نيفين فارس
نيفين فارس

مجتمعنا والخطوط الحمراء


لا تقاس قوة المجتمعات فقط بحجم اقتصادها أو قوة مؤسساتها أو قدراتها العسكرية بل تقاس أيضًا بقدرتها على الحفاظ على خطوطها الحمراء.

فالخطوط الحمراء ليست مجرد محظورات قانونية أو قيود اجتماعية بل هي الحدود التي يرسمها المجتمع لحماية المعاني الكبرى التي يقوم عليها وجوده الكرامة، والأسرة، والإنسانية، والاحترام المتبادل، وحين تتلاشى هذه الحدود، لا يحدث الانهيار فجأة بل يبدأ تدريجيًا، في صورة تنازلات صغيرة تبدو عادية حتى يكتشف المجتمع أنه فقد جزء من روحه دون أن يشعر.

ومن هنا أرفض محاولات التطبيع مع الدعارة أو تقديمها باعتبارها مجرد نمط حياة أو خيار شخصي لا يخص إلا أصحابه، فالقضية بالنسبة لي ليست خلاف حول سلوك فردي بل خلاف حول أحد الخطوط الحمراء التي تحمي فكرة الإنسان نفسها.

لأن هناك فرقًا بين أن يعمل الإنسان بجسده في الإنتاج والبناء والإبداع وبين أن يتحول الجسد ذاته إلى سلعة معروضة للتداول، فاللحظة التي يصبح فيها الجسد الإنساني جزءًا من السوق، لا تتغير فيها طبيعة المعاملة فقط، بل تتغير نظرتنا إلى الإنسان ذاته.

والمشكلة الحقيقية أن سقوط الخطوط الحمراء لا يبدأ عادة بالدفاع عن الفعل، بل يبدأ بإعادة تعريفه، تتحول المشكلة إلى “حق”، والرفض إلى “تشدد”، والتحفظ إلى “تخلف”، ثم يصبح مجرد الاعتراض موضع اتهام، وهكذا لا تتغير الأفعال فقط، بل تتغير اللغة التي نفكر بها ونحكم من خلالها على الأشياء.

إن الحضارات لا تنهار عندما تُكسر خطوطها الحمراء مرة واحدة، بل عندما تتوقف عن الإيمان بوجودها أصلاً، وعندما يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين ما يجب حمايته وما يمكن التفاوض عليه، يصبح كل شيء قابلاً للمساومة.

لذلك فإن القضية، في جوهرها، ليست قضية دعارة بقدر ما هي قضية حدود، حدود تفصل بين الحرية والفوضى، وبين الكرامة والابتذال، وبين الإنسان كقيمة والإنسان كسلعة.

فالمجتمعات التي تحترم نفسها ليست تلك التي تزيل كل خطوطها الحمراء، بل تلك التي تعرف جيدًا أي الخطوط يجب ألا تمس مهما تغير الزمن وتبدلت الشعارات.

لأن بعض الحدود لا وضعت لتقييد الإنسان، بل وضعت لحمايته من أن يفقد قيمته دون أن يدرك.