الدولار يطارد الجنيه.. العقود الآجلة تسعره عند 64.36 جنيهًا خلال عام
خبراء يفسرون أسباب الصعود ويرسمون سيناريوهات سعر الصرف

مع ارتفاع سعر الدولار، تتزايد التساؤلات بشأن اتجاهات سعر الصرف خلال الفترة المقبلة، في ظل التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة وخروج استثمارات الأجانب من أدوات الدين الحكومية، ويرصد خبراء الاقتصاد العوامل المؤثرة في حركة الجنيه والسيناريوهات المحتملة، وسط مؤشرات تعاقدية لا تمثل توقعات مؤكدة للأسعار المستقبلية.
التوترات الجيوسياسية تضغط على الجنيه
قالت رانيا يعقوب، المحللة الاقتصادية وعضو مجلس إدارة البورصة المصرية، إن الدولار يرتفع حاليًا أمام معظم العملات، رغم تثبيت الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة في اجتماعه الأخير، موضحة أن ارتفاع التضخم والطاقة قد يدفع البنوك المركزية إلى تشديد سياساتها.
وأضافت أن ارتفاع أسعار الوقود والغاز في مصر يزيد الطلب على العملة الصعبة، بالتزامن مع تخارج الأموال الساخنة عبر مبيعات الأجانب لأذون الخزانة وأدوات الدين، بما يضغط على الجنيه، وتوقعت استمرار الاتجاه الصعودي للدولار قصيرًا، مشيرة إلى أن تهدئة التوترات في الخليج واستقرار الطاقة قد يقللان الطلب على العملة الأمريكية.

وأوضحت أن عملات معظم الأسواق الناشئة تراجعت أمام الدولار خلال الأسبوعين الماضيين، بفعل ارتفاع المحروقات والتأمين وتوقعات زيادة التضخم عالميًا، محذرة من أن استمرار الضغوط ورفع الفائدة قد يؤثران سلبًا على عملات الأسواق الناشئة.
من جانبه، قال الدكتور هاني عبدالحكيم، أستاذ الاقتصاد بجامعة المنصورة، إن العوامل السياسية والجيوسياسية تمثل المحرك الأساسي لتحركات الدولار في مصر، مع تصاعد التوترات العسكرية بالمنطقة وحالة عدم اليقين الاقتصادي.
وأوضح أن اتساع نطاق الصراعات ينعكس على الأسواق وسوق الصرف المحلي، رابطًا حركة الدولار بالتطورات السياسية في إسرائيل والولايات المتحدة، مضيفًا، أن تحول التوترات إلى حرب واسعة قد يدفع الدولار إلى موجة صعود قوية، لافتًا إلى صعوبة التنبؤ بالسعر خلال ثلاثة أشهر، وأن الأسابيع المقبلة قد تكشف اتجاه المشهد.

طرح «عبدالحكيم» سيناريوهين لسعر الصرف؛ الأول اتساع الصراعات العسكرية، بما يفرض ضغوطًا قوية على الاقتصادين العالمي والمصري ويدفع الدولار إلى مستويات مرتفعة، أما الثاني، فيرتبط باحتواء التوترات وعدم اندلاع مواجهات جديدة خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة، بما قد يسمح بعودة الاستقرار النسبي وتحرك الدولار بين 51 و52 جنيهًا، وفق تقديره.
وشدد على أن مواجهة تقلبات سعر الصرف تتطلب زيادة الإنتاج الحقيقي والتوسع في الصادرات وتقليل عجز الميزان التجاري، لتوفير موارد مستدامة من النقد الأجنبي، محذرًا من الاعتماد على مصادر تتأثر بالتوترات، مثل السياحة، ومؤكدًا أهمية بناء قاعدة إنتاجية تقلل الحاجة إلى التمويل الخارجي.
العقود الآجلة تسجل 64.36 جنيهًا
قالت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، إن تجاوز الدولار مستوى 56 جنيهًا يعكس ضغوطًا على سوق الصرف بفعل المخاطر الجيوسياسية وتحركات رؤوس الأموال وارتفاع الطاقة واختلالات توليد النقد الأجنبي.
وأوضحت أن خروج استثمارات الأجانب من أدوات الدين الحكومية، المعروفة بالأموال الساخنة، يزيد الطلب على الدولار، فيما يرفع النفط فاتورة استيراد المنتجات البترولية والغازية، ويضغط على ميزان المدفوعات والموازنة، فضلًا عن زيادة تكاليف الكهرباء والنقل والشحن والإنتاج، وسجل خام برنت نحو 117.56 دولارًا للبرميل في 30 أكتوبر.

ولفتت إلى أن اقتراب شهر رمضان، المتوقع فلكيًا في فبراير 2027، قد يرفع الطلب الموسمي على الدولار خلال نوفمبر وديسمبر، مع استعداد المستوردين لتدبير السلع الغذائية والاستهلاكية وتكوين المخزون.
وأضافت أن الفيدرالي الأمريكي أبقى أسعار الفائدة في اجتماعه يومي 27 و28 أكتوبر عند نطاق 3.75% إلى 4%، إذ فضل عضوان رفعها 25 نقطة أساس، وقد يزيد أي تشديد أمريكي جاذبية الأصول الدولارية ويضغط على تدفقات الأسواق الناشئة.
وبحسب بيانات نقلتها وكالة «رويترز» في 28 أكتوبر 2026، سجل الدولار في العقود الآجلة غير القابلة للتسليم 58.32 جنيهًا لأجل ثلاثة أشهر، و60.38 جنيهًا لستة أشهر، و62.41 جنيهًا لتسعة أشهر، و64.36 جنيهًا لأجل عام.
وأكدت «الشافعي»، أنها أسعار تعاقدية لا تمثل توقعات مؤكدة، وتتأثر بفروق الفائدة والتمويل والتحوط ومخاطر السوق.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الجنيه
وفيما يتعلق بالسياسة النقدية المحلية، أشارت «الشافعي» إلى رفع البنك المركزي أسعار الفائدة في اجتماع 29 أكتوبر بمقدار 100 نقطة أساس، لتصل إلى 20% للإيداع و21% للإقراض، موضحة أن القرار يستهدف احتواء التضخم والحفاظ على جاذبية الأصول المقومة بالجنيه، دون ضمان عودة التدفقات الأجنبية.
وحذرت من أن استمرار التشديد النقدي يرفع تكلفة التمويل على القطاع الخاص وأعباء خدمة الدين المحلي، مؤكدة أن رفع الفائدة وحده لا يعالج ضغوط خروج الاستثمارات وارتفاع النفط والتوترات الجيوسياسية.
وحددت الخبيرة الاقتصادية ثلاثة سيناريوهات لحركة سعر الصرف؛ الأول إيجابي، يرتبط بانحسار التوترات واستقرار أسعار النفط وتحسن التدفقات الدولارية، ما قد يسمح بعودة بعض استثمارات المحافظ المالية واستعادة الجنيه جزءًا من خسائره.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار الضغوط الخارجية والطلب الموسمي على الدولار، مع قدرة الاقتصاد على توفير العملة الأجنبية، بما يبقي تحركات الصرف دون تعافٍ سريع.
ويرتبط السيناريو الثالث بتصاعد التوترات وارتفاع أسعار خام برنت، ورفع الفيدرالي الأمريكي الفائدة في ديسمبر، وخروج مزيد من استثمارات المحافظ المالية، بالتزامن مع زيادة فاتورة الاستيراد.
ورجحت «الشافعي»، أن تمثل الفترة من نوفمبر 2026 إلى الربع الأول من 2027 اختبارًا لاستقرار سوق الصرف.
وأكدت أن تعافي الجنيه بصورة مستدامة يتطلب زيادة الصادرات غير البترولية، وتعميق التصنيع المحلي، وإحلال الواردات الممكنة، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة للقطاعات الإنتاجية، بما يعزز توليد النقد الأجنبي، وتظل هذه العوامل مرتبطة بتطورات الأسواق العالمية وقدرة الاقتصاد المحلي على امتصاص الصدمات.






