
لم يكن الإعلان الأمريكي بفرض قيود على التأشيرات بحق شخصيات وصفتها واشنطن بأنها من المتشددين، داخل جبهة تحرير شعب تيجراي حدثًا عابرًا في سياق الأزمة الإثيوبيا، بل حمل بين سطوره تحولات أعمق في رؤية الولايات المتحدة لمستقبل إثيوبيا والقرن الأفريقي بأكمله، فالقرار يأتي بعد أقل من أربع سنوات على اتفاق بريتوريا الذي وقع بين جبهة تحرير تيجراي والحكومة الفيدرالية في أديس أبابا لوقف القتال بيهم، لعبت واشنطن دورًا مهمًا في دعم هذا الاتفاق سياسيًا ودبلوماسيًا، وهو الاتفاق الذي أعاد جبهة تحرير شعب تيجراي من ساحة الحرب إلى طاولة السياسة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا تعاقب الولايات المتحدة طرفًا كانت تدافع عن إشراكه في عملية السلام؟ وهل يتعلق الأمر بالفعل بحماية الاتفاق أم أن هناك حسابات استراتيجية أكبر تتحكم في المشهد؟
ما وراء البيان الأمريكي
في الظاهر، تبدو الرواية الأمريكية واضحة؛ هناك مخاوف من عودة الحرب في شمال إثيوبيا، وهناك أطراف داخل تيجراي تتهمها واشنطن بعرقلة تنفيذ اتفاق السلام، ولذلك جاءت العقوبات كأداة ضفط لمنع انهيار التسوية السياسية.
لكن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن القرار لا يتعلق فقط بإقليم تيجراي، بل بإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية في منطقة تشهد تغيرات متسارعة، فالولايات المتحدة لا تتحرك عادة بسبب أزمة محلية فقط، وإنما عندما ترى أن مصالحها الاستراتيجية قد تصبح مهددة.
والحقيقة أن ما يقلق واشنطن اليوم ليس تيجراي وحدها، بل احتمال انهيار الدولة الإثيوبية أو دخولها في دورة جديدة من الصراعات الداخلية في لحظة تشهد فيها المنطقة أزمات متزامنة في السودان والصومال والبحر الأحمر.
من الضغط على آبي أحمد إلى حمايته
خلال حرب تيجراي بين عامي 2020و2022 كانت العلاقات بين واشنطن وأديس أبابا في أسوأ حالاتها، تعرضت حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لانتقادات أمريكية حادة، وفرضت عليها ضغوط سياسية واقتصادية، كما اتهمتها دوائر بارتكاب انتهاكات واسعة خلال الحرب.
في تلك المرحلة كان الهدف الأمريكي هو وقف العمليات العسكرية بأي ثمن، حتى لو تطلب الأمر الضغط على الحكومة الفيدرالية ومنح جبهة تحرير شعب تيجراي مساحة سياسية أكبر.
لماذا تغيرت المعادلة بالكامل؟
فواشنطن لم تعد تنظر إلى آبي أحمد باعتباره المشكلة الرئيسية، بل أصبحت ترى أن استقرار إثيوبيا ضرورة استراتيجية، ولذلك فإن أي قوة تهدد هذا الاستقرار باتت تٌصنف كعامل خطر بغض النظر عن موقعها السياسي. بمعنى آخر، انتقلت الولايات المتحدة من سياسة “احتواء الحكومة” إلى سياسة “حماية الدولة”.
وهذا التحول يفسر لماذا جاءت العقوبات موجهة نحو شخصيات داخل تيجراي في وقت كانت فيه الجبهة قبل سنوات تحظى بتعاطف غربي واسع.

تيجراي تدفع ثمن تغير الأولويات الدولية
في السياسة الدولية لا توجد صداقات دائمة، بل مصالح دائمة، وهذه القاعدة تبدو واضحة في الحالة الإثيوبية.
عندما كانت الحرب مشتعلة، شكلت الأزمة الإنسانية في تيجراي ورقة ضغط مهمة على الحكومة الإثيوبية، وكانت الجبهة بالنسبة للغرب جزءًا من معادلة الحل. لكن بعد توقيع اتفاق بريتوريا، أصبحت الأولوية مختلفة تمامًا.
فالغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لم يعد يبحث عن توازن بين الحكومة والجبهة، بل عن تثبيت الاستقرار ومنع عودة الحرب.
ومن هنا يمكن فهم الرسالة الأمريكية الحالية باعتبارها رسالة إلى جبهة تحرير شعب تيجراي مفادها أن دورها المقبول دوليًا هو دور الشريك السياسي، لا اللاعب العسكري.
أي محاولة للخروج من هذا الإطار ستعني فقدان الغطاء الدولي الذي استفادت منه الجبهة خلال سنوات الحرب.
البحر الأحمر حاضر في الخلفية
ورغم أن البيان الأمريكي لم يشر إلى البحر الأحمر بشكل مباشر، فإن هذا الملف يكاد يكون حاضرًا في كل قرار دولي يتعلق بالقرن الأفريقي.
فالولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة اليوم من زاوية الأمن البحري أكثر من أي وقت مضى.
التوترات في اليمن، والهجمات على الملاحة الدولية، والحرب السودانية، والتنافس الدولي على الموانئ والممرات البحرية، كلها عوامل تجعل استقرار إثيوبيا أولوية أمريكية.
صحيح أن إثيوبيا دولة حبيسة، لكنها تظل لاعبًا رئيسيًا في معادلة البحر الأحمر بسبب حجمها السكاني وقوتها العسكرية وتأثيرها السياسي. ومن ثم فإن عودة الحرب في تيجراي لن تكون مجرد أزمة داخلية، بل تهديدًا للاستقرار الإقليمي بأكمله.
دبرصيون في مرمى الرسائل الأمريكية غير المباشرة
ثمة قراءة أخرى للقرار الأمريكي تتجاوز البعد العقابي المباشر، لتتصل بطبيعة الصراع الداخلي داخل جبهة تحرير شعب تيجراي.
فالعقوبات جاءت في وقت تشهد فيه الجبهة انقسامات متزايدة بين تيارات مختلفة تتنافس على النفوذ داخل الإقليم في ظل مرحلة سياسية لا تزال غير مستقرة بعد اتفاق بريتوريا.
وفي هذا السياق، يبدو أن واشنطن لا تتعامل مع المشهد بوصفه كتلة واحدة، بل تحاول بشكل غير مباشر التأثير في موازين القوى الداخلية، عبر الدفع نحو تعزيز التيارات الأكثر التزامًا بالاتفاق، مقابل تقليص هامش تأثير التيارات الأكثر ميلاً للتصعيد.
وبهذا المعني، يمكن قراءة القرار باعتباره أقرب إلى “رسالة سياسية موجهة إلى دبرصيون جبرميكائيل رئيس إقليم الجبهة تحرير تيجراي”، بصفته أحد أبرز مراكز الثقل داخل الجبهة، أكثر من كونه رسالة عامة موجهة إلى تيجراي كإقليم أو كيان سياسي موحد.
وبالتالي، فإن العقوبات لا تُفهم فقط كأداة ضغط على أفراد بعينهم، بل كجزء من محاولة أوسع للتأثير في هندسة المشهد السياسي داخل تيجراي وإعادة ضبط توازناته الداخلية.
وهنا تكمن دلالة القرار؛ إذ إنه لا يكتفي بمعالجة السلوك، بل يلامس بشكل غير مباشر مسار تشكّل القيادة السياسية للإقليم في المرحلة المقبلة.

هل بدأت واشنطن الرهان على آبي أحمد؟
السؤال الذي يطرحه كثير من المراقبين هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قد حسمت أمرها وقررت الرهان على آبي أحمد كشريك استراتيجي.
الإجابة ليست بهذه البساطة.
فالخلافات بين واشنطن وأديس أبابا لم تختفِى، لكن الولايات المتحدة تدرك أن البديل عن استقرار الحكومة الإثيوبية قد يكون الفوضى الشاملة.
ومن منظور المصالح الأمريكية، فإن إثيوبيا الموحدة حتى مع وجود خلافات مع قيادتها أفضل بكثير من إثيوبيا المنقسمة أو الغارقة في حرب جديدة.
لذلك يمكن القول إن واشنطن لا تدعم آبي أحمد كشخص بقدر ما تدعم بقاء الدولة الإثيوبية كقوة إقليمية قادرة على منع مزيد من الانهيارات في القرن الأفريقي.
ما بين السطور
الرسالة الحقيقية في القرار الأمريكي ليست موجهة إلى تيجراي وحدها، بل إلى جميع الفاعلين في إثيوبيا.
فالولايات المتحدة تقول بوضوح إن مرحلة الحرب انتهت بالنسبة للمجتمع الدولي، وإن أي طرف يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء سيجد نفسه في مواجهة ضغوط متزايدة.
لكن الأهم من ذلك أن القرار يكشف عن تحول أوسع في التفكير الأمريكي تجاه القرن الأفريقي؛ فبدلاً من إدارة الأزمات الإنسانية فقط، أصبحت واشنطن تركز على إدارة التوازنات الجيوسياسية وحماية الاستقرار الإقليمي في ظل المنافسة الدولية المتصاعدة على البحر الأحمر وشرق أفريقيا.
ومن هنا فإن العقوبات الأخيرة لا تعكس مجرد موقف من جبهة تحرير شعب تيجراي، بل تمثل إعلانًا غير مباشر بأن الولايات المتحدة أعادت تعريف مصالحها في إثيوبيا، وإذا كانت سنوات الحرب قد شهدت ضغوطًا على الحكومة الفيدرالية، فإن مرحلة ما بعد بريتوريا تشهد شيئًا مختلفًا تمامًا: انتقال واشنطن من دور الوسيط بين الأطراف المتحاربة إلى دور الحارس السياسي لاتفاق السلام، حتى لو تطلب ذلك معاقبة حلفاء الأمس.






