
يُستهلك في صناعة الكسوة نحو 670 كيلوجرامًا من الحرير الطبيعي وتصل تكلفتها السنوية إلى أكثر من 25 مليون ريال سعودي
تُعد كسوة الكعبة المشرفة واحدة من أقدس الرموز في العالم الإسلامي وأكثرها حضورًا في وجدان المسلمين، فهي ليست مجرد ثوب يغطي الكعبة، بل قطعة فنية ودينية تحمل دلالات روحية وتاريخية عميقة، تعكس مكانة البيت الحرام ووحدة المسلمين حول قبلة واحدة، ويعد يوم عرفة من الأيام المميزة دينيا وفيه يتم تغيير الكسوة سنويًا في يوم عرفة ضمن مراسم خاصة تُعرف بعملية “إحرام الكعبة”، حيث تُزال الكسوة القديمة وتُستبدل بالجديدة في مشهد مهيب يعكس روحانية المكان.
في الوقت الحاضر، تُصنع كسوة الكعبة داخل مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة في مكة المكرمة، حيث يعمل نحو 200 موظف متخصص في مراحل دقيقة ومعقدة تمتد لعدة أشهر، تبدأ العملية باختيار أجود أنواع الحرير الطبيعي المستورد، والذي يُصبغ باللون الأسود داخل المجمع، ثم يُنقل إلى مرحلة النسيج باستخدام أنوال حديثة تجمع بين التقنية والمهارة اليدوية لإنتاج القماش الأساسي للكسوة.
بعد ذلك تأتي مرحلة الطباعة التي تُنقل فيها الزخارف والآيات القرآنية باستخدام تقنيات دقيقة، تمهيدًا لأهم المراحل وأكثرها دقة وهي التطريز بخيوط الذهب والفضة، حيث تُستخدم كميات كبيرة تصل إلى نحو 120 كيلوجرامًا من الذهب والفضة في تزيين الكسوة، وتُعد هذه المرحلة من أكثر المراحل استهلاكًا للوقت والجهد لما تتطلبه من دقة متناهية للحفاظ على قدسية النصوص وجماليات التصميم.
ويُستهلك في صناعة الكسوة نحو 670 كيلوجرامًا من الحرير الطبيعي، وتصل تكلفتها السنوية إلى أكثر من 25 مليون ريال سعودي، ما يجعلها من أغلى الأثواب في العالم من حيث القيمة المادية والمعنوية على حد سواء،
لكن جذور كسوة الكعبة تعود إلى قرون طويلة، إذ لم تكن البداية من مكة، بل من مصر التي لعبت دورا تاريخيا بارزا في صناعة الكسوة وإرسالها إلى الحجاز، فمنذ العصر الفاطمي، ارتبطت مصر بتقليد سنوي لإرسال كسوة الكعبة، وتطور هذا التقليد ليصبح موكبًا رسميًا عُرف باسم “المحمل”، وهو أحد أبرز الرموز الاحتفالية والدينية في التاريخ الإسلامي.
وفي العصر المملوكي، عزز السلطان الظاهر بيبرس هذا التقليد بإصدار فرمان رسمي يلزم بإرسال الكسوة سنويًا من القاهرة إلى مكة، لتصبح مهمة دولة متكاملة وليست مجرد مبادرة رمزية، ومع مرور الزمن، تأسس مصنع خاص لكسوة الكعبة في حي الخرنفش بالقاهرة، حيث اجتمع أمهر النساجين والخطاطين لتصنيع الثوب المبارك باستخدام الحرير الأسود وخيوط الذهب والفضة.
وكان خروج “المحمل” من القاهرة حدثًا مهيبًا يشبه الاحتفال الوطني، حيث تصطف الجماهير لمشاهدة الموكب الذي يضم الجنود والعلماء والحجاج في رحلة طويلة عبر سيناء وطرق الحجاز الوعرة، وسط أجواء دينية وروحانية عالية تعكس مكانة هذا الحدث في الوجدان الشعبي المصري.
واستمر هذا التقليد العريق قرونًا طويلة، حتى توقف عام 1962، لينتقل بعدها تصنيع الكسوة بالكامل إلى المملكة العربية السعودية، التي واصلت تطوير هذا الإرث التاريخي والحفاظ عليه باستخدام أحدث التقنيات مع الحفاظ على قيمته الدينية والرمزية.
وهكذا، تبقى كسوة الكعبة شاهدًا حيًا على امتداد تاريخي فريد يجمع بين مصر والسعودية، وبين الحرفة اليدوية والتقنية الحديثة، وبين الفن والإيمان، لتظل رمزًا خالدًا لوحدة المسلمين وقدسية البيت الحرام عبر العصور.






