محمد حسنين
محمد حسنين

السيكودراما بين المسرح والعلاج الإكلنيكي وأشياء أخرى

بدأت الحكاية في النمسا تحديدًا “ڤيينا” في أوائل عشرينات القرن الماضي علي خشبة مسرح “العفوية”،حين لاحظ الطبيب والمخرج المسرحي “چاكوب ليڤي مرينو”، أن بطلة فرقته والتي كانت تؤدي الأدوار الرومانسية الوديعة في أغلب العروض، تواجه خلافًا حادًا مع زوجها، كونها زوجة شرسة وحادة الطباع، هنا خطرت على رأس “مورينو” الذي كان يداوم حضور محاضرات الطبيب وعالم النفس الشهير “سيجموند فرويد”، أن يجعل بطلة فرقته تؤدي دور الزوجة الشرسة على المسرح تمامًا كما تفعل في حياتها اليومية، فكانت حين تعود إلى المنزل وتبدأ الشجار مع زوجها تتوقف فجأة أمام ما تفعله، وتبدأ في الضحك لتصل إلى نمط سلوكي جديد أنقذ حياتها الزوجية من الانهيار.

طور “مورينو” تجاربه على مدار عدة سنوات، إلى أن أسس”الجمعية الأمريكية للعلاج الجماعي والسيكودراما” عام ١٩٤٢، هذا يُعني أن السيكودراما وُلدت من رحم المسرح، لكنها لم تبقَ فيه، المسرح كان المختبر، والتمثيل كان الأداة، لكن الهدف تحول من الإبداع الجمالي إلى المنحي العلاجي، ولكن متى يتوقف المسرح ويبدأ العلاج؟.

هنا تكمن الإشكالية المركزية، في المسرح الممثل يُجسد شخصيةً أخرى ليُقنع الجمهور بما يقدمه، أما في السيكودراما “البطل” (صاحب المشكلة) يُجسد ذاته -أو أجزاءً من ذاته – ليُقنع نفسه، والجمهور هنا ليس جمهورًا بل مجموعة علاجية، والمخرج ليس مخرجًا بل معالج نفسي يحمل مسؤولية إكلينيكية.

  ففي المسرح، يقف الممثل على حافة خشبةٍ تفصلُ بينه وبين الجمهور، ويرتديُ قناعًا لا ينتمي إليه، يُحاكي به حياةً لم يعشها، ويُعيدُ تمثيلها مرارًا حتى تُصبح مَسرَةً للعين والأذن، فالهدفُ هناكَ جمالي أولاً، ومعرفي ثانيًا، والنصُّ مُعدٌّ مسبقًا أما في السيكودراما، فلا خشبةَ تفصلُ، ولا جمهورًا يشاهد، بل يقفُ “البطل” في قلبِ دائرةٍ حميميةٍ، يُجسّدُ ذاتَه لا غيرَها، يُعيدُ ولادةَ لحظةٍ من لحظاتِه المُحتَجَزة في ذاكرته، دون أن يكونَ هناكَ نصٌّ مكتوبٌ يُمهّدُ له الطريق؛ فالدراماُ هنا تتولَّدُ من صدمةٍ حيةٍ، ومن جرحٍ لم يُداوَ بعد، وليسَ ثمّةَ معالجٌ يُلقيَ خطابًا، بل مُيسِّرٌ يحملُ على كتفيهِ مسؤوليةَ  ثقيلةً، وجماعةٌ علاجيةٌ  تتنفّسُ معه وتُصبحُ شهودًا على انفجارِ الذاتِ لا على أداءِها، وإن كان التمثيلُ في المسرحِ يأتي من تكرارٌ مطلوبٌ، يُصقلُ بالمرانِ حتى يبلغَ الكمالَ فالتكرار في السيكودراما خيانةٌ، فكلُّ جلسةٍ وليدةٌ لحظة لا تُكرَّر، وكلُّ لحظةٍ فريدةٌ كما فريدٌ هو الإنسانُ الذي يعيشُها.

وإن كان “أوجستو بوال” استخدم التمثيل كأداة للتحرر السياسي والاجتماعي لصالح المهمشين والمضطهدين، فالفارق بين “المعالَج” و”المضطهد” يضيق هنا حتى يكاد ينعدم.

لو نظرنا إلى السيكودراما بنظرة الطبيب الذي يفحص المريض، ويكتب له وصفةً، لوجدناها تتمردُ على المنطق الطبي بأسره؛ فالطبُّ -في أصله- علمٌ يتعامل مع الجسد كخريطةٍ يُمكن قراءتُها من الخارج، والطبيبُ هناك سلطةٌ تملكُ مفتاحَ الشفاء، يُشخّصُ ويُسمّي ويقرر بينما يبقى المريضُ جسداً خاملاً يتلقّى العلاج، أما السيكودراما، فهي -في جوهرها- تمردٌ على هذه السلطة؛ إذ لا يجلسُ الإنسانُ على الأريكة ليُحلَّلَ كَلغزٍ، ولا يتلقّى وصفةً من يدِ مُعالجٍ يدّعي امتلاكَ الحقيقة، بل يقفُ في قلبِ الفضاءِ بنفسِه، يُعيدُ اختلاقَ حكايتِه بأصابعِه هو، يُخرجُ من أحشائِه ما لم يكن يعلمُ أنه يحملُه. المعالجُ هنا ليس طبيباً يملكُ الدواء، بل مُيسِّرٌ يحملُ مرآةً لا يظهرُ فيها سوى وجهِ المعالَج، ومجموعةٌ علاجيةٌ تُصبحُ كالأرحامِ التي تلدُ معًا.

الشفاءُ في السيكودراما لا يأتي من  نتائج الاختبارات والمقاييس، ولا من وصفةٍ مكتوبةٍ بخطِ يدٍ غيرِ يدِك، بل ينبثقُ من لحظةِ العفويةِ تلك التي تُعيدُ للإنسانِ إحساسَه بأنه صانعُ حياتِه لا ضحيَّتُها؛ فهي ليست منهجًا طبيًا يُطبّقُ على الجسدِ والنفسِ من الخارج، بل أداةٌ وجوديةٌ يمسكُ بها الإنسانُ بيدِه ليُعيدَ تجميعَ شتاتِ ذاتِه، وليُثبتَ -في لحظةِ التمثيلِ تلك- أنه لا يحتاجُ من يشفيَه، بقدرِ حاجتِه إلى من يُذكّرَه بأن الشفاءَ كانَ دائماً في داخله، ينتظرُ أن يُخرجَه بنفسِه.

وستظل كلمات “مورينو” التي ألقاها في وجه “فرويد”هي المغزي الرئيسي لمفهوم العلاج بالسيكودراما حين قال له “أنت تحلل أحلام الناس وأنا أعطيهم الدافع ليحلموا من جديد… أنت تحللهم لأجزاء وقطع، وأنا أساعدهم ليقوموا بإعادة هذه الأجزاء مع بعضها البعض”.