خبراء إعلام: الذكاء الاصطناعي يختصر الوقت لكنه يهدد المصداقية

نعمة عطا
في لقاء رسمي بمقر مشيخة الأزهر الشريف، أكد فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وأمينة محمد، نائب الأمين العام للأمم المتحدة، أهمية الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في إطار منظومة أخلاقية تضمن حفظ كرامة الإنسان، وذلك بالتزامن مع إطلاق مبادرة الأمم المتحدة للذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة من جامعة الأزهر.
ملامح اللقاء ورؤية الأزهر
استقبل فضيلة الإمام الأكبر، أمينة محمد والوفد المرافق لها، مؤكدًا أن الأزهر، الذي يمتد تاريخه لأكثر من 1080 عامًا، ظل على الدوام حارسًا للقيم الدينية والأخلاق الإنسانية، وهو الأقدر على قيادة حوار عالمي يجمع بين التطور التكنولوجي والمنظومة الأخلاقية.
وأوضح شيخ الأزهر أن الحديث عن القيم الإنسانية الخالدة هو في جوهره حديث عن القيم الدينية التي جاءت بها الرسالات السماوية، مؤكدًا أن أي تقدم علمي يفقد قيمته إذا انفصل عن هذه المبادئ، قائلاً:” حينما نتحدث عن القيم الإنسانية الخالدة، فإننا نتحدث في الحقيقة عن القيم الدينية التي جاءت بها الرسالات السماوية، ولا يمكن لأي تقدم علمي أن يكون نعمة على البشرية إذا انفصل عن هذه القيم”.
وحذر فضيلته من الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن ذلك بدأ ينعكس بصورة سلبية على التفكير والإبداع، كما أصبح وسيلة للتحايل على القيم وسرقة جهود الآخرين، موضحًا:” أخشى أن يقودنا الاستخدام المتسارع للذكاء الاصطناعي – إذا تم بلا ضوابط أخلاقية – إلى إفراغ العقول من وظيفتها في التفكير والإبداع”.

شيخ الأزهر يحذر من هيمنة التكنولوجيا على مستقبل الشعوب
وتساءل فضيلة الإمام الأكبر عن مستقبل البشرية إذا أصبحت هذه التكنولوجيا في يد قلة محدودة تتحكم في مصير الشعوب واتجاهات التنمية.
وأكد أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل العالم لم يعد يتعلق بمدى تطور التكنولوجيا، وإنما بمن يضع الضوابط الحاكمة لهذا التطور، وعلى أي منظومة من القيم والأخلاق سيقوم، معلنًا استعداد الأزهر للانضمام إلى أي جهد دولي مشترك يهدف إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان، وليس للسيطرة عليه.

الأمم المتحدة: الإنسان وكرامته في قلب حوكمة الذكاء الاصطناعي
من جانبها، أعربت أمينة محمد عن سعادتها بلقاء فضيلة الإمام الأكبر، مؤكدة تقديرها للدور الذي يقوم به في تعزيز قيم الأخوة الإنسانية والتعايش والسلام العالمي، قائلة:”سعدت بلقاء فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وأعرب عن تقديري لدور فضيلته في تعزيز قيم الأخوة والتعايش والسلام العالمي”.
وأوضحت أن الأمم المتحدة بدأت خلال السنوات الماضية مناقشات موسعة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، ترتكز على جعل الإنسان وكرامته والقيم الأخلاقية محورًا رئيسيًا لهذه التكنولوجيا، مؤكدة أن هذه الحوارات تنطلق رسميًا من الأزهر الشريف، قبل أن تمتد إلى مؤسسات دينية وثقافية كبرى حول العالم.
كما أشادت بقرار فضيلة الإمام الأكبر افتتاح كليتي الذكاء الاصطناعي بجامعة الأزهر، معتبرة أنهما يمثلان نموذجًا يجمع بين التقدم العلمي والتأصيل الأخلاقي، ويؤهل أجيالا قادرة على توجيه التكنولوجيا لخدمة الإنسانية.

جامعة الأزهر: الجمع بين الأصالة والمعاصرة
أكد المركز الإعلامي لجامعة الأزهر أن استضافة الجامعة لإطلاق مبادرة الأمم المتحدة تأتي في إطار دورها الريادي في الربط بين الأصالة والمعاصرة، وقيادة النقاش العالمي حول حوكمة التقنيات الحديثة.
وأوضح أن الجامعة تستهدف، من خلال كليتي الذكاء الاصطناعي، إعداد كوادر تمتلك التأهيل العلمي والأخلاقي معًا، بما يمكنها من التعامل مع تحديات الثورة الرقمية دون المساس بالهوية أو القيم المجتمعية.
وشدد المركز على أن التحول الرقمي الحقيقي لا يكتمل إلا بوجود وعي أخلاقي يمنع تحول التكنولوجيا إلى وسيلة للسيطرة أو لتزييف الوعي.

الذكاء الاصطناعي بين 2015 و2025.. عقد غير المشهد بالكامل
شهد الذكاء الاصطناعي خلال السنوات العشر الماضية تحولًا جذريًا، بعدما انتقل من مرحلة الاستخدام البحثي المحدود إلى مرحلة الانتشار الجماهيري الواسع.
ويتمثل أول أوجه الاختلاف في مدى الانتشار، ففي عام 2015 كان استخدام الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على الشركات التقنية الكبرى ومراكز الأبحاث، خاصة في مجالات تحليل البيانات والصور الطبية، بينما أصبح في عام 2025 متاحًا للجميع عبر الهواتف الذكية، من خلال روبوتات الدردشة، وأدوات توليد الصور، والمساعدات الذكية، فضلا عن استخدامه في كتابة المقالات، وتلخيص الكتب، وتصميم الشعارات، وحتى حل الواجبات الدراسية.
أما الاختلاف الثاني فيتعلق بحجم المخاطر، حيث كانت المخاوف قبل عشر سنوات تتركز حول استبدال بعض الوظائف البشرية بالروبوتات، بينما أصبحت اليوم تتعلق بقضايا أخلاقية ووجودية، وهو ما أشار إليه شيخ الأزهر حين أكد أن الاستخدام غير المنضبط قد يؤدي إلى انهيار القيم، وإفراغ العقول من التفكير والإبداع، وتركيز السلطة في يد قلة تتحكم في مصير الشعوب.
ويتمثل الفارق الثالث في طبيعة النقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي، ففي عام 2015 انحصر الحوار في الجوانب التقنية المتعلقة بسرعة المعالجات ودقة الخوارزميات، بينما تحول في عام 2025 إلى نقاش أخلاقي وسياسي عالمي، وهو ما تجسد في إطلاق الأمم المتحدة لمبادرة “حوكمة الذكاء الاصطناعي” من الأزهر الشريف.

خبراء إعلام: الذكاء الاصطناعي يختصر الوقت لكنه يهدد المصداقية
وفي الإطار الأكاديمي، أكدت الدكتورة سعاد بدير، الأستاذ المساعد بقسم الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام جامعة الأزهر فرع البنات، أن من أبرز مزايا الذكاء الاصطناعي سرعة توليد النصوص والأفكار خلال ثوان، وتسهيل المهام التحريرية والفنية، ودعم غرف الأخبار الصغيرة عبر توفير الوقت والجهد.
وفي المقابل، حذرت “سعاد” من مخاطره، والمتمثلة في تهديد الوظائف البشرية، وتراجع المصداقية نتيجة إنتاج معلومات وأخبار كاذبة، وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، إلى جانب القدرة على خداع الجمهور عبر تقنيات التزييف العميق “Deep Fake”، مؤكدة ضرورة رفع مستوى المعرفة والوعي الرقمي لدى الجمهور حتى يتمكن من التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المزيف.
من جانبها، شددت الدكتورة نداء صابر، الأستاذ المساعد بقسم الصحافة والنشر بكلية الإعلام بنات جامعة الأزهر، على أن:” التكنولوجيا يجب أن تظل أداة مساعدة للصحفي، لا بديلا عنه، لأن الحس المهني، والالتزام الأخلاقي، والقدرة على التحقق، صفات بشرية لا تستطيع الآلة امتلاكها”.
كما حذر الدكتور سامح البدري، أستاذ العلاقات العامة والإعلان بجامعة الأزهر فرع البنين، من الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في إعداد الأبحاث، موضحًا أن المعلومات والإحصاءات التي يقدمها ليست دقيقة بنسبة 100%، وأن النصوص الناتجة عنه غالبًا ما تكون متشابهة ومنمقة بصورة يسهل اكتشافها، مشبهًا الاعتماد الكامل عليه بنظام “البابل شيت” الذي يلغي دور الطالب في التفكير والتحليل.
أبرز المزايا المتوقعة للحوكمة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي
يرى الأزهر والأمم المتحدة أن وضع إطار أخلاقي واضح للذكاء الاصطناعي يمكن أن يحقق مجموعة من المكاسب المهمة، أبرزها حفظ كرامة الإنسان، من خلال جعل التكنولوجيا في خدمة البشر لا وسيلة للهيمنة عليهم، وتعزيز العدالة وتقليص الفجوة بين المجتمعات عبر الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا بما يسهم في رفاهية الشعوب، وحماية الإبداع والتفكير الإنساني، ومنع الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي بما يؤدي إلى تعطيل القدرات العقلية، وربط التقدم العلمي بالقيم الأخلاقية، لضمان أن يكون التطور العلمي نعمة للبشرية لا مصدرًا للخطر.

هل يمثل اللقاء سابقة عالمية؟
لا تعد مناقشة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي فكرة جديدة على المستوى الدولي، إذ بدأت الأمم المتحدة بالفعل منذ سنوات في فتح هذا الملف.
إلا أن الجديد في لقاء الأزهر يتمثل في انطلاق الحوار الرسمي من مؤسسة دينية عريقة تمتلك إرثًا طويلا في ترسيخ القيم والمبادئ، بما يضيف البعد الديني والأخلاقي إلى جانب البعد التقني.
وفي السابق، كان هذا الملف يناقش في إطار خبراء التكنولوجيا وصناع القرار السياسي فقط، بينما يمثل إطلاق المبادرة من الأزهر نموذجًا جديدًا يجمع بين العلم والقيم في إدارة مستقبل الذكاء الاصطناعي.
هل تمثل المبادرة إضافة حقيقية للعالم؟
استنادًا إلى المعطيات المطروحة، يمكن اعتبار المبادرة خطوة مهمة نحو بناء منظومة عالمية أكثر مسؤولية في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، إلا أن نجاحها يظل مرتبطًا بثلاثة شروط أساسية، هي: وجود إرادة دولية حقيقية للالتزام، ووضع آليات ملزمة لتطبيق مبادئ الحوكمة، وألا تتحول الأخلاق إلى مجرد شعارات نظرية.
فمن ناحية، تضع المبادرة الإنسان وكرامته في قلب النقاش العالمي، وهو ما يمثل مكسبًا مهمًا، ومن ناحية أخرى فإن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي خلال العقد الأخير سبق قدرة التشريعات والقوانين على مواكبته، وهو ما يجعل مهمة المؤسسات الدولية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
وعليه، فإن القيمة الحقيقية للمبادرة ستتحدد بمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل المبادئ الأخلاقية إلى تشريعات وسياسات عملية، وبمدى تأثير المؤسسات الدينية والثقافية في توجيه صناع القرار نحو استخدام التكنولوجيا لخدمة الإنسان وصون كرامته.





