حرية الصحافة تحت المجهر.. ماذا يقول الصحفيون في يومهم العالمي؟

على حدود الدول وبداخلها، وسط الأزمات والحروب والنزاعات، خلف شاشات الهواتف المراقبة، وسط الضجيج أو الهتاف أو النيران المشتعلة، والتهديد اليومي أو الشعور بالخوف وسط تحديات لا تُحصى لها، لايزال هناك صحفيون يكتبون، يصورون، يسجلون الحقيقة، رغم المخاوف مازالوا يواجهون كل ذلك بشجاعة.

في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يبدو الحديث عن المهنة مجرد يوم احتفالي عادي، ولكنه شهادة حية على مايقوم به الصحفيون بدفع الأثمان، بداية من ضغوط العمل، والمنع والملاحقة، إلى ما لانهاية من الأزمات.

من فلسطين التي يتحول فيها الصحفي إلى شاهد وهدف في آن واحد، إلى السودان وسوريا وليبيا والعراق وإلى جميع الصحفيون في كل دول العالم، تتقاطع الحروب والانقسامات والمخاطر المهنية التي لاتنتهي، وصولا إلى مصر ، التي يواجه بها الصحفيون تحديات اقتصادية ومهنية متزايدة، لتبقى الصحافة واحدة من أكثر المهن التي تمارس تحت ضغوط مختلفة.

في هذا التقرير لـ”ليبرالي”  لانرصد أرقاما، ولكن نرصد الأوضاع، وننقل أصوات الصحفيين والصحفييات من عدة دول مختلفة، يتحدثون عن الخوف والأمل والاستمرار والمتاعب والرقابة والحرية كل هذه التناقضات، ومحاولات البقاء في مهنة أصبحت في كثير من الأحيان معركة يومية من أجل البقاء، الاستمرار، النجاة والحقيقة معًا في آن واحد.

المشهد الإعلامي السوري يمر بمرحلة انتقالية حرجة؛ فهو يتحرر من إرث الرقابة، لكنه يحتاج إلى تعزيز المؤسسات وضمانات حقيقية لحرية التعبير . إياد خليل صحفي سوري

يقول الصحفي السوري إياد خليل، متخصص في ملف النقل البحري، أنه عقب سقوط النظام السابق شهدنا نوعا من التحسن ارتبط بتراجع المخاطر الأمنية المباشرة، مع تسجيل توسع في العمل الإعلامي وتنوع المنصات وتراجع التضييق المباشر، رغم استمرار تحديات غياب الإطار القانوني الناظم والضغوط الاقتصادية وبعض المضايقات لبعض الإعلاميين، ومع ذلك شهدت حرية الصحافة في سوريا تحولاً نوعياً في عام 2026، حيث قفزت 36 مرتبة في مؤشر منظمة “مراسلون بلا حدود” لتحتل المركز 141 عالمياً، مقارنة بـ 177 في 2025، ويستطرد “أشعر بالأمان الشخصي  ولكن هناك بعض التعقيدات والمخاطر الأمنية على الأرض، ولا يخلو الأمر من مخاوف الكتابة الإعلامية حول بعض القضايا التي يمكن أن تنعكس على سلامة الإعلامي، وللأسف هذا أيضًا موجود في العالم الغربي وهو أمر واقع يتعرض له الصحفيون ولا يوجد من يحميهم”.

يُضيف”خليل”، لا تزال الصحافة تواجه ترِكة الماضي من قمع، إضافة إلى غياب المهنية، ضعف التمويل، والانقسامات السياسية ، يوضح قائلاً” اعتقد أن التوجه الحالي يجب أن يركز على إسهام الإعلام في دعم قضايا إعادة الإعمار والتنمية الوطنية، وضرورة التحرر من الأنماط القمعية السابقة”.

 يشير “خليل” أن واقع الصحافة يواجه حاليا تحولات بنيوية عميقة، حيث تواجه المهنة عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، واقتصاد المبدعين، فالواقع الحالي هو مزيج من الفرص التقنية الهائلة والتهديدات الوجودية للمؤسسات التقليدية، حيث انتقلت الصحافة من نموذج” الأخبار السريعة” إلى الحاجة الملحة لتقديم “الصحافة الأصلية الموثوقة، يضاف إلى ذلك أزمة التمويل حيث تراجعت عائدات الإعلانات التقليدية وتناقص حركة الإحالات من محركات البحث والأهم نقص الكفاءات وتسرب النخب إلى مجالات أخرى.

“الصحافة هي أساس الديمقراطية، ولا يمكن تحقيق حكم شفاف دون حرية الصحافة، لكن طالما استمرت القوانين المقيدة، واستمر إفلات قتلة الصحفيين من العقاب، فلن تكون هناك حرية صحافة حقيقية.”مالك سرفراز حسين، صحفي ومحلل دفاعي باكستاني

يقول، الصحفي الباكستاني مالك سرفراز حسين والمختص بالعلاقات الدولية والدفاع “الوضع يتدهور، احتلت باكستان المرتبة 152 من أصل 180 دولة في مؤشر مراسلون بلا حدود لعام 2024. ومن أبرز الأسباب، إساءة استخدام قانون الجرائم الإلكترونية PECA لعام 2016، والإغلاق القسري لوسائل البث، واعتقال الصحفيين، والضغوط المالية على المؤسسات الإعلامية، كما تصاعدت الرقابة الرقمية، وهو ما يظهر في القيود المتكررة على الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي.

يضيف، يبقى انعدام الأمان المالي والضغوط المؤسسية أبرز التحديات، اعتماد المؤسسات الإعلامية على الإعلانات الحكومية يؤثر بشكل مباشر على السياسة التحريرية. كما أن تأخر الرواتب وانعدام الاستقرار الوظيفي يدفعان الصحفيين نحو الرقابة الذاتية.

يؤكد، لا توجد سلامة كاملة في الميدان، إذ تُظهر بيانات لجنة حماية الصحفيين CPJ مقتل 97 صحفيًا منذ عام 1992 أثناء أداء عملهم، وتشمل المخاطر الرئيسية: الاغتيالات المستهدفة، والاختفاء القسري، والملاحقات القانونية، والمراقبة الرقمية، وحملات التشهير الإلكترونية. كما تواجه الصحفيات مضايقات إضافية قائمة على النوع الاجتماعي.

يشير إلى وجود ضغوط على المستويات الثلاثة، منها الضغط السياسي عبر اتصالات مباشرة للتأثير على التغطية الإعلامية، أما الضغط المؤسسي فيظهر من خلال إشعارات هيئة تنظيم الإعلام الباكستانية PEMRA وسحب الإعلانات. بينما يأتي الضغط الاجتماعي من الجماعات الدينية والعرقية، وتتم مواجهة ذلك بالتمسك بالمعايير المهنية، والحصول على دعم قانوني، والتنسيق مع نقابات الصحفيين، ودعم كل قصة بأدلة قوية.

يشير إلى أهمية الإطار القانوني قائلاً “غير كاف” مُضيفًا، يوجد قانون حماية الصحفيين لعام 2021، لكن اللجنة التابعة له ما تزال غير فعالة، كما أن تعديل قانون PECA لعام 2023 فرض مزيدا من القيود على حرية التعبير، وتشمل الإصلاحات المطلوبة: إلغاء المادة 20 من قانون PECA، وتمكين لجنة الحماية، وإدراج الاعتداءات على الصحفيين ضمن قوانين مكافحة الإرهاب، وإنشاء محاكم خاصة لهذه القضايا.

يشير إلى أهمية وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيراتها بشكل جذري، من الإيجابيات: سرعة نقل الأخبار، وفتح المجال أمام الروايات البديلة، ونمو صحافة المواطن، أما السلبيات فتشمل: انتقال الجزء الأكبر من عائدات الإعلانات إلى شركات التكنولوجيا، وانتشار ثقافة “العناوين الجاذبة”، وسرعة تداول المعلومات غير الموثقة، يمثل تهديدًا خطيرًا للأمن القومي والتماسك الاجتماعي، فالمعلومات المضللة المتعلقة بالانتخابات أو الدين أو مؤسسات الدولة تؤدي إلى نتائج فورية، ومن أهم وسائل المواجهة، إنشاء وحدات إلزامية للتحقق من الأخبار داخل غرف الأخبار، واستخدام أدوات التحقق الرقمي، وعدم النشر دون مصادر، وتنظيم حملات توعية إعلامية للمجتمع، كما تعتمد المصداقية على أربعة أسس، الشفافية، والتوازن، والمساءلة، والدقة، لذا يجب نشر التصحيحات فور الوقوع في الخطأ، وإتاحة الفرصة لجميع الأطراف داخل القصة، وكشف المصادر، والفصل بين الرأي والخبر. فثقة الجمهور تُكتسب يوميًا من خلال النزاهة المهنية.

يؤكد أن مساحة حرية التعبير محدودة، إذ توجد خطوط حمراء غير معلنة فيما يتعلق بالتغطية الخاصة بمؤسسات الدولة، والقضاء، والقضايا الدينية، وتتطلب الحلول أن يتخذ ملاك وسائل الإعلام موقفًا جماعيًا، وتطوير مصادر دخل بديلة مثل الاشتراكات، وأن تحافظ المحاكم على المادة 19 من الدستور التي تحمي حرية الصحافة.

الجدير بالذكر أن وسائل الإعلام التقليدية في باكستان من ضغوط اقتصادية، بينما تتوسع الصحافة الرقمية والمستقلة، القوانين الحالية تفرض قيودًا أكثر مما توفر حماية. وطالما استمرت قوانين مثل PECA، واستمر إفلات قتلة الصحفيين من العقاب، فلن تكون هناك حرية صحافة حقيقية.

يؤكد، أن الصحافة هي أساس الديمقراطية، ولا يمكن تحقيق حكم شفاف دون حرية الصحافة، وفي المستقبل، ستلعب المنصات الرقمية الصغيرة والصحفيون المستقلون الموثقون الدور الرئيسي، أما أكبر التهديدات فهي سيطرة الدولة والمعلومات المضللة المنظمة. ويبقى البقاء مرهونًا بالالتزام بالحقيقة، والشجاعة المهنية، ودعم الجمهور.

أنا لا أرى نفسي مجرد صحفية.
أرى نفسي شاهدة.أكتب حتى لا تموت الذاكرة.
أكتب لأن الحقيقة، مهما تأخر وصولها، تستحق أن تجد طريقها.” إنعام النور صحفية سودانية تُقيم في دارفور

“لم أختر الصحافة كمهنة، بل اخترتها كوسيلة لمواجهة الصمت” هكذا قالت لنا الصحفية السودانية إنعام النور، تقُص لنا حكايتها” في دارفور، نشأت وأنا أشاهد أشياء كانت أثقل من أن تُقال، لكنها في الوقت نفسه أهم من أن يتم تجاهلها، كانت حيوات كاملة تنهار دون توثيق، دون اعتراف، ودون عدالة، أدركت مبكرًا جدًا أنه إذا لم نحكِ قصصنا بأنفسنا، فإما أن تُروى نيابة عنا، أو الأسوأ من ذلك، أن تُمحى تمامًا، بالنسبة لي، أصبحت الصحافة فعل مقاومة قبل أن تكون مهنة.

تقول “عندما أفكر في مستقبل الصحافة، أراه يقف عند مفترق طرق هش، طريق يقود نحو السرعة، والخوارزميات، والمحتوى الذي يختفي بالسرعة نفسها التي يظهر بها. والطريق الآخر يعيد الصحافة إلى جوهرها الحقيقي: الحقيقة، والمساءلة، والسرد الإنساني، كما أؤمن أن أقوى صحافة في المستقبل ستخرج من الأماكن التي تم إسكاتها تاريخيًا، مناطق النزاعات، والمجتمعات المهمشة، والأصوات التي ترفض الاختفاء رغم كل شيء”.

تستطرد” أكبر أحلامي ليس فقط نشر تحقيقات مؤثرة، بل إحداث تغيير ملموس، حتى ولو بأبسط الطرق، فإذا ساعدت في الكتابة عن حماية امرأة، أو لفتت الانتباه إلى أزمة منسية، أو منعت انتهاكا من أن يُدفن في الظل، فهذا هو النجاح. ففي أماكن مثل دارفور، لا يأتي التغيير دائمًا عبر العناوين الكبرى، بل أحيانا يأتي بهدوء، عبر الوعي، والضغط، وفقط من خلال أن يتم رؤية الحقيقة”.

تُشير إنعام، أن التحديات معقدة ومستمرة، مؤكدة أن الخطر الواضح، العمل داخل مناطق النزاع أو بالقرب منها، حيث لا توجد أي ضمانات للأمان، ومع ذلك هناك تحديات أعمق يصعب شرحها: الخوف، وصعوبة الوصول إلى المعلومات، والثقل النفسي الناتج عن الاستماع إلى الصدمات يوميًا، وكصحفية أعمل في هذه البيئات، توجد طبقة إضافية من التحديات منها إثبات المصداقية، وحماية الكرامة، والاستمرار رغم الحواجز المجتمعية والبنيوية.

تُضيف قائلة” لا يوجد يوم عمل عادي في واقعي، قد يبدأ يومي بالحديث مع أم نازحة فقدت كل شيء، وينتهي بالتحقق من أجزاء متفرقة من المعلومات وسط بيئة غارقة في التضليل، وبين هذا وذاك، هناك التنقل، وعدم اليقين، والإرهاق، لكن أيضًا شعور عميق بالهدف يدفعني للاستمرار”.

تشرح قائلة “أما عندما يتعلق الأمر بالقوانين وبيئة العمل المهنية، فالواقع غالبًا معقد، ففي كثير من السياقات، القوانين لا تحمي الصحفيين، بل تقيدهم، فالوصول إلى المصادر ليس صعبًا فقط، بل قد يكون خطيرًا على الصحفي والمصدر معًا، وتتطلع إنعام إلى فرص متكافئة لصنع المساحة الشخصية والطريق الخاص بها.

ترُد على تساؤل، هل ما زلت تؤمني بأن الصحافة قادرة على إحداث التغيير؟
قائلة” نعم، لكن ليس دائما بطرق مرئية أو فورية، اليوم، تكمن قوة الصحافة في الاستمرار، في التوثيق، في رفض اختفاء القصص، في كسر الصمت، حتى عندما لا يصغي العالم بما يكفي، أحيانا، مجرد رواية القصة هو بحد ذاته فعل تحد”.