
طرح الخطاب السياسي والإعلامي الغربي، خصوصًا خلال مرحلة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استفسارات غير مباشرة تتناول إيران باعتبارها دولة متعددة الهويات القومية والمذهبية، وبالتالي قابلة نظريًا لإعادة التشكل أو التفكيك، إذ يتم استخدام هذا المفهوم في إطار الحرب المعنوية لبث الفتنة المذهبية لغرض الحصول على مكاسب سياسية وعسكرية.
يظهر هذا الطرح “عادة” في صورة قرار سياسي معلن، بل يتجسد في ما يمكن وصفه بـ”السرديات الجيوسياسية الناعمة“ التي تُستخدم لإعادة تشكيل صورة الدول في الوعي العام وصناعة تصورات عن مستقبلها.
وفقا لرصد أبحاث الجغرافيا السياسية، تعتمد هذه السرديات على إبراز التعدد الإثني داخل إيران، حيث تضم البلاد مكونات رئيسية مثل الفرس “الأغلبية”، والأكراد في الشمال الغربي، والعرب في إقليم الأهواز جنوب غرب البلاد، والبلوش في الجنوب الشرقي بإقليم سيستان وبلوشستان، إلى جانب أقليات أخرى من السنة والتركمان، ورغم أن هذا التنوع يُعد سمة طبيعية في كثير من الدول متعددة القوميات، إلا أن بعض الخطابات السياسية والإعلامية تتعامل معه بوصفه “نقاط ضعف” قابلة للاستثمار السياسي.
أكد محللون، أن هذه المناطق تتفاوت في مستويات التنمية والتمثيل الاقتصادي والسياسي، وهو ما أنتج في بعض الحالات مطالب حقوقية أو احتجاجات محلية.
إلا أن بعض الدراسات الأكاديمية تشير إلى أن هذه المطالب في معظمها تتركز حول العدالة التنموية والتمثيل، وليس بالضرورة مشاريع انفصال شاملة.
يقول الباحث في تاريخ الشرق الأوسط أحمد خليفة، أن تضخيم القضايا في بعض التحليلات الغربية يعد مطلبا لتقديم صورة عن “هشاشة داخلية” في الدولة الإيرانية، إذ يظهر مفهوم “خرائط التفكيك الناعمة”، وهو تعبير غير رسمي يُستخدم لوصف الطريقة التي تُعاد بها رسم تصورات الدول عبر الإعلام والخرائط التحليلية والخطابات السياسية. هذه الخرائط لا تعكس واقعًا قائمًا، بل تقدم سيناريوهات محتملة لتقسيم الدولة على أسس عرقية أو مذهبية، وفقا لأغراض سياسية وعسكرية واقتصادية، مما يخلق تصورًا ذهنيًا بأن البنية الوطنية غير مستقرة أو قابلة للتفكك، حيث يتداخل هذا الخطاب مع مفهوم أوسع في دراسات العلاقات الدولية يُعرف بـ”حروب الإدراك”، حيث لا يكون الهدف السيطرة الميدانية المباشرة، بل التأثير على الوعي الجمعي وصناعة تصورات معينة حول قوة أو ضعف الدول.

تشير أبحاث عن رصد الخطابات الإعلامية والسياسية، إن المجتمعات تتأثر معنويا عبر الإعلام، والتقارير البحثية، والتصريحات السياسية، وحتى الخرائط التفاعلية التي تُظهر سيناريوهات تقسيم محتملة.
يشير ” خليفة” إنه خلال فترات التوتر السياسي بين الولايات المتحدة وإيران، تصاعد هذا النوع من الخطاب الذي يركز على نقاط الانقسامات الداخلية، سواء عبر الإشارة إلى التنوع المذهبي بين السنة والشيعة، أو عبر إبراز الأقاليم ذات الخصوصية القومية مثل كردستان والأهواز وبلوشستان، إلا أن هذا الطرح يظل محل جدل كبير، إذ يرى باحثون أن الدولة الإيرانية تمتلك بنية مركزية قوية، وأن عوامل التماسك الوطني مثل اللغة الرسمية، والمؤسسات التعليمية، والنظام السياسي، تلعب دورًا مهمًا في الحفاظ على وحدة الدولة رغم التعدد الداخلي.
بالربط بالأحداث والسياقات، يمكن فهم “خرائط التفكيك الناعمة” باعتبارها أداة تحليلية وسردية أكثر منها مشروعًا سياسيًا مباشرًا، تستخدم في سياق المنافسات الجيوسياسية الكبرى لإعادة تشكيل صورة الدول في الوعي الدولي والتأثير المعنوي في نفوس الشعوب للوصول للمكاسب المزعومة والمطلوبة.






