة للأطباء البيطريين، موضحة أن تطعيم الكلاب الضالة ضد السعار ووضع حلقات تعريفية في آذانها لا يمثلان ضمانًا كافيًا لحماية المواطنين من مخاطر العقر والهجمات، مشددة على أن اختزال أزمة كلاب الشوارع في احتمالات الإصابة بالسعار يتجاهل مخاطر أخرى قد تهدد حياة المواطنين، وفي مقدمتها الهجمات الجماعية التي يتعرض لها الأطفال والمارة.

وتابعت أن التطعيم يستهدف الوقاية من مرض السعار، لكنه لا يمنع الكلاب من مهاجمة البشر أو مطاردتهم أو التسبب في إصابات خطيرة، كما أن الحلقة التعريفية في أذن الكلب لا تعني بالضرورة أنه حصل على الجرعة التنشيطية المقررة أو جرى تحصينه خلال العام الجاري، إذ تتطلب الوقاية متابعة التحصين وفق البرنامج البيطري المعتمد وهو أن يطعم كل عام وليس مرة واحدة يوضع من بعدها الحلقة التعريفية خلف الأذن «الإير تاج»، بما لا يسمح باعتبار العلامة الظاهرية دليلًا قاطعًا على خلو الحيوان من المخاطر.

وأضافت «شيرين»، أن خطورة السعار لا تقتصر على العقر، إذ يمكن أن ينتقل السعار عند تعرض الشخص للعاب حيوان مصاب من خلال جرح بالجلد أو الأغشية المخاطية للعين أو الفم أو الأنف، فضلًا عن احتمالات انتقاله عبر الخدوش الملوثة باللعاب، ولذلك، فإن التعرض المحتمل يستوجب التوجه الفوري إلى جهة طبية لتقييم الحالة وتحديد الإجراءات الوقائية اللازمة، دون انتظار ظهور الأعراض أو الاعتماد على شكل الحيوان وسلوكه وحدهما للحكم على إصابته.

شيرين علي زكي
شيرين علي زكي

وشددت الوكيل السابق للنقابة العامة للأطباء البيطريين على أن أزمة الكلاب الضالة تتجاوز مسألة السعار، في ظل انتشار مجموعات من الكلاب في بعض المناطق السكنية، موضحة أن تحركها في جماعات ودفاعها عن مناطق وجودها ومصادر غذائها قد يزيدان من مخاطر مهاجمتها للمارة، ويجعلان التعامل معها أكثر صعوبة، خصوصًا بالنسبة للأطفال وكبار السن.

ولفتت إلى أن الهجمات قد تقع خلال ثوانٍ، وقد تؤدي إلى إصابات خطيرة، لا سيما إذا استهدفت مناطق حساسة من الجسم، توقف الوظائف الأساسية للجسم مما يؤدي إلى الوفاة على الفور كما حدث بالفعل مع كثير من الحالات، كما أن التعرض المفاجئ لهجوم من مجموعة كلاب قد يسبب خوفًا شديدًا ومضاعفات صحية لدى بعض الأشخاص، بما في ذلك من يعانون مشكلات بالقلب، مما قد يصل إلى أزمة قلبية تنتج عنها وفاة وهو ما حدث أيضًا لكثير من الحالات الأخرى، ومن ثم، فإن مطالبة المواطنين بمجرد إبعاد الكلاب عنهم أو التعامل معها بالصوت لا تمثل سياسة متكاملة للحماية، ولا تعالج مسؤولية الجهات المعنية عن ضمان سلامة الشوارع والأماكن العامة.

وشددت على أهمية الاستفادة من أساليب التعامل القانونية التي كانت تُتبع في مصر سابقًا، بما يضمن حماية المواطنين، وتنظيم حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب بالتنسيق مع الجهات المعنية، من اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لمجابهة الحيوانات الضالة أو المتروكة التي تشكل خطرًا على الإنسان أو الحيوان، ومنها القتل الرحيم والتخلص الآمن منها ومن رفاتها.

جمال فرويز: الموت لا يحتاج إلى عضة.. الرعب المفاجئ يفجر القلوب ويسقط الضحايا صرعى

ومن جانبه أوضح الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن الخوف الشديد من الحيوانات، المعروف باسم «الزوفوبيا» عندما يصل إلى مستوى الرهاب المرضي، قد يؤدي إلى استجابة فسيولوجية حادة في الجسم، تبدأ بمجرد رؤية الحيوان أو الشعور باقترابه، حتى دون التعرض للعقر أو الهجوم المباشر.

وأضاف أن الجسم في حالات الخوف المفاجئ ينشط الجهاز العصبي السمبثاوي، ويزداد إفراز هرموني الأدرينالين والنورأدرينالين، ما يؤدي إلى تسارع ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم، وقد يصاحبهما انقباض الأوعية الدموية الطرفية، وبرودة الأطراف، والرعشة، والتنميل، والدوار وزغللة العين، فضلًا عن الشعور بانقباض في الرقبة أو الصدر.

وأشار إلى أن هذه الاستجابة قد تدفع الشخص إلى الجري بصورة لا إرادية هربًا من مصدر الخوف، مؤكدًا أن الأمر لا يقتصر على المصابين بالفوبيا، إذ إن رؤية مجموعة من الكلاب تقترب بصورة مفاجئة قد تثير الذعر لدى أي شخص، حتى لو لم يكن يعاني اضطرابًا نفسيًا أو خوفًا مرضيًا من الحيوانات، وقد يتصرف الشخص بصورة تلقائية أو يندفع إلى الركض، ما قد يزيد احتمالات مطاردة الكلاب له أو سقوطه وإصابته.

جمال فرويز
جمال فرويز

وحذر من أن الخوف الشديد قد يشكل ضغطًا مفاجئًا على القلب والدورة الدموية، وقد يؤدي في حالات نادرة إلى مضاعفات صحية خطيرة، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون عيوبًا خلقية بالقلب أو اضطرابات في نظم القلب أو أمراضًا كامنة أخرى.

وتابع أنه في هذه الحالات، قد تسهم الاستجابة الحادة للتوتر في حدوث مضاعفات قلبية تهدد الحياة، وقد تصل إلى الوفاة المفاجئة، حتى إذا لم يتعرض الشخص للعقر أو الإصابة المباشرة من الكلاب.

وشدد على أن وجود الكلاب الضالة في الشوارع لا يمثل خطرًا مرتبطًا بالعقر ونقل الأمراض فقط، وإنما يمتد إلى التأثير النفسي والجسدي للخوف المفاجئ، وما قد ينتج عنه من ردود أفعال لا إرادية أو مضاعفات صحية.

وتابع موضحًا أنه تزداد خطورة الموقف عندما تتحرك الكلاب في مجموعات، بما يضاعف شعور المارة بالتهديد، خاصة الأطفال الذين قد لا يستطيعون التحكم في ردود أفعالهم عند مواجهة مثل هذه المواقف.

وأكد فرويز، أن حماية المواطنين تتطلب التعامل مع مخاطر الكلاب الضالة بصورة شاملة، وعدم قصر الأزمة على احتمالات الإصابة بالسعار، مع اتخاذ تدابير فعالة تضمن سلامة المارة وتحد من تعرضهم للهجمات والمواقف التي قد تهدد حياتهم.

وقائع ضحايا للكلاب بـ«عقر بلا سعار»

وقد شهدت مصر وقائع كثيرة انتهت بموت ضحايا نتيجة الإصابات الجسدية البالغة والنزيف الحاد الناجمين عن عقر ونهش الكلاب لهم، وليس بالضرورة نتيجة نقل داء السعار لهم، ومن بين هذه الوقائع وفاة مسن بمحافظة بورسعيد عام 2025، بعد تعرضه لهجوم من كلاب ضالة تسبب في إصاباته إصابات بالغة، فضلًا عن واقعة الطفل باسل بمحافظة السويس عام 2026، الذي تعرض لإصابات خطيرة خلال هجوم كلاب عليه، قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بمضاعفات إصاباته.

كما شهدت محافظة الشرقية عام 2026 وفاة الطفل أسامة، إثر هجوم كلاب ضالة تسبب في إصابته بجروح بالغة في منطقة البطن ونزيف حاد.

وقائع ضحايا للكلاب بـ«الخوف والصدمة دون عقر»

ولا تتوقف مخاطر الكلاب الضالة عند العقر المباشر، إذ قد تنتهي المطاردة والخوف الشديد أيضًا بحوادث مأساوية، ففي 12 أكتوبر 2025، شهدت قرية كلاحين أبنود بمركز قفط في محافظة قنا وفاة طفل، إثر تعرضه لأزمة قلبية عقب مطاردة كلب ضال له، ليسقط متأثرًا بالأزمة القلبية أثناء محاولته الهرب.

خلف أرقام التطعيم ووعود الشلاتر.. الحقيقة الصادمة: «الكلب القاتل» طليقٌ في الشارع

وعلى الجانب الرسمي، ترتكز استراتيجية الجهات المعنية -وفي مقدمتها وزارة الزراعة والهيئة العامة للخدمات البيطرية بالتنسيق مع وزارة التنمية المحلية- على تطبيق برامج التطعيم والتعقيم ووضع الآير تاج، إلى جانب التوسع في إنشاء ملاجئ الإيواء (الشلاتر).

وتكشف البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة عن توفير نحو 200 ألف جرعة لقاح ضد السعار، وتحصين وتعقيم أكثر من 25 ألف كلب ضال منذ مطلع العام، فضلًا عن تخصيص الخط الساخن (19561) لتلقي بلاغات المواطنين.

كما أعلنت الهيئة في جلسات استماع سابقة بالبرلمان عن خطة تهدف لتحصين 70% من كلاب الشوارع للحد من انتشار داء السعار، إلا أن الأطباء البيطريين والخبراء يؤكدون أن تحقيق هذه النسبة من التحصين -مع بقاء الكلاب طليقة في الشوارع والمناطق السكنية- يظل حلاً موجهًا لمنع نقل الفيروس فقط، ولا يلغي الخطر القائم، إذ إن نسبة الـ 30% غير المحصنة، إلى جانب الـ 70% المطعمة نفسها، تظل تتحرك في تجمعات وجماعات سلوكية تمتلك غريزة الهجوم والدفاع عن مناطقها، ما يبقي خطر العقر المباشر والصدمات العصبية الناجمة عن الفزع قائمًا ومهددًا لحياة المارة والأطفال.

زر الذهاب إلى الأعلى