تعليم أم تجارة؟ أولياء الأمور يدفعون ثمن سباق الدروس الخصوصية قبل الامتحانات

نهاد شعبان

مع اقتراب امتحانات شهر أبريل ونهاية العام الدراسي، تعيش الكثير من الأسر حالة من التوتر والضغط النفسي، حيث لا تقتصر الاستعدادات على مراجعة الدروس فقط، بل تمتد إلى حسابات معقدة تتعلق بتكاليف الدروس الخصوصية، ولم تعد المسألة مجرد دعم تعليمي، بل تحولت إلى عبء اقتصادي ونفسي يفرض نفسه بقوة على أولياء الأمور، في ظل سباق مرهق للحاق بمستوى يُعتقد أنه لا يتحقق إلا من خلال الدروس التي تحولت إلى “بيزنس” واسع، خاصة مع انتشار الدروس “الأون لاين”، التي ورغم سهولتها الظاهرية، جاءت بأسعار يراها كثيرون مبالغًا فيها.

عبء مادي
وفي هذا التوقيت من كل عام، يجد الكثير من أولياء الأمور أنفسهم في مواجهة ضغوط متزايدة، تبدأ من مطالب الأبناء ولا تنتهي عند ارتفاع أسعار الحصص، حيث تقول ولية أمر طالب في الصف الأول الإعدادي إن ميزانية المنزل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بعدد الدروس التي يحصل عليها أبناؤها، موضحة أنها تضطر أحيانًا للتخلي عن احتياجات أساسية حتى تتمكن من دفع تكاليف التعليم، مشيرة إلى أن الخوف من تأخر الأبناء دراسيًا يجعلها تقبل بهذا الوضع، رغم إدراكها أن الأمر تجاوز الحدود المعقولة في المصروفات خاصة في أسعار الدورس الخصوصية.

منظومة مفروضة
بينما يحكي ولي أمر آخر لطالب في الصف السادس الابتدائي، عن شعوره بالعجز أمام ما يصفه بـ”المنظومة المفروضة”، حيث يرى أن الاستغناء عن الدروس الخصوصية أصبح شبه مستحيل، خاصة في المراحل الدراسية المهمة، موضحًا أنه حاول في بداية العام الاعتماد على المدرسة فقط، لكن ابنه اشتكى من عدم كفاية الشرح، ما اضطره للعودة إلى الدروس مرة أخرى، مؤكدًا أن المشكلة لا تكمن في مبدأ الدروس ذاته، بل في تحولها إلى ضرورة مكلفة لا بديل عنها.

دروس “أون لاين”
أما عن الدروس الأون لاين، فقد كانت في البداية حلاً يبدو أكثر مرونة وأقل تكلفة، خاصة في ظل التغيرات المناخية الأخيرة والتي تزايد خلالها فترة الإجازات التي حصل عليها الطلاب من المدارس، الأمر الذي جعل اللجوء للدروس الخصوصية “أون لاين” أمرًا حتميًا، لكنها سرعان ما أصبحت عبئًا إضافيًا، حيث تقول إحدى الأمهات لطالبة في الصف الأول الثانوي إن هذه الدروس تفتقر أحيانًا للمتابعة الحقيقية، حيث يجلس الطالب أمام الشاشة دون تفاعل كافٍ، بينما يدفع ولي الأمر مبالغ كبيرة مقابل الاشتراك، مضيفة أن بعض المعلمين يستغلون الإقبال المتزايد على هذا النوع من التعليم لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، مستفيدين من غياب الرقابة الفعلية.

حيرة الأهالي
وفي نفس السياق، يشير أحد أولياء الأمور إلى أن تعدد المنصات التعليمية واختلاف أساليب الشرح جعلا من الصعب اختيار الأفضل، ما يدفع البعض للاشتراك في أكثر من مصدر لنفس المادة، موضحًا أن هذا التشتت لا يرهق الطالب فقط، بل يضاعف الأعباء المالية على الأسرة، التي تجد نفسها تدفع مقابل خدمات قد لا يستفيد منها الأبناء بالشكل المطلوب، مشيرًا إلى أن غياب معايير واضحة لتقييم هذه المنصات يزيد من حيرة الأهالي، ولا يتوقف الأمر عند الجانب المادي فقط، بل يمتد إلى تأثيرات نفسية واضحة على أولياء الأمور، الذين يعيشون حالة دائمة من القلق والتوتر، فالشعور بالمسؤولية تجاه مستقبل الأبناء يدفعهم إلى اتخاذ قرارات قد لا تكون مدروسة بالكامل فقط بدافع الخوف من التقصير، حيث تقول ولية أمر لطالب في الصف الرابع الابتدائي، إنها تشعر بالذنب إذا لم توفر درسًا معينًا، حتى لو لم تكن مقتنعة بجدواه، لأن :”كل الناس بتعمل كده”.

محاولة التوازن
من ناحية أخرى، يحاول بعض أولياء الأمور كسر هذه الدائرة، من خلال تقليل عدد الدروس والتركيز على المواد الأساسية فقط، حيث أوضحت إحدى الأمهات أنها بدأت في تشجيع أبنائها على الاعتماد على أنفسهم بشكل أكبر، مع تنظيم وقت المذاكرة داخل المنزل، ورغم صعوبة هذا التوجه في البداية، إلا أنها لاحظت تحسنًا في قدرة أبنائها على الفهم والاستيعاب دون الاعتماد الكامل على المعلم الخارجي، ولكن بين هذا وذاك، يبقى الطالب هو الطرف الأكثر تأثرًا بهذا الواقع، حيث يجد نفسه محاصرًا بين المدرسة والدروس، دون مساحة كافية للراحة أو الاستيعاب، ومع ذلك، يمكن تجاوز هذه الفترة من خلال بعض السلوكيات البسيطة، مثل تنظيم الوقت بشكل يوازن بين المذاكرة والراحة، والحرص على مراجعة الدروس أولًا بأول لتجنب التراكم، كما أن تقليل الاعتماد على الحفظ فقط والتركيز على الفهم يساعد في تثبيت المعلومات بشكل أفضل.

دعم نفسي
كما يلعب النوم الجيد دورًا أساسيًا في تحسين التركيز، وهو ما يغفله كثير من الطلاب في فترة الامتحانات، فالسهر لساعات طويلة لا يعني بالضرورة تحصيلاً أفضل، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ومن المهم أيضًا أن يمنح الطالب نفسه فترات قصيرة من الراحة، حتى يتمكن من استعادة نشاطه الذهني، بدلا من الاستمرار في المذاكرة دون توقف، أما بالنسبة للأهالي، فإن الدعم النفسي يظل من أهم العوامل التي تساعد الأبناء على النجاح، فبدلا من الضغط المستمر، يمكن أن يكون التشجيع والثقة دافعًا أقوى لتحقيق نتائج جيدة، كما أن الحوار المفتوح مع الأبناء يساعد على فهم احتياجاتهم الحقيقية، بعيدًا عن المقارنات التي قد تؤثر سلبًا على ثقتهم بأنفسهم.