الدكتور أيمن زهري لـ”ليبرالي”: ما حدث في “سبتة” هجرة غير نظامية قد تحمل أبعادًا سياسية

دوافع كثير من المهاجرين تعود إلى شائعة حول أن من يصلون إلى إسبانيا عن طريق البحر لا يتم ترحيلهم

كل من يتقدم بطلب لجوء أو يطلب حماية دولية لا يجوز ترحيله

هذه التطورات قد تدفع الاتحاد الأوروبي لإعادة تقييم بعض آليات إدارة الحدود والهجرة

اعتبر بيدرو سانشيزسانشيز وزراء إسبانيا عبور عشرات الآلاف إلى جيب مدينة سبتة “الإسباني”، انتهاكًا واضحًا لسيادة وسلامة الأراضي الإسبانية. وأشارت تقديرات محلية إلى أن نحو 60 ألف شخص عبروا إلى جيب المدينة الواقعة في الشمال الإفريقي، عن وضع عوامات على حاجز الأمواج لتحديد الحدود البحرية مع المغرب بصريًا، وعلى الرغم من أن الأزمة متكررة، فإن ما شهدته “سبتة” خلال الأيام والساعات الماضيةواحدة من أكبر موجات الهجرة غير النظامية نحو الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، في مشهد أعاد إلى الواجهة الجدل حول أمن الحدود الأوروبية ومستقبل سياسات الهجرة.

وفي الوقت الذي تعلو فيه أصوات الرافضين لهذه الظاهرة، واعتبار ما حدث تطورًا غير مسبوق يهدد استقرار الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. يرى البعض أن ما جرى بمثابة عودة للسكان الأصليين إلى مدينة تطالب المغرب بحق السيادة عليها

حول هذا الجدل المستمر وتكرار ظاهرة محاولات العبور إلى المدينة التي تعد جزءً من إسبانيا، وبالتالي جزءًا من الاتحاد الأوربي، يوضح الدكتور أيمن زهرى خبير السكان ودراسات الهجرة، في حواره إلى “ليبرالي”، حقيقة ما جرى، والخلفية التاريخية والقانونية لمدينة سبتة، وأسباب التدفق الكبير للمهاجرين، وإمكانية ترحيلهم، ومدى صحة الحديث عن تداعيات على اتفاقية شنجن، فضلاً عن الأبعاد السياسية التي قد تكون وراء هذا المشهد.

بداية.. كيف تصف ما حدث في “سبتة”؟

ما حدث لا يمكن وصفه بأنه “عودة للسكان الأصليين” كما روج البعض، وإنما هو موجة هجرة غير نظامية انطلقت من المغرب أو عبر الأراضي المغربية باتجاه أوروبا. ومن الناحية القانونية، فإن الأشخاص الذين دخلوا بهذه الطريقة لا يعدون عائدين إلى أراضيهم، بل مهاجرين دخلوا إلى منطقة تخضع للإدارة الإسبانية دون استيفاء الإجراءات القانونية اللازمة.

لكن المغرب يعتبر سبتة جزءًا من أراضيه؟

صحيح، فالمغرب لا يزال يعتبر سبتة و مليلية مدينتين محتلتين ويؤكد أنهما جزء من ترابه الوطني، إلا أن الواقع القانوني والإداري الحالي مختلف، إذ تخضع سبتة للسيادة الإسبانية وتُدار باعتبارها مدينة إسبانية، كما تمثل إحدى الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، ولذلك فإن أي دخول إليها يخضع للقانون الإسباني وقوانين الاتحاد الأوروبي.

قطعًا هناك خلفية تاريخية لسيطرة إسبانيا على سبتة؟

بالفعل هناك خلفية تاريخية، تعود إلى الاحتلال البرتغالي لمدينة سبتة عام1415 بقيادة الملك جواز الأول، ثم أصبحت تحت إدارة التاج الإسباني عام 1580 خلال فترة الاتحاد الإيبيري بين إسبانيا والبرتغال، وبعد استعادة البرتغال استقلالها عام 1640، فضلت سبتة البقاء تحت السيادة الإسبانية، قبل أن تعترف البرتغال رسميًا بذلك في معاهدة لشبونة عام 1668، ورغم ذلك لم يتخلف المغرب عن مطالبته بالمدينة، وهو ما يجعل الملف حاضرًا باستمرار في العلاقات الثنائية.

ما دوافع هذه الأعداد الكبيرة نحو محاولة العبور إلى المدينة في وقت واحد؟

هناك روايات متداولة تشير إلى أن السبب يعود إلى انتشار شائعة بين المهاجرين، مفادها أن الأشخاص الذين يصلون إلى إسبانيا عن طريق البحر لا يتم ترحيلهم، ويقال إن هذه الشائعة استندت إلى فهم غير دقيق لحكم قضائي يتعلق بإحدى القضايا الفردية، ما دفع أعدادًا كبيرة إلى الاعتقاد بأن الوصول بحرًا يضمن البقاء داخل الأراضي الإسبانية، لكن حتى الآن لا توجد معلومات رسمية تؤكد أن هذا العامل وحده كان وراء ما حدث، غير أن الحجم الكبير للتدفق يفتح الباب أمام فرضيات أخرى، من بينها احتمال وجود أطراف أرادت استخدام ملف الهجرة كورقة ضغط على أوروبا، أو استغلال حالة الارتباك لإرسال رسائل سياسية، لكنها تبقى مجرد فرضيات تحتاج إلى إثبات.

كيف استقبل الاتحاد الأوروبي هذه التطورات؟

نظر الاتحاد الأوروبي إلى ما جرى باعتباره تحديًا أمنيًا وسياسيًا للحدود الخارجية للاتحاد، خاصة مع الحديث عن وصول أعداد كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة، ولذلك صدرت مواقف تؤكد دعم إسبانيا في حماية حدودها، مع التأكيد على ضرورة التعامل مع الأزمة في إطار القانون الأوروبي والتعامل مع دول الجوار.

 تردد حديث عن إمكانية إخراج إسبانيا من نظام شنجن.. ما مدى صحة ذلك؟

هذا الطرح أُثير في بعض النقاشات السياسية والإعلامية، لكنه من الناحية القانونية ليس أمرًا يمكن تنفيذه بسهولة، فعضوية إسبانيا في منطقة شنجن تخضع لاتفاقيات أوروبية وإجراءات مؤسسية معقدة، وأي تغيير من هذا النوع يتطلب توافقًا بين الدول الأعضاء، وبالتالي لا يمكن اعتباره إجراءً عمليًا في المدى القريب.

لماذا تمثل سبتة أهمية كبيرة بالنسبة للمهاجرين؟

لأن سبتة تُعد إحدى النقاط القليلة التي تلتقي فيها الحدود البرية للاتحاد الأوروبي بالقارة الإفريقية، ولذلك ينظر إليها كثير من المهاجرين باعتبارها البوابة الأولى إلى أوروبا، رغم أن الوصول إليها لا يعني تلقائيًا الانتقال إلى البر الإسباني أو إلى بقية دول الاتحاد الأوروبي، فهناك إجراءات قانونية وأمنية معقدة تحكم هذا الأمر.

هل سيتم ترحيل جميع من دخلوا سبتة؟

ليس بالضرورة، فالوضع القانوني يختلف من شخص إلى آخر، المواطن المغربي الذي لا يمتلك أساسًا قانونيًا للبقاء يمكن إعادته وفق الاتفاقيات الثنائية بين المغرب وإسبانيا، مع الالتزام بالإجراءات القانونية، أما من يتقدم بطلب لجوء أو يطلب حماية دولية، فلا يجوز ترحيله قبل دراسة طلبه وفق القانون الإسباني وقوانين الاتحاد الأوروبي، مع مراعاة مبدأ عدم الإعادة القسرية إذا انطبقت شروطه.

هل لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا في تفاقم هذه الأزمة؟

لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته منصات التواصل الاجتماعي في مثل هذه الأحداث، فخلال السنوات الأخيرة أصبحت هذه المنصات المصدر الرئيسي للمعلومات بالنسبة لكثير من المهاجرين، وفي كثير من الأحيان تنتشر أخبار أو تفسيرات قانونية غير دقيقة تتحول في غضون ساعات إلى معلومات يتداولها الآلاف، وإذا كانت الشائعة المتعلقة بعدم ترحيل من يصلون بحرًا قد انتشرت بالفعل، فإن سرعة تداولها ربما أسهمت في تشجيع أعداد كبيرة على خوض المحاولة في وقت متقارب قبل التحقيق من صحتها، وهو ما يبرز التحدي الذي تواجهه الحكومة الأوروبية في مواجهة المعلومات المضللة المرتبطة بالهجرة.

 ما مدى إمكانية استغلال بعض الأطراف ملف الهجرة لتحقيق أهداف سياسية؟

التاريخ الحديث يبين أن قضايا الهجرة أصبحت في أحيان كثيرة جزءًا من التفاوض السياسي بين دول العبور ودول المقصد، فإن أي تدفق مفاجئ بهذا الحجم يثير بطبيعة الحال تساؤلات حول أبعاده، ومن الناحية التحليلية، لا يمكن استبعاد أن يتحول ملف الهجرة إلى ورقة ضغط في العلاقات الدولية، خاصة في المناطق التي تمثل أهمية استراتيجية مثل الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، لكن في الوقت ذاته، لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة تثبت أن ما حدث في سبتة كان نتيجة تخطيط سياسي مباشر من جهة بعينها.

هل تعتقد أن هذه الأحداث ستؤثر في العلاقات المغربية الإسبانية؟

بلا شك، لأن ملف سبتة و مليلية من أكثر الملفات حساسية بين البلدين، وأي تطور ميداني بهذا الحجم يفرض على الطرفين تعزيز التنسيق الأمني والسياسي، كما يدفع الاتحاد الأوروبي إلى الانخراط بصورة أكبر في إدارة الملف، نظرًا لارتباطه بأمن حدوده الخارجية.

كيف يمكن أن تتعامل أوروبا مع مثل هذه الأزمات مستقبلاً؟

من المرجح أن تواصل أوروبا تعزيز إجراءات حماية الحدود، مع تكثيف التعاون مع دول العبور والمنشأ، وفي مقدمتها المغرب، إلى جانب مراجعة بعض سياسات الهجرة واللجوء بما يحقق التوازن بين حماية الحدود والالتزام بالاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

هل تتوقعون أن تؤدي هذه الأحداث إلى تغيير في سياسة الهجرة الأوروبية؟

من المرجح أن تدفع هذه التطورات مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تقييم بعض آليات إدارة الحدود والهجرة، مع التركيز على تعزيز حماية الحدود الخارجية، وزيادة التعاون مع دول المنشأ والعبور، إلى جانب مراجعة آليات التعامل مع طلبات اللجوء والهجرة غير النظامية.

وفي الوقت نفسه، ستبقى أوروبا مطالبة بالموازنة بين حماية حدودها والالتزام بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، وهو ما يجعل أي إصلاحيات مستقبلية معقدة، لأنها يجب أن تراعي الاعتبارات الأمنية والإنسانية في آن واحد، دون الإخلال  بالتزامات الدول الأوروبية تجاه طالبي الحماية الدولية.

أخيرًا .. كيف تقرأون مستقبل الأزمة؟

من المتوقع أن تستمر الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي تشهدها المنطقة، وستظل سبتة و مليلية نقطتين محوريتين في هذا الملف، نظرًا لموقعهما الجغرافي وحساسيتهما السياسية، أما نجاح أوروبا في احتواء مثل هذه الأزمات، فستوقف إلى حد كبير على قدرتها على الجمع بين الإجراءات الأمنية والتعاون مع دول الجوار، ومعالجة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية، وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها فقط.