“تسوية الدفاتر لا تكفي”.. انتقادات ورفض للموازنة الجديدة من أحزاب المعارضة والمجتمع المدني  

بالتزامن مع رفض لافت تحت قبة البرلمان للموازنة الجديدة لعام 2026/2027 ، يتصاعد رفض المجتمع المدني والوسط الاقتصادي، حيث يرون أنها تكرس أعباء الديون على حساب الخدمات الأساسية والدعم، وتعيد إنتاج نفس السياسات الاقتصادية والمالية ونفس الانحيازات الاجتماعية التي دعمت عجز الموازنة وميزان المدفوعات وتفاقم المديونية وارتفاع معدلات الفقر وانخفاض قيمة العملة.

وأعلن النائب حسام حسن الخشت، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس النواب رفضه ورفض حزب العدل وهيئته البرلمانية لمشروع الموازنة العامة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027، فيما تساءل النائب حسين هريدي عضو مجلس النواب عن حزب العدل في كلمته تحت القبة: “كيف لنا أن نوافق على ميزانية تحتاج فيها الحكومة ان تسدد 128% من إيراداتها لتسديد فوائد وإقساط الديون”، وهو ما اتفقه معه العديد من النواب.

 تأتي مناقشة الخطة المالية للدولة في وقت تتزايد فيه التحديات الإقليمية والعالمية التي تؤثر على مصر، فيما تستمر الحكومة في تطبيق سياستها التقشفية المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، فترفع أسعار الوقود والكهرباء والمواصلات، بينما يضغط عليها صعود أسعار الطاقة العالمية والتحذيرات من زيادة أسعار الغذاء، بسبب الحرب على إيران وتأثيره على حركة التجارة.

نفس السياسيات الفاشلة

في حديث خاص لـ”ليبرالي” قال الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني: “لو تأملنا الأرقام المنشورة عن وزارة المالية لمشروع موازنة 2026/2027، نجد أنها استمرار لنفس السياسات الاقتصادية والمالية ونفس الانحيازات الاجتماعية التي دعمت عجز الموازنة وميزان المدفوعات وتفاقم المديونية وارتفاع معدلات الفقر وانخفاض قيمة العملة”.

إلهامي الميرغني

ويرصد الميرغني، أوضاع الموازنة موضحًا أن أزمة المديونية المنفلته تفاقمت في ظل غياب الرقابة، حيث وصلت الأرقام في الموازنة الجديدة الي 2419.8 مليار جنيه فوائد ديون و2807.9 مليار جنيه أقساط قروض لتشكل الأقساط والفوائد معاً حوالي 64% من إجمالي استخدامات الموازنة وبحيث لا يتبقي لباقي بنود الانفاق الحكومي سوي 36% فقط من الاستخدامات التي تبلغ 8174.6 مليار جنيه.

ويضيف أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد لأن الإيرادات الضريبية لا تمثل سوي 43.2% فقط من الموارد ولذلك ستسعى الحكومة للحصول على قروض جديدة قيمتها 4010.5 مليار جنيه وتشكل 49.1% من إجمالي الموارد.

ويوضح أنه رغم وصول مخصصات الدعم الي 832.3 مليار جنيه، إلا أن أهميتها الي إجمالي المصروفات تراجعت من 36.9% في 2012/2013 إلى 16.1% في 2026/2027 وتراجعت أهمية الدعم الي الناتج المحلي من 14.4% إلى 3.4% فقط. إضافة الي وجود بنود محسوبة ضمن الدعم، وهي ليست دعم مثل مبلغ 169.2 مليار جنيه مساهمة في صناديق المعاشات. وتمثل 20.3% من مخصصات الدعم وهي ليست دعم، بل جزء من ديون المعاشات التي اقترضتها الحكومة وتسددها على 56 سنة بعد التعديل الأخير في قانون التأمينات ولذلك يصعب اعتبارها دعم.

ويلفت الميرغني الانتباه إلى أن المخصص النقدي للفرد في دعم البطاقات التموينية ثابت منذ عام 2018 وحتى 2026 رغم زيادة السكان ومعدلات التضخم وانخفاض سعر صرف الجنيه. ويشير إلى أن ما يقال عن إن الأجور زادت 141.6 مليار جنيه عن العام الماضي يجب أن يتم توضيحه أنها تخص موظفي الحكومة والمحليات والهيئات العامة الخدمية فقط ولا تخص باقي قطاعات التشغيل، مضيفا أنه لا أحد يعرف كيف يتم توزيعها بين المستويات الوظيفية من تنفيذيين وإدارة وسطي وإدارة عليا، ورغم ذلك نجد أن أهمية الأجور للمصروفات تراجعت من 27.1% في 2014/2015 إلى 15.9% في 2026/2027 وكذلك بالنسبة للناتج المحلي من 8.3% إلى 3.4%. وإذا ربطنا ذلك بارتفاع الأسعار والقدرة الشرائية للنقود سنجد الزيادات محدودة.

قطاع الخدمات العامة والضرائب

ويشير الميرغني، إلى أن قطاع الخدمات العامة الذي يشمل رئاسة الجمهورية ومجلسي الشعب والشورى وزارة المالية ووزارة الخارجية ودواوين عموم المحافظات يستحوذ على 56% من إجمالي المصروفات على القطاعات الوظيفية العشرة بينما نصيب باقي القطاعات التسعة الأخرى هو 44% من المصروفات، كما يستحوذ قطاع الخدمات العامة على 26% من إجمالي الأجور في الموازنة.

أما إذا تأملنا الضرائب، والحديث لـ”الميرغني”، فنجد حوالي 40% ضرائب غير مباشرة يدفعها الأغنياء والفقراء بينما الضرائب على الدخول 38.2% منها 332.6 مليار جنيه ضرائب على الوظائف يدفعها العمال والموظفين وتخصم من المنبع، بينما أصحاب الورش والمحلات الصغيرة والمهن الحرة من أطباء ومحاميين ومهندسين وفنانين ولاعبي كرة لا تتجاوز 277.6 مليار جنيه.

الانفاق على التعليم والصحة

ويضيف أن الانفاق على التعليم والذي نص الدستور على ألا يقل عن 7% من الناتج المحلي والذي بلغ 367.3 مليار جنيه في مشروع الموازنة الجديدة، ولكن أهميته لإجمالي المصروفات انخفضت من 12% في 2012/2013 إلى 7.1% فقط في 2026/2027، كما أن حجم الانفاق الي الناتج المحلي خلال نفس السنوات انخفض من 4.7% الي 1.5% فقط.

ويوضح أن الانفاق على الصحة وصل إلى 301.9 مليار جنيه في الموازنة الجديدة وكان مطلوبًا أن تصل الي 3% من الناتج المحلي، ولكن نجدها ارتفعت كنسبة من إجمالي المصروفات من 5.1% إلى 5.8% مع زيادة السكان من 55 مليون نسمة الي 108.6 مليون نسمة، ولكن الانفاق على الصحة ألي الناتج المحلي انخفض من 2% الي 1.2%.

تسوية دفاتر

وأظهرت دراسة تحليلية أصدرتها “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” بشأن مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية الجديدة 2026/2027، أن الالتزامات المالية المرتبطة بخدمة الدين العام باتت تستحوذ على النصيب الأكبر من الإنفاق، مما يقلص المساحة المالية المتاحة للخدمات الاجتماعية والقطاعات التنموية.

انفوجرافيك من دراسة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية

وتشير الدراسة الحقوقية الصادرة تحت عنوان “موازنة 2026/2027: تسوية الدفاتر لا تكفي”، إلى أن الاقتراض لازال هو المصدر الرئيسي لتمويل العجز الكلي للموازنة، بحسب البيان المالي لموازنة 2027/2026 فيما يتم تمويل أقساط القروض المستحقة خلال السنة المالية عن طريق إصدار أذون وسندات على الخزانة العامة، ليبلغ العجز الكلي للموازنة الجديدة حوالي 1.2 تريليون جنيه، أما سداد القروض فيقدر بنحو 2.8 تريليون جنيه

وتوضح أنه بينما أثرت التوترات الإقليمية على سعر صرف الجنيه الذي تراجع من مستوى 47.7 جنيه للدولار في مطلع 2026 إلى 52 جنيه للدولار حاليًا، نتيجة خروج الأموال الساخنة من السوق المصري بتأثير الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها، ورغم توقعات التقارير الدولية لزيادة معدلات ارتفاع الأسعار العالمية، تفترض الموازنة الجديدة معدل تضخم لا يزيد على 9.3% مقابل 18% في مشروع موازنة السنة المالية الموشكة على الانتهاء.

وتساءلت الدارسة حول أسباب تفاؤل السياسة المالية في هذه الأوقات العصيبة، والتي لا تشير إطلاقًا إلى احتمال انخفاض معدل زيادة الأسعار بل على العكس، بدليل قيام البنك المركزي المصري مؤخرًا برفع الرقم المستهدف للتضخم إلى حدود 16-17% في عام 2026، مؤكدة أنه تكمن خطورة وضع تقدير غير واقعي للتضخم في أنه ينعكس على كل تقديرات الموازنة، وبالتالي فإن المبالغ المخصصة للدعم مثلا ستكون أقل قدرة على توفير قدر من الحماية الاجتماعية إذا زاد التضخم عن المستهدف، كما ستقل القيمة الحقيقية لمخصصات الأجور والتعليم والصحة وهي غير كافية من الأصل، وفق الرصد.

وتضيف الدارسة أن هذا الوضع يخفي المخاطر المالية التي تترتب على ارتفاع معدل زيادة أسعار المستهلكين، حيث يوضح نفس البيان المالي لمشروع موازنة السنة المالية الجديدة أن زيادة التضخم عن النسبة المقدرة في الموازنة ستؤدي إلى رفع سعر الفائدة، مما سيزيد من تكلفة الديون، ويضيف البيان أن “كل 1% زيادة في الفائدة ترفع مدفوعات فوائد الدين بنحو 120 مليار جنيه”.

وترى الدراسة أن ما أعلنته الحكومة من زيادة الدعم الموجه للسلع التموينية ودعم الأسر الأكثر احتياجًا عبر برامج الدعم النقدي “تكافل وكرامة”، تظل هزيلة في مواجهة التضخم المتراكم خلال السنوات الماضية والمتوقع زيادته خلال العام الجاري (2026)، موضحة أن أنواع الدعم المقدمة -سواء كانت سلعية أم نقدية- تقترب من توفير نصف القيمة التي تكفي الاحتياجات الأساسية للأسرة وتبقيها فقط على خط الفقر، حيث لا تزيد قيمة الدعم بنوعيه لأسرة من أربعة أفراد عن ٣٥٠٠ جنيه شهريًا حسب البيانات الواردة في الموازنة.

رفض تحت القبة

في نفس السياق، أكد النائب محمود سامي الإمام رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي، أن الموازنة العامة يجب أن تستند إلى افتراضات واقعية تتوافق مع المتغيرات الاقتصادية الحالية، محذرًا من الفجوة بين التقديرات الواردة بالموازنة والواقع الذي يشهده الاقتصاد المصري.

وأعلن المهندس إيهاب منصور، عضو مجلس النواب ووكيل لجنة القوى العاملة، عن الحزب المصري الديمقراطي، رفضه لمشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027 والخطة الاقتصادية، منتقدًا ما وصفه بعدم التزام الحكومة بالنسب الدستورية المخصصة لقطاعات التعليم والصحة والبحث العلمي. مطالبًا بإقالة الحكومة ومحاسبة المسؤولين عن الأوضاع الحالية.

وأعلنت الدكتورة إيرين سعيد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، رفضها للخطة الاقتصادية التي قدمتها الحكومة ومشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027، معتبرة أن عدداً من مستهدفاتها لا يستند إلى بيانات حديثة تعكس الواقع الاقتصادي الحالي.

ورفض النائب محمد عبدالعليم داود رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد مشروع الموازنة المقدم من الحكومة وذلك خلال الجلسة العامة لمجلس النواب، مؤكدًا أهمية المحاسبة السياسية للحكومة فورًا.

وأكد النائب المستقل رضا عبد السلام عضو مجلس النواب، رفضه لمشروع الموازنة العامة للدولة، كذلك مشددًا على أن التعليم يجب أن يكون في مقدمة أولويات الدولة. وقال :” “أتينا بصوت الشارع لنمثله لا لنمثل عليه”.