عربي ودولي

إثيوبيا تعزز ترسانتها العسكرية بالسلاح الروسي.. ماذا يريد آبي أحمد؟

مقاتلات «سوخوي 35» ومنظومات «إس-400» في صفقات تثير تساؤلات حول حسابات أديس أبابا وتداعياتها على توازنات القرن الأفريقي

يمثل إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في 28 أكتوبر 2026، تسلم بلاده مقاتلات روسية من طراز «سوخوي-35»، والتوجه للحصول على منظومات دفاع جوي من طراز «إس-400»، تطورًا يتجاوز البعد العسكري إلى الحسابات السياسية والاستراتيجية التي تحكم تحركات أديس أبابا وموسكو في القرن الأفريقي.

وجاء الإعلان خلال مشاركة آبي أحمد في القمة الروسية الأفريقية بموسكو، في وقت تواجه فيه الحكومة الإثيوبية تحديات أمنية داخلية، أبرزها تجدد القتال في إقليم تيجراي واستمرار المواجهات في أمهرة، بالتوازي مع تدهور العلاقات مع إريتريا وتصاعد التنافس الإقليمي حول النفوذ والممرات البحرية.

وبحسب الإعلان الإثيوبي، تسلمت البلاد 12 مقاتلة «سوخوي-35»، على أن تحصل لاحقًا على أربع بطاريات من منظومة «إس-400».

وأشار آبي أحمد إلى أن تسلم الطائرات سبق الموعد المتفق عليه مع روسيا بعام، دون الكشف عن القيمة المالية للصفقة أو موعد وصول منظومات الدفاع الجوي وأماكن تمركزها.

وأظهرت الصور التي نشرتها الحكومة طائرتين تحملان العلامات الإثيوبية، ما يستدعي التمييز بين العدد الإجمالي المعلن والتفاصيل التي أمكن التحقق منها بشأن عمليات التسليم.

وتعكس الصفقة تقاطع ثلاثة أهداف، سعي القيادة الإثيوبية إلى تعزيز الردع وحماية مجالها الجوي، ورغبة روسيا في توسيع نفوذها عبر شراكات دفاعية طويلة الأمد، ومحاولة الطرفين الاستفادة من التحولات الجيوسياسية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لكنها لا تعني تلقائيًا استعداد إثيوبيا لحرب مع دولة بعينها، ولا تثبت وحدها حدوث تحول حاسم في ميزان القوى الإقليمي؛ إذ يرتبط أثرها الفعلي بقدرة الجيش الإثيوبي على تشغيل المعدات وصيانتها بصورة مستدامة.

لماذا الآن؟ التوقيت بوصفه رسالة سياسية

تواجه الحكومة الإثيوبية تحديات متزامنة تمس استقرارها الداخلي وموقعها الإقليمي، فعلى الجبهة الداخلية، يهدد تجدد القتال في تيجراي بتقويض الترتيبات التي أفضت إلى اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر 2022، فيما تستمر المواجهات مع جماعات فانو المسلحة في إقليم أمهرة، بما يفرض ضغوطًا على الحكومة الفيدرالية.

خارجيًا، دخلت العلاقات الإثيوبية الإريترية مرحلة أكثر حساسية، وسط تبادل الاتهامات بشأن التدخلات والتحركات العسكرية، وخلافات أوسع تتعلق بالأمن الإقليمي والوصول إلى البحر الأحمر، ورغم ربط تقارير صحفية بين الصفقة وتصاعد التوترات المحيطة بإثيوبيا، فإن ذلك لا يثبت أن هذه التطورات كانت السبب المباشر وراء الاتفاق العسكري، الذي أشار آبي أحمد إلى إبرامه في وقت سابق.

داخليًا، يمنح الإعلان القيادة الإثيوبية فرصة لإظهار قدرتها على تحديث مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها السيادية رغم التحديات الأمنية، وإقليميًا، يشير إلى رغبة أديس أبابا في الاحتفاظ بخيارات عسكرية أوسع، وهو ما قد يدفع دول الجوار إلى إعادة تقييم حساباتها، دون وجود دليل على أن الصفقة موجهة ضد دولة بعينها، أما دوليًا، فيعزز الإعلان الحضور السياسي لموسكو في دولة محورية بالقارة الأفريقية.

ومع ذلك، فإن الإعلان عن اقتناء السلاح لا يعني اكتمال التسليم أو دخول المعدات الخدمة بكامل قدراتها؛ فالوصول إلى الأثر الاستراتيجي يتطلب سنوات من التدريب والصيانة والتكامل المؤسسي.

حسابات آبي أحمد.. تعزيز الردع أم إدارة الأزمات؟

يواجه آبي أحمد معضلة تتمثل في ضرورة حماية الدولة من التهديدات الخارجية، بينما تستنزف الصراعات الداخلية جانبًا من قدراتها ومواردها، ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير تحديث القدرات الجوية والدفاعية باعتباره محاولة لتعزيز الردع ورفع كلفة أي مواجهة خارجية محتملة.

لكن امتلاك معدات متقدمة لا يعني القدرة على توظيفها بكفاءة؛ فالقوة الجوية تعتمد على منظومة متكاملة من التدريب والصيانة والإمداد والقيادة والسيطرة، إلى جانب توفير التمويل اللازم للتشغيل طويل الأجل.

وتزداد أهمية هذه المعادلة في ظل الضغوط الاقتصادية والاحتياجات التنموية التي تواجهها إثيوبيا، فالإنفاق العسكري يضع الحكومة أمام ضرورة الموازنة بين متطلبات الأمن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، كما أن تحديث القوات المسلحة لا يعالج جذور النزاعات الداخلية، التي تظل مرتبطة بالتسويات السياسية وبناء الثقة وقدرة مؤسسات الدولة على استيعاب التباينات الإقليمية والاجتماعية.

ماذا تمتلك إثيوبيا عسكريًا؟ وماذا تريد موسكو؟

لا يمكن تقييم الصفقة بمعزل عن القدرات العسكرية السابقة لإثيوبيا، فوفقًا لتقرير «جينز» المتخصص في الشؤون الدفاعية، اعتمد سلاح الجو الإثيوبي على مقاتلات روسية من طراز «سوخوي-27»، كما حصل على مقاتلتين من طراز «سوخوي-30» عام 2024.

وطورت أديس أبابا قدراتها الدفاعية الجوية باستخدام أنظمة روسية، من بينها «بانتسير-إس 1»، إلى جانب معدات للحرب الإلكترونية.

وتشير هذه المعطيات إلى أن التعاون العسكري الروسي الإثيوبي يأتي ضمن مسار أوسع لتحديث القوات الجوية والدفاع الجوي.

وتعد «سوخوي-35» مقاتلة متعددة المهام، بينما توفر منظومة «إس-400»، إذا تسلمتها إثيوبيا ودخلت الخدمة، قدرات دفاع جوي بعيدة المدى، لكن القيمة العسكرية لهذه المعدات تتوقف على الجاهزية التشغيلية والتكامل مع بقية المنظومات وقدرة المؤسسة العسكرية على تشغيلها وصيانتها.

وتستند العلاقات الروسية الإثيوبية إلى إرث تاريخي من التعاون العسكري يعود إلى الحقبة السوفيتية، حين ارتبط البلدان بعلاقات وثيقة في مجالات التسليح والتدريب والدعم العسكري.

وتسعى موسكو حاليًا إلى الحفاظ على أسواق صادراتها العسكرية وتوسيع حضورها الدبلوماسي في أفريقيا، بينما تعمل أديس أبابا على تنويع شركائها والحصول على التكنولوجيا والخبرات اللازمة لتطوير قدراتها الدفاعية.

ولا تنتهي صفقات السلاح بمجرد تسليم المعدات، بل قد تمتد إلى التدريب والصيانة وقطع الغيار وتحديث الأنظمة، بما يجعل التعاون العسكري إحدى أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي، ومع ذلك، لا تحتكر روسيا سوق السلاح الأفريقية؛ فبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، استحوذت على 15% من واردات أفريقيا من الأسلحة الرئيسية خلال الفترة 2021-2025، مقابل 19% للولايات المتحدة و17% للصين.

وتكتسب إثيوبيا أهمية إضافية لموسكو بسبب ثقلها السكاني والسياسي واستضافتها مقر الاتحاد الأفريقي وموقعها الجغرافي، لكن تعميق العلاقات مع روسيا لا يعني بالضرورة انفصال أديس أبابا عن الغرب أو انضمامها إلى محور دولي واحد، إذ تقوم سياستها الخارجية على تنويع الشراكات والاستفادة من التنافس الدولي.

البعد الاقتصادي.. ما وراء قيمة الصفقة

لم تعلن الحكومة الإثيوبية القيمة المالية للاتفاق، ولذلك لا يمكن تقديم تقدير موثوق لتكلفته الإجمالية، ولا تقتصر الأعباء على ثمن المعدات، بل تشمل التدريب والصيانة وقطع الغيار والبنية التحتية وتكاليف التشغيل على مدى سنوات.

وبالنسبة إلى روسيا، تمثل صادرات السلاح مصدرًا للإيرادات وفرصة لبناء علاقات طويلة الأمد، أما إثيوبيا فتستفيد من تطوير قدراتها العسكرية، لكنها تواجه اختبارًا يتعلق بقدرة اقتصادها على تحمل الالتزامات المصاحبة للصفقة، في ظل احتياجات التنمية وإعادة الإعمار، ولا يمكن الجزم بأن الاتفاق سيؤدي إلى أزمة مالية أو أنه لن يؤثر في أولويات الإنفاق، دون معرفة تفاصيل التمويل وشروط الدفع والتكاليف التشغيلية.

إريتريا والبحر الأحمر.. هل تتغير الحسابات الأمنية؟

تكتسب الصفقة حساسية خاصة في ضوء التوتر الإثيوبي الإريتري، الذي عاد إلى الواجهة بالتزامن مع تعقد المشهد في تيجراي وتصاعد النقاش الإثيوبي بشأن الوصول إلى البحر الأحمر.

وقد يدفع تحديث القدرات الجوية والدفاعية إثيوبيا إريتريا إلى مراجعة تقديراتها الأمنية، لكن لا توجد أدلة كافية على أن الصفقة تستهدف أسمرة تحديدًا أو أن مواجهة عسكرية أصبحت حتمية، وتتمثل المخاطرة في نشوء معضلة أمنية؛ إذ قد تنظر أديس أبابا إلى التحديث باعتباره إجراءً دفاعيًا، بينما تراه أسمرة عاملًا يزيد من قدرة إثيوبيا على ممارسة الضغط، بما قد يؤدي إلى تراجع الثقة وتصاعد احتمالات سوء التقدير.

وتعتمد إثيوبيا، بوصفها دولة غير ساحلية، على الموانئ الإقليمية في تجارتها الخارجية، ما يجعل الوصول إلى البحر قضية استراتيجية بالنسبة إلى قيادتها، لكن يجب الفصل بين السعي إلى الوصول البحري والتحديث العسكري والنية الفعلية لاستخدام القوة؛ فوجود هذه المسارات في البيئة الاستراتيجية نفسها لا يثبت أنها جزء من خطة واحدة.

التداعيات على مصر.. قراءة من منظور الأمن الإقليمي

تنبع أهمية الصفقة بالنسبة إلى مصر من موقع إثيوبيا في القرن الأفريقي، وتداخل تطورات المنطقة مع أمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم، لكن اعتبار المعدات الجديدة تهديدًا مباشرًا للقاهرة سيكون استنتاجًا متسرعًا، إذ لا توجد أدلة معلنة على أنها موجهة ضد مصر أو أن الاتفاق يستهدف المصالح المصرية بصورة مباشرة.

والأدق قراءة الصفقة ضمن تحولات أوسع، تشمل اتساع المنافسة الدولية على النفوذ في القرن الأفريقي، وتزايد التوترات بين دول المنطقة، واحتمالات عسكرة الخلافات السياسية.

ومن ثم، تبرز أهمية متابعة تطور القدرات العسكرية الإقليمية، والعمل على منع انتقال التوترات إلى مواجهات أوسع، والتعامل مع البحر الأحمر باعتباره مجالًا للأمن الجماعي الذي يحتاج إلى تفاهمات وآليات سياسية تحمي الملاحة والتجارة.

السيناريوهات المحتملة

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لتداعيات الصفقة خلال المرحلة المقبلة:

الأول: تحديث عسكري مضبوط

تستخدم إثيوبيا المعدات الجديدة لتعزيز قدراتها الدفاعية والردع، مع استمرار التوترات الإقليمية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، ويتوقف هذا المسار على نجاح الأطراف في احتواء الخلافات وتجنب التصعيد.

الثاني: تصاعد معضلة الأمن الإقليمي

يؤدي الإعلان عن القدرات الجديدة إلى زيادة مخاوف دول الجوار ومراجعة حساباتها العسكرية، بما يضعف الثقة ويرفع مستوى الاستعداد، حتى دون اندلاع حرب، ويزداد هذا الاحتمال مع استمرار التوتر الإثيوبي الإريتري واتساع المواجهات الداخلية.

الثالث: توظيف الصفقة ضمن استراتيجية أوسع للنفوذ

يتجاوز التعاون الروسي الإثيوبي حدود التسليح إلى مجالات التدريب والطاقة والتجارة والدبلوماسية، بما يوسع حضور موسكو في القرن الأفريقي ويمنح أديس أبابا خيارات أوسع، ويتوقف تحقق هذا المسار على قدرة الطرفين على تحويل التعاون إلى مشروعات مستدامة، في ظل القيود الاقتصادية والدولية.

زر الذهاب إلى الأعلى