بعد سنوات من هيمنة البطل الأوحد.. الثنائيات الفنية تعود بقوة إلى واجهة السينما المصرية

دينا زكريا

مع طرح التريلر الرسمي لفيلم صقر وكناريا الذي يجمع بين النجمين محمد إمام وشيكو، عادت ظاهرة الثنائيات الفنية إلى دائرة الضوء مجددًا، بعدما فرضت حضورها بقوة على الساحة السينمائية المصرية خلال السنوات الأخيرة، ولم يعد اجتماع نجمين يمتلك كل منهما قاعدة جماهيرية مختلفة مجرد خيار فني يهدف إلى إثراء العمل، بل تحول إلى أحد أبرز الرهانات الإنتاجية والتسويقية في سوق سينمائي يشهد منافسة متزايدة على جذب الجمهور وتحقيق أعلى الإيرادات.

هل تغيرت معادلة النجومية في مصر؟
خلال السنوات الأخيرة، شهدت السينما المصرية عودة قوية لظاهرة الثنائيات الفنية، لكن هذه المرة في سياق مختلف يتجاوز مجرد التعاون بين نجمين، إلى اعتبارات إنتاجية وتسويقية ترتبط بطبيعة سوق السينما الحديثة، حيث نجح فيلم “كيرة والجن” في تحقيق إيرادات جماهيرية كبيرة مستندًا إلى الشراكة بين كريم عبد العزيز وأحمد عز، ليقدم نموذجًا يؤكد أن اجتماع نجمين من الصف الأول يمكن أن يضاعف من جاذبية العمل ويمنحه مساحة أوسع للوصول إلى الجمهور.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يستمر الاتجاه نفسه مع الإعلان عن مشروعات جديدة تجمع النجمين، أبرزها فيلم “The Seven Dogs”، الذي يُنظر إليه باعتباره واحدًا من أضخم الإنتاجات السينمائية العربية من حيث الميزانية وحجم التنفيذ، كما برزت ثنائيات أخرى في الكوميديا والأكشن، من بينها هشام ماجد وشيكو اللذان نجحا في تكوين حالة خاصة لدى الجمهور، مستندين إلى كيمياء فنية تطورت عبر سنوات طويلة من العمل المشترك، إلى جانب تجارب أخرى مثل أحمد السقا وأحمد فهمي.

هذه النجاحات دفعت المنتجين إلى إعادة النظر في مفهوم البطولة الفردية الذي هيمن على السينما المصرية لعقود، خصوصًا في ظل المنافسة المتزايدة بين دور العرض والمنصات الرقمية، والحاجة إلى تقديم أعمال قادرة على استقطاب شرائح جماهيرية متنوعة في الوقت نفسه.

من النجم الأوحد للثنائي الجماهيري
بعد سنوات طويلة تصدر خلالها “النجم الأوحد” المشهد السينمائي، بدأت ملامح تحول واضحة تظهر في خريطة الإنتاج، فلم يعد نجاح الفيلم مرهونًا بوجود بطل واحد يتصدر الملصق الدعائي، بل أصبح الرهان يتجه نحو الجمع بين أكثر من نجم يمتلك كل منهم قاعدة جماهيرية واسعة، بما يخلق حالة من التنوع داخل العمل ويزيد من فرص انتشاره.

ورغم أن الظاهرة تبدو حديثة في شكلها الحالي، فإنها ليست جديدة على السينما المصرية، فقد عرفت الصناعة عبر تاريخها عددًا من الثنائيات التي تركت بصمة واضحة في وجدان الجمهور، بداية من إسماعيل ياسين وعبد السلام النابلسي، مرورًا بعادل إمام وسعيد صالح، ووصولا إلى تجارب جمعت أحمد زكي بسعاد حسني وغيرهما من النجوم.

لماذا عادت الثنائيات الآن؟
يرى متابعون أن عودة الثنائيات السينمائية ترتبط بعدة عوامل، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج، ما يجعل الاعتماد على نجم واحد مخاطرة أكبر بالنسبة للمنتجين، كما أن الجمهور بات أكثر ميلا إلى مشاهدة شخصيات متعددة وعلاقات درامية أكثر تعقيدًا داخل الفيلم، بدلا من التركيز على بطل منفرد.

كذلك لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في تعزيز شعبية الثنائيات الفنية، حيث أصبح الجمهور يتفاعل مع الكيمياء التي تجمع النجوم داخل وخارج الشاشة، كما ساهم نجاح أفلام البطولة الجماعية محليًا وعالميًا، إلى جانب انتشار إنتاجات المنصات الرقمية، في ترسيخ فكرة “الفريق” بدلا من البطل الخارق الذي يتحمل العمل بمفرده.

ثنائيات صنعت تاريخ الكوميديا والدراما
تظل الشراكة بين عادل إمام وسعيد صالح واحدة من أبرز الثنائيات في تاريخ الفن المصري، حيث جمعتهما كيمياء فنية استثنائية انعكست على المسرح والسينما، ومن أشهر الأعمال التي قدماها معًا أفلام “سلام يا صاحبي” و”المشبوه” و”الهلفوت” و”على باب الوزير”، وهي أعمال رسخت نموذج الصديقين المختلفين في الطباع والمتشابهين في المصير، ما منحها حضورًا طويلا لدى الجمهور.

كما شكلت لقاءات أحمد زكي وسعاد حسني، علامة فارقة في السينما المصرية، من خلال أفلام مثل “شفيقة ومتولي” و”موعد على العشاء” و”هو وهي” و”الراعي والنساء”، حيث امتزج الأداء التمثيلي القوي بالحضور الإنساني العميق للشخصيات.

أما لقاء أحمد زكي ومحمود عبد العزيز فكان حدثًا استثنائيًا رغم محدودية الأعمال المشتركة بينهما، ويظل فيلم “البريء” أحد أبرز النماذج التي جمعت بين اثنين من أهم نجوم جيلهم٠

وفي مجال الكوميديا، شهدت الثمانينيات والتسعينيات ازدهارًا لافتًا للثنائيات الفنية، حيث اعتمدت العديد من الأعمال على وجود شخصيتين متكاملتين بدلا من بطل واحد، كما في تجارب يونس شلبي ومحمد نجم، أو تجربة سمير غانم وجورج سيدهم، التي انطلقت من نجاح “ثلاثي أضواء المسرح”.

قبل البطل الأوحد.. البطولة الجماعية كانت القاعدة
في الواقع، لم تُبن السينما المصرية تاريخيًا على فكرة النجم الواحد، ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كانت البطولة الجماعية هي السمة الغالبة في العديد من الأعمال الكبرى، التي اعتمدت على مجموعة من النجوم داخل الفيلم الواحد، مثل “ثرثرة فوق النيل” و”ميرامار” و”شروق وغروب” و”إمبراطورية ميم”.

لذلك يرى بعض النقاد أن ما يحدث اليوم ليس اختراعًا جديدًا بقدر ما هو عودة إلى أحد التقاليد الراسخة في السينما المصرية، لكن بصيغة تتناسب مع طبيعة الصناعة الحديثة ومتطلبات السوق، وبينما تتزايد الاستثمارات في الأفلام الضخمة، يبدو أن الثنائيات والبطولات المشتركة مرشحة لأن تصبح أحد أهم ملامح السينما المصرية خلال السنوات المقبلة.