أثارت أفلامه الجدل وفتحت ملفات المسكوت عنه

دينا زكريا
تحل اليوم، الثلاثاء 23 يونيو، ذكرى رحيل المخرج عاطف الطيب، أحد أبرز رواد الواقعية في السينما المصرية، وصاحب مشروع فني استثنائي جعل من الإنسان البسيط بطلا لأفلامه، ومن قضايا المجتمع المصري مادة سينمائية لا تزال حاضرة في الوجدان حتى اليوم.
ورغم مرور سنوات طويلة على رحيله عام 1995، فإن أفلام عاطف الطيب ما زالت قادرة على إثارة الأسئلة نفسها التي طرحها قبل عقود حول العدالة والسلطة والفساد والكرامة الإنسانية، وهو ما جعل أعماله تتجاوز زمن إنتاجها لتبقى شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ المجتمع المصري.

البدايات.. من مساعد مخرج إلى صاحب مشروع سينمائي
ولد عاطف الطيب عام 1947، وتخرج في المعهد العالي للسينما قسم الإخراج عام 1970، وخلال سنوات دراسته بدأ خطواته الأولى في عالم السينما، فعمل مساعد مخرج مع المخرج مدحت بكير في فيلم “ثلاثة وجوه للحب” عام 1969، كما عمل مساعدا للمونتاج مع كمال أبو العلا.
بعد التخرج التحق بالخدمة العسكرية بين عامي 1971 و1975، وهي الفترة التي شهدت حرب أكتوبر 1973، وترك هذا الاحتكاك المباشر بالواقع المصري أثرا واضحاً على رؤيته الفنية لاحقاً، وخلال وجوده في الجيش أخرج الفيلم القصير “جريدة الصباح” عام 1972 من إنتاج المركز القومي للأفلام التسجيلية والقصيرة.
واصل “الطيب” بعدها العمل مساعداً لعدد من كبار المخرجين، فشارك مع شادي عبد السلام في فيلم “جيوش الشمس”، وعمل مساعد مخرج ثانيا مع يوسف شاهين في “إسكندرية ليه”، كما شارك في عدد من الإنتاجات الأجنبية التي صُورت في مصر، من بينها فيلم “الجاسوس الذي أحبني” من سلسلة جيمس بوند و”جريمة على نهر النيل”.
وفي عام 1982 قدم أول أفلامه الروائية الطويلة “الغيرة القاتلة”، لتبدأ بعدها رحلة فنية قصيرة زمنياً لكنها شديدة التأثير في تاريخ السينما المصرية.

سينما منحازة للإنسان
لم يكن عاطف الطيب من المخرجين الذين اكتفوا بصناعة أفلام للترفيه، بل كان صاحب رؤية واضحة جعلت السينما أداة لفهم المجتمع وكشف تناقضاته، لذلك جاءت شخصياته من قلب الشارع المصري؛ موظفون وعمال وسائقون وشباب يبحثون عن فرصة للحياة أو العدالة أو الكرامة.
ومن خلال هذه الشخصيات استطاع أن يقدم صورة واقعية للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها مصر خلال الثمانينيات والتسعينيات، بعيداً عن المبالغة أو الشعارات المباشرة.

أفلام صنعت تاريخًا
قدم عاطف الطيب خلال مسيرته مجموعة من الأفلام التي تحولت إلى علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية، فكان فيلم “سواق الأتوبيس” من أبرز هذه الأعمال، حيث جسد معاناة الطبقة الوسطى وصراعها للحفاظ على قيمها ومكانتها في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة، ليصبح واحداً من أهم أفلام الواقعية المصرية.
وفي “البريء” قدم تجربة شديدة الجرأة ناقش من خلالها علاقة الفرد بالسلطة وحدود الوعي والحرية، عبر قصة شاب بسيط يجد نفسه داخل منظومة أكبر من قدرته على الفهم والاستيعاب.
أما فيلم “الحب فوق هضبة الهرم”، المأخوذ عن قصة للأديب نجيب محفوظ، فقد تناول أزمة الشباب وصعوبة الزواج في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وهي قضية ما زالت حاضرة بقوة حتى اليوم.
وجاء فيلم “ضد الحكومة” ليؤكد قدرة الطيب على المزج بين الدراما الاجتماعية والنقد السياسي، من خلال قصة محامي انتهازي يتحول تدريجياً إلى مدافع عن الحق والعدالة في مواجهة الفساد.
كما قدم أفلاما مهمة أخرى مثل “كشف المستور” ليقترب من مناطق شائكه تتعلق بالسلطة واستغلال البشر، بينما قدم “ليلة ساخنة” صوره إنسانية مؤثره عن شخصيات تحول النجاة في ليله واحده اهتمامه الدائم بالمهمشين وبالإنسان الذي يحاول النجاة وسط واقع قاسٍ ومتغير.

أفلام أثارت الجدل
لم تكن أفلام عاطف الطيب مجرد أعمال سينمائية ناجحة، بل تحولت في بعض الأحيان إلى قضايا رأي عام بسبب جرأتها في الاقتراب من ملفات سياسية واجتماعية شديدة الحساسية.
يأتي فيلم “البريء” في مقدمة هذه الأعمال، إذ يُعد واحدًا من أكثر الأفلام إثارة للجدل في تاريخ السينما المصرية. الفيلم الذي كتبه الكاتب وحيد حامد وقدّم بطولته أحمد زكي، تناول علاقة المواطن البسيط بمؤسسات السلطة، وكيف يمكن للجهل والتهميش أن يتحولا إلى أدوات تُستخدم ضد الإنسان نفسه. وقد تعرض الفيلم لتدخلات رقابية واسعة، كان أبرزها حذف النهاية الأصلية التي اعتبرها البعض شديدة الجرأة في ذلك الوقت، لتظل هذه النهاية موضوعًا للنقاش بين النقاد والمهتمين بتاريخ السينما المصرية حتى اليوم.
أما فيلم “ناجي العلي”، الذي تناول سيرة رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير، فقد دخل دائرة واسعة من الجدل السياسي قبل عرضه وبعده، فالفيلم لم يكتفِ بتقديم سيرة فنان، بل طرح أسئلة تتعلق بالقضية الفلسطينية وعلاقة المثقف بالسلطة وحدود حرية التعبير، وهو ما أثار اعتراضات وانتقادات من جهات سياسية متعددة آنذاك، ورغم الضغوط التي أحاطت بالعمل، بقي الفيلم واحدًا من أكثر أفلام عاطف الطيب جرأة، وتحول مع مرور الوقت إلى وثيقة سينمائية مهمة تعكس طبيعة الصراعات السياسية والفكرية في تلك المرحلة.
تكشف هذه التجارب جانبًا أساسيًا من مشروع عاطف الطيب الفني؛ فهو لم يكن مخرجًا يبحث عن المناطق الآمنة، بل كان مؤمنًا بأن السينما يجب أن تطرح الأسئلة الصعبة وأن تقترب من القضايا التي تمس المجتمع والإنسان، حتى لو دفعت ثمن ذلك جدلًا أو صدامًا مع المؤسسات الرسمية. ولهذا بقي اسمه مرتبطًا بالسينما الجادة التي لا تكتفي برصد الواقع، بل تسعى إلى مساءلته وكشف تناقضاته.

لماذا لا تزال أفلامه حاضرة؟
تمر ذكرى رحيل عاطف الطيب كل عام، لكن السؤال الأهم ليس متى رحل، بل لماذا لا تزال أفلامه حية حتى الآن؟، والإجابة تكمن في أن مشروعه السينمائي لم يكن مرتبطاً بمرحلة زمنية محددة، بل انشغل بقضايا إنسانية واجتماعية مستمرة، فقد انحاز دائماً للإنسان البسيط، وجعل السينما مرآة للتحولات التي عاشها المجتمع المصري، وقدم أعمالاً ناقشت العدالة والسلطة والطبقة الوسطى والكرامة الإنسانية، وهي قضايا ما زالت مطروحة حتى اليوم.
ورغم رحيله المبكر وهو في قمة نضجه الفني، فإن عاطف الطيب ترك إرثا سينمائيا ضخما خلال سنوات قليلة، ليبقى واحداً من أهم المخرجين الذين لم يصنعوا أفلاما ناجحة فحسب، بل قدموا مشروعا فنيا وإنسانيا لا يزال يلهم أجيالاً جديدة من صناع السينما والجمهور على حد سواء.








