مقالات

الوحدة داخل الواقع الممتد.. حين يضيق العالم ويتّسع المسرح

محمد حسنين

المؤلف والمخرج المسرحي وممارس العلاج بالدراما

ربما لم يكن العالم يومًا واسعًا إلى هذا الحد، ومتاحًا إلى هذا الحد، ومع ذلك لماذا نشعر أحيانًا أننا وحيدون إلى هذه الدرجة؟، ربما لأن اتساع العالم لا يعني بالضرورة اتساع حياتنا. نحن نهرب إلى الواقع الممتد، إلى عوالم مصنوعة بعناية، نختار فيها وجوهًا ليست وجوهنا، وأسماء ليست أسماءنا، وحكايات لم نعشها، لنعيد تشكيل أنفسنا كما نريد أن يرانا الآخرون، نضع صورة أجمل، صوتًا أكثر ثقة، حياة تبدو أكثر امتلاءً، ثم ننتظر أن يصدق الآخرون هذه النسخة… وربما نصدقها نحن أيضًا.

فقد يصبح الإنسان، من فرط محاولته أن يصنع صورة عن نفسه، غريبًا عن الشخص الذي يقف خلفها، يملك آلاف المتابعين، لكنه لا يجد شخصًا واحدًا يلاحظ ارتجافة يده، يعرف مئات الوجوه، لكنه لا يجد وجهًا يعرف صمته. يمكنه أن يتحدث إلى العالم كله، لكنه قد لا يجد أحدًا يسمع الجملة التي لم يستطع قولها.

وحين أصبح العالم شاشة كبيرة إلى الدرجة التي جعلتها تبتلعنا ببطء وتعيد تشكيل هويتنا، يأتي دور الفن بشكل عام والمسرح بشكل خاص، فحين تجلس في المسرح وتنطفئ الأنوار ويبدأ العرض، يصبح كل من يجلس حولك جزءًا منك، حتى لو لم تعرف أسماءهم. يضحكون معك، يبكون معك، يندهشون معك، وفي اللحظة نفسها يصبح الغرباء الذين يجلسون بجوارك جزءًا من تجربتك، حتى لو لم تتبادل معهم كلمة واحدة.

هذا النوع من الحضور لا يمكن نسخه أو محاكاته أو برمجته، لأنه ببساطة حضور حقيقي. فالإنسان لا يحتاج، في الحقيقة، إلى عالم أكبر، بل يحتاج إلى عالم يمكن أن يلمسه، إلى مكان لا يحتاج فيه إلى تحسين صورته قبل أن يدخل، إلى مساحة يستطيع فيها أن يتنفس دون أن يسأل نفسه كم شخصًا سيرى ذلك، وكم شخصًا سيعجب به، وكم تفاعلًا سيحصل عليه.

يحتاج إلى لحظة لا يُقاس فيها وجوده بالأرقام، بل بالحضور، وإن كان الواقع الممتد يمنحنا مساحات هائلة للهروب، فهو لا يضمن لنا مكانًا نعود إليه. وربما لهذا يمكن أن تكون جلسة سيكودراما، أو ورشة مسرح، أو لوحة مرسومة على طاولة صغيرة، أو لعبة بسيطة بين أطفال يضحكون، أكثر إنسانية من ساعات طويلة نقضيها أمام عالم كامل مصنوع من الضوء. لأن الوحدة، في النهاية، ليست أن تكون بلا ناس… الوحدة أن تكون بلا علاقة، بلا شاهد، بلا حضور، بلا شخص واحد يقول لك .. أنا أراك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى