كمال زاخر
كمال زاخر

الكنيسة من الحلم إلى الصدام.. الجذور والمسارات والحلول

[2] إشكالية التعليم الكنسي المعاصر

1 ـ منطلقات التكوين:

من الضروري أن نتوقف لنقترب من التيارات الأربعة التي تشكلت في بدايات حراك الخروج بالكنيسة من نفق طال، والتي تنوعت من التغيير بالعنف المادي، ونموذجه جماعة الأمة القبطية، والذي لم يجد قبولاً على الأرض، سواء في صفوف الأقباط الذين رأوه مخالفاً لم استقر عندهم من قيم نبذ العنف وقيم الإصلاح السلمي بتجديد الفكر بحسب المسيح، أونظام الحكم الذي تنبه إلى مخاطر تمدد هذا الحراك فيشتبك مع سياسة الدولة ويتحول إلى تيار سياسي معارض يتبنى المطالبة بحقوق الأقباط، وهذا يفسره العفو عن رموزه بعد حادثة اختطافهم للبابا البطريرك الأبنا يوساب، وهو إفراج جاء تلبية لطلب البابا نفسه، ثم القبض عليهم مجددًا، فيما بعد، بسبب المذكرة التي تقدموا بها، بطلب من قادة الثورة وقتها، مشاركة في أعمال لجنة إعداد دستور 54 مطالبة تضمين الدستور مواد تؤكد حقوق الأقباط بما يحقق مساواتهم ببقية المصريين، في استشراف مبكر لمفهوم المواطنة، ثم جاء الانقلاب عليهم بعد أزمة مارس وإزاحة اللواء محمد نجيب، وتولي جمال عبد الناصر مقاليد الحكم، وقُدموا للمحاكمة التي أدانتهم وأصدرت بحقهم أحكامًا بالسجن، وفيها قضت بسجن رائدها المحامي ابراهيم فهمي هلال، سبع سنوات قضاها كاملة خلف الأسور، ومعها يصدر قرارًا رئاسيًا بحل الجماعة.

بجوار هذا التوجه كان هناك من اختار الاشتباك الفكري مع الواقع الكنسي، بطرق متعددة بين المقالات النارية التي تنتقد الواقع المتراجع، ونموذجه المتقدم جماعة مدارس الأحد ومجلتهم التي تحمل اسمهم، وبين محاولات التنقيب عن كتابات الكنيسة الأولى وتعريبها من لغاتها الأصلية أو من ترجمات بلغات وسيطة، والبناء عليها، وتعددت الجهات التي تبنت هذا التوجه ما بين الرهبنة والتكريس انتهاءً بالمبعوثين إلى جامعات غربية لاستكمال دراساتهم اللاهوتية العليا، وبين هذه وتلك تشكلت ملامح الخلافات الفكرية بين حلفاء الأمس الذين جمعهم الحلم وفرقتهم الطرق، ليتحول الأمل إلى قلق، وصل في بعضه إلى الاحتراب وربما القطيعة.

دعونا نقرأ الصورة ونحاول أن نرسمها بمعطيات وقتها، فقد كانت  مجموعات “التغيير بالفكر” شباب متقاربون في العمر، يحكم كل تيار تكوينه الفكري والسياسي وقدر اشتباكه مع الشأن العام، تيار مدارس الأحد كان يمتلك حراكاً في الشارع بحكم تواجده وخدمته وسط الناس، وبعضه كان مشتبكاً مع الحياة الحزبية، في محاولة أن يجد له موقعاً على غرار السياسي اللامع مكرم عبيد، وقد اعتبروه أيقونتهم، وتتلمذوا عليه، وانعكس هذا على منهجهم في إدارة معاركهم، سواء على صفحات مجلة مدارس الأحد أو في مراحل مسيرتهم نحو قيادة الكنيسة، بل وأيضا في إدارتهم للكنيسة فيما بعد.

بحكم تعليمهم الجيد، والذي كان سمة عقود نشأتهم وتكوينهم، سواء في المدارس الحكومية أو مدارس الإرساليات، تشكل وعيهم على ما توفر وقتها من كتب أدبية ودينية، كانت الساحة الأدبية تموج بإبداعات متنوعة، بينما كانت الساحة الدينية تئن من الندرة، كان المتاح الكتب التي توفرها مطابع لبنان وبعض من مطابع الجمعيات الأهلية القبطية، وكان أغلبها تحمل مؤلفات كنيسة انطاكية أوكنائس الإرساليات، وانعكس هذا على ما قدمه الرائد حبيب جرجس، الرائد المؤسس لمنظومة مدارس الأحد، ليسد فراغ المكتبة القبطية، وقد سعي بقدر المتاح أن يؤسس لثقافة قبطية معاصرة فكتب عدة كتب عن الأسرار الكنسية وعن تربية النشء وموضوعات روحية مختلفة، نذكر منها:الصخرة الأرثوذكسية،أسرار الكنيسة السبعة المقدسة، عزاء المؤمنين، الكنز الأنفس في ملخص الكتاب والتاريخ المقدس، سر التقوى، المبادئ المسيحية الأرثوذكسية، الوسائل العملية للإصلاحات القبطية.

تيار التكريس كان يؤمن أن التغيير يبدأ فكراً، وأن ما وصلت إليه الكنيسة من جمود كان بسبب الانقطاعات المعرفية المتتالية، جراء هجرة اليونانية إلى القبطية بدوافع قومية، القرن السادس الميلادي، ثم هجرة القبطية قسراً إلى العربية في غضون القرنين العاشر والحادي عشر بضغوط سياسية، وبعدهما وجدت الكنيسة نفسها تصارع من أجل البقاء والحفاظ على ما في حوزتها من مخزون عقيدي وطقسي ولاهوتي، دون تفاعل مع الدراسات والأبحاث اللاهوتية الذي استمر في الكنائس الأخرى، لكونه حقل معرفي حي يتفاعل مع الحياة ومع مستجدات التلاقح الثقافي بين المدارس اللاهوتية كما كان يحدث في قرون ما قبل الإنشقاق، التي شهدت حوارات لاهوتية بين أقطاب الاباء وسجلته رسائلهم المتبادلة، وترجمتها المجامع المسكونية وقتها في مقراراتها وما صدر عنها من وثائق وقوانين.

نفر من هذا التيار اختار الرهبنة مناخًا ومكانًا يعكفون فيه على التنقيب عن التراث الآبائي وتعريبه وتحقيقه، ونفر أخر رأى أن رسالة التكريس تكون بين الناس، فأسسوا بيت التكريس بحلوان، ومن خلاله سعوا هم أيضاً للتواصل مع الزخم اللاهوتي في الكنيسة الأولى، سواء في لغاته اليونانية والقبطية، أو فيما توفر منه في ترجمات للغات حية وسيطة، ولأسباب عديدة انتقل بيت النكريس من حلوان إلى حدائق القبة ثم يتطور ليصبح مؤسسة ثقافية تحمل اسم مؤسسة القديس انطونيوس للدراسات الآبائية، وتعرف في الأوساط القبطية بإسم مركز دراسات الآباء.

فيما اشتبك نفر ثالث ـ ممن اختاروا الرهبنة ـ مع الحياة الكنسية خارج أسوار الأديرة، عن ايمان بأن التغيير يأتي من منظومتها الهيراركية الإكليروسية، فطرقوا أبواب الترشح للكرسي البابوي بعد نياحة (رحيل) البابا يوساب الثاني، كان أبرزهم الأب الراهب أنطونيوس السرياني والأب الراهب متى المسكين، الأمر الذي استنفر مطارنة الكنيسة والقيادة السياسية للدولة وكانت وقتها ضباط ثورة يوليو، كان المطارنة يخشون الرؤي التي يحملها هؤلاء بحكم الاختلاف الجيلي، فيما كان توجس ضباط يوليو من احتمال اشتباك هؤلاء الشباب مع المشهد السياسي وما يترتب عليه من تداعيات مقلقة، فكان أن اجتمعت الأراء على تعديل لائحة انتخاب البابا البطريرك فتأتي اللائحة الجديدة (1957) بشرطين حالا دون قبولهم كمرشحين؛ ألا يقل سن المترشح عن اربعين سنة وألا تقل مدة رهبنته عن خمسة عشر عاماً. لكنهم يواصلون مسعاهم فيما بعد عندما تحقق فيهم هذان الشرطين.

تجري في نهري الكنيسة والوطن مياه كثيرة، لتجد القيادات الكنسية وقد عبروا مرحلة الشباب والحلم، في مواجهة واقع يتجاوز الحلم، وتحديات عنيفة جراء التحولات التي طالت توجهات الدولة والتي اعادت احياء نسق الاسلام السياسي بتحالفات جديدة وسياسات تتصادم مع ما استقر في الوجدان المصري ويتقاطع مع التعايش والقبول المتبادل، الأمر الذى حمل الكنيسة أدواراً سياسية ليست لها، تلامس هذا مع الخبرات السياسية عند القيادة الكنسية، والتي أضافت إلى اعبائها الرعوية عبء الاشتباك مع السياسة، ووجد هذا قبولاً عند الأقباط بفعل تصاعد نفوذ تيارات الإسلام السياسي، بل ووجد توافقاً مع اجهزة الدولة وبخاصة مؤسسة الرئاسة، التي بحسب الدكتور ميلاد حنا المفكر المصري استراحت أن تختزل الأقباط في الكنيسة وتختزل الكنيسة في شخص البابا، في اعلان مبكر لانتقاص مواطنة الأقباط، ولكنه توافق لم يدم إذ تحول إلى نفور وصل إلى ذروته بقرار رئاسي بعزل البابا وتحديد اقامته بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون.

استطاع البابا شنودة أن يكتسب شعبية جارفة عبر تواصله المباشر مع الأقباط من خلال اجتماعه الأسبوعي الذي أسسه وهو بعد اسقف، ومن خلال الإصدار الثاني لمجلة الكرازة، وكانا منبران يحملان رؤية البابا ومن ثم الكنيسة في الأحداث الجارية، وربما ساهما بهذا في تعميق حالة النفور بين السادات وبينه، إذ صاراتا نافذة البابا في التواصل مع الناس ونجح في توظيفهما في تعميق شعبيته على المستويين الديني والسياسي، بما تحمله من رسائل قوية للشارع والدولة، وكانت أجهزة الدولة تترقب ما يأتي فيهما وتحليله لقياس تعاظم نفوذه السياسي، والذي يشكل تحدياً للرئيس وهو ما عبر عنه السادات بغضب في خطاب الأزمة 5 سبتمبر 1981.

2ـ  في إشكالية التعليم

في مجال التعليم يظهر جلياً تأثير مدخلات التكوين الفكري عند الرموز المؤثرة، والتي تخرج بالخلاف بين المدرستين من كونه خلافاً شخصياً، وإن تعمق فيما بعد بشكل مشخصن، ربما بفعل طبيعة العلاقة بين السلطة والمثقف، فضلاً عن التكوين النفسي للرهب ـ أياً كان موقعه ـ والذي يجعله صعب المراس معتداً برأيه.

وفي مقال عن الأب متى المسكين للدكتور صموئيل روبنسون،استاذ التاريخ بجامعة لوند بالسويد، ترجمة د. جرجس كامل يوسف، اقترب في بعض فقراته من هذه الأزمة، في تناول محايد مجرد، استأذن القارئ في نقلها هنا دون تدخل:

لم يكُن الأبُ متى عالم لاهوت نظامي مُدرَّبًا أكاديميًا، بل كاتبًا روحانيًا مُتعمِّقًا في قراءة الأدبيات اللاهوتية، سواءً القديمة منها أو الحديثة. تُغطي كتبه ومقالاته شتى المواضيع والأنواع الأدبية، من تفاسير الكتاب المقدس والرسائل اللاهوتية إلى الدراسات التاريخية والقضايا المعاصرة المتعلقة بسياسة الكنيسة والمجتمع.

وهو مُدافع قوي عن إصلاحٍ جذري، انطلاقًا من قراءةٍ جديدةٍ للأدبيات القديمة، مُنسجمةً مع التوجه الجديد الذي كان سائدًا في اللاهوت الأرثوذكسي اليوناني والروسي.

أبدى البابا شنودة رد فعل قوي عندما عارضه الأب متى بالدفاع عن الرئيس أنور السادات فيما يتعلق بزيارة الأخير إلى اورشليم القدس عام 1977، وعندما خالف متى القانون الكنسي باستقباله راهبًا قبطيًا كاثوليكيًا في الدير في أواخر سبعينيات القرن الماضي. وتدهورت علاقتهما أكثر عندما أبدى الأب متى دعمه الصريح للأستاذ جورج بباوي، وهو عالم لاهوت قبطي قدير وشهير، عندما انتقد اللاهوت القبطي التقليدي، بما في ذلك التوجيهات اللاهوتية التي كان يقدمها البطريرك، استنادًا إلى آباء الكنيسة واللاهوت الأرثوذكسي المعاصر

وقد سطع نجم جورج حبيب بيباوي في أواخر سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين كأهم لاهوتي في الكنيسة القبطية على الصعيد الدولي. ويُعدّ كتابه “القديس أثناسيوس الرسولي في مواجهته التراث غير الأرثوذكسي” (القاهرة، 1985) أهم أعماله في مجال علم الخلاص، حيث يُحلّل فيه نقدًا كيف استولى اللاهوت القبطي المعاصر على علم الخلاص عند أنسلم في صورته البروتستانتية.

وعندما حاول الرئيس السادات عزل البابا شنودة الثالث في أغسطس/آب 1981، وأرسله إلى دير تحت الإقامة الجبرية، تصاعد الصراع. إن علاقات الأب متى الطيبة مع الرئيس، وموقفه النقدي من سلوك البطريرك السياسي، وقرب العديد من الأساقفة الذين تولوا المنصب مؤقتًا خلال غياب البطريرك منه، كل ذلك أدى إلى استبعاده تمامًا من نظر البطريركوعندما قام البطريرك بعد سنوات بحرمان البروفيسور بباوي من الكنيسة بتهمة الهرطقة، بل ونجح أيضًا في نفيه، اتخذ الصراع طابعًا لاهوتيًا أكثر وضوحًا، حيث لعب مساعد البطريرك المقرب، أسقف دمياط بيشوي، الأمين العام للمجمع المقدس، دورًا حاسمًا.

نال الاحترام لامتناعه عن الجدال المباشر مع البطريرك أو الأسقف بيشوي، وكذلك لامتناعه عن الدفاع عن نفسه ضد اتهامات الهرطقة، على الرغم من أن هذه الاتهامات أصبحت تدريجيًا أكثر حدة.

يستعين الأب متى بنصوص من الكنيسة الأولى ومن اللاهوت الأرثوذكسي والغربي الحديث. وما يضفي على كتاباته ثقلها ليس بالضرورة أصالةً أو إبداعًا لاهوتيًا، بل رسوخها الواضح في تجربته الروحية الخاصة بالحياة الرهبانية والليتورجية، من جهة، وجرأة لغته، من جهة أخرى.

وقد حظيت بعض كتابات الأب متى المسكونية باهتمام كبير، ولا سيما كتيبيه حول الوحدة المسيحية، حيث ينتقد الحركة المسكونية الرسمية بحواراتها الكثيرة، ويدعو إلى وحدة مسيحية أعمق تقوم على وحدة الخليقة والمصالحة. يُقدّم الأب متى شرحًا للرؤية الأساسية للكنيسة التي تكمن وراء هذه الكتابات في أهم أعماله في علم الكنيسة، “الكنيسة الخالدة”، الذي نُشر لأول مرة عام ١٩٦٠ وأُعيد طبعه مرات عديدة منذ ذلك الحين.

فقد دار النقاش الأكبر حول تدخلاته في القضايا الاجتماعية ورؤيته لدور الكنيسة في المجتمع والسياسة. وانتقد بشدة طموحات الكنيسة القبطية في لعب دور سياسي، ورغبة قادتها في أن يكونوا المتحدثين باسم المسيحيين في العالم، وسعيهم لتحقيق أهداف دنيوية. كما انتقد إنشاء المؤسسات الاجتماعية الكنسية بمختلف أنواعها. ووفقًا للأب متى، فإن الكنيسة حقيقة روحية، ومهمتها ذات طبيعة روحية. وتعكس الرعاية الاجتماعية الكنسية تحديدًا ذلك التمييز بين الغني والفقير، وبين المتعلم وغير المتعلم، وبين السليم والمريض، الذي ألغاه المسيح. إنّ الصدقة عملٌ دقيق وخطير روحياً على كلٍّ من المُعطي والمُتلقي. يجب على المسيحي، بوصفه فرداً في المجتمع، أن يبذل قصارى جهده للعمل في ظلّ الظروف السياسية والعلمانية غير الكاملة التي يعيش فيها؛ ولكن في الكنيسة، لا مكان للفصل بين الناس، وبالتالي لا شيء يُظهر للفقير فقره.

أشد الانتقادات الموجهة للأب متى تتعلق بالكتاب المقدس، فقد تعلم وطبق التفسير التاريخي النقدي الحديث، مقترنًا بالتأويل الإسكندري التقليدي، لكن البابا شنودة وغيره من قادة الكنيسة زعموا أن السبيل لمواجهة الاتهامات الإسلامية بأن النص المقدس للمسيحيين مزيف وغير موثوق ومتناقض، هو اعتبار الكتاب المقدس معيارًا بسيطًا وواضحًا ومطلقًا. وجادلوا بأن تشجيع الالتزام الصارم بالكتاب المقدس هو السبيل الوحيد أمام الأقلية المسيحية للصمود في وجه الإسلام والعلمانية الغربية. ولهذا السبب، ينكشف النقد الشديد الموجه للأب متى لعدم التزامه بالكتاب المقدس في الحوارات المسكونية التي شاركت فيها الكنيسة القبطية في العقود الأخيرة.

أما النقطة الثانية التي وُجهت للأب متى انتقادات لاذعة فتتعلق بنظرته إلى الأنثروبولوجيا وعقيدة التأليه، يتضح هنا أنه بينما يتبع الأب متى (كحال الكثير من اللاهوت الأرثوذكسي الحديث) إلى حد كبير التعاليم السائدة في عظات أشباه المقاريين، إلا أنه يتعرض لنفس نوع النقد الذي تعرض له أتباع المساليين في الكنيسة الأولى. فقد شكك شنودة بشدة في التركيز الشديد على مشاركة الإنسان في الطبيعة الإلهية، وعلى سكنى الروح القدس فيه، وعلى الكفارة باعتبارها تحريرًا جذريًا من سلطان الشر، إذ يتميز لاهوته بعقيدة غربية كلاسيكية للكفارة تُشدد على السقوط، والشعور بالذنب، والمغفرة، والنعمة.

في تقديري أن أزمة التعليم الكنسي الأن تتجاوز الخلاف بين القطبين الكبيرين، ويتحمل مسئولية الأزمة الجيل التالي ـ من الأساقفة والرهبان ـوالذي لم تعد القضايا التعليمية اللاهوتية وكذلك ماهية الدورين السياسي والاجتماعي للكنيسة، من أولوياتهم، خاصة وأنهم يفتقرون لإمكانات طرفي الخلاف وما كانا يتمتعان به من كاريزما كل في دائرته. وأنا هنا لا اشير إلى مستثمري الخلاف ولجانهم الالكترونية.

أزمة الكنيسة ليست فقط في غياب هذه القضايا عند مدبريها بل بالأكثر في انهم تحولوا إلى التوسع العمراني بشكل يتجاوز الاحتياجات الحقيقية للكنيسة، وبشكل يعكس تطلعات المنافسة بينهم، وتراجع التعليم اللاهوتي الآبائي لحساب التعليم الغيبي المروج للمعجزات غير المحققة، وغياب التلمذة من الأديرة وربما من منظومة التعليم بجملتها، وانعكاس هذا على مستوى من يتم اختياره من الرهبان للخدمة النظامية بالكنيسة ولعل هذا يقدم لنا تفسيراً لأنين الرعية في الداخل والخارج، وتحول الكنيسة من التكامل بين مكوناتها إلى انفراد الإكليروس بتدبيرها.