بين التفاؤل والتوجس.. وثيقة “اتفاق غزة” إلى أين؟

بعد أن طغت الحرب الأمريكية الإيرانية على ما يحدث في قطاع غزة، واستمرار انتهاكات الكيان المحتل بحق الفلسطينيين، وقصف خيام النازحين والأحياء السكنية، والتوسع فيما يسمى بـ”الخط الأصفر”، عاد ملف القطاع المنكوب مرة أخرى إلى الواجهة في واشنطن عندما أعلن الرئيس ترامب مساء الخميس (متفاخرًا)، أن حماس وافقت على نزع السلاح الكامل. فيما يعد تتويجًا لأشهُر من الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وحماس ووسطاء الشرق الأوسط، بالإضافة إلى مجلس السلام الذي أنشأه الرئيس ترامب للإشراف على المرحلة الانتقالية في غزة.

وأعلن مسؤولون أمريكيون مساء الخميس أن حماس وفصائل فلسطينية مسلحة أخرى اتفقت على خطة إذا ما تم اتباعها، ستؤدي إلى نزع سلاح هذه الفصائل وفقدانها السيطرة على قطاع غزة، شريطة انسحاب إسرائيل من القطاع. وأكمل المسؤولون أن الاتفاق يمثل بداية عملية متعددة المراحل وغير محددة المدة لإنهاء حكم حماس في غزة وإعادة بناء القطاع. وأقر المسؤولون بوجود تحديات عديدة في المستقبل، مثل التحقق من التزام الفصائل الفلسطينية وضمان عدم عرقلة الحكومة الإسرائيلية المتشككة لأي تقدم.

وعلى الرغم من الغموض الذي يكتنف دلالات اتفاق الخميس، قال مسؤولون إنه يمثل بداية عهد جديد بعد الحرب، التي بدأت عندما شنت حماس هجومًا مفاجئًا على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، ما أسفر عن مقتل نحو 1200 إسرائيلي واحتجاز نحو 250 رهينة، وأسفرت حرب جيش عن مقتل نحو أكثر 70 ألف فلسطيني، وإصابة أكثر من 170 ألفًا، وفقًا لوزارة الصحة في غزة.

تفاصيل خارطة الطريق:

تعد خارطة الطريق المكونة من 15 بندًا لتخليص حماس من أسلحتها وإزاحتها عن السلطة كنتيجة لاتفاق السلام الذي أُبرم في غزة في أكتوبر الماضي بدعم من الأمم المتحدة. وبموجب هذا الاتفاق وبعد إعادة جميع الرهائن المحتجزين لدى حماس، كان على المسلحين الساعين إلى العفو تفكيك أسلحتهم والموافقة على نزع سلاح غزة تحت إشراف مراقبين مستقلين.

وتمثل خارطة الطريق محاولة مجلس السلام لتحويل هذا الالتزام إلى واقع، في مسعى إلى وضع جدول زمني للتنفيذ في غضون أسبوعين. وقال مسؤول في المجلس إن كل مرحلة من مراحل العملية ستتطلب تحققًا مستقلًا قبل الانتقال إلى المرحلة التالية. وأوضح المسؤولون أن هذه المراحل تشمل الموافقة على الإطار، والتخلي عن أي تدخل حكومي، ونقل الأسلحة من شرطة غزة إلى جهة أمنية أخرى، وتفكيك الأسلحة الثقيلة ومستودعات الأسلحة، ونزع سلاح الأفراد، وتحديد الأنفاق وتدميرها.

ومن المتوقع أيضاً أن تسلم حماس خرائط أنفاقها ومصانع أسلحتها ومستودعاتها، وفقاً لمسودة الاتفاق. كما يتضمن الاتفاق بنوداً لتسليم السلطات المدنية من حماس إلى اللجنة الوطنية. وصرح مسؤول في مجلس السلام بأن الجداول الزمنية لكل مرحلة ستختلف، وأن قطاعات غزة المختلفة قد تكون في مراحل متباينة.

تصريحات الجانب الأمريكي:

تجاهل الرئيس ترامب، يوم الجمعة، التساؤلات حول جدوى خطة جديدة لنزع سلاح حماس، مؤكدًا أن إسرائيل راضية جدًا عن الاتفاق رغم مؤشرات القلق التي أبداها الحكومة الإسرائيلية. لكن بعد يوم من وصفه الخطة بأنها إنجاز تاريخي، خفض ترامب سقف التوقعات. ووصف الوضع بأنه معقد للغاية، محذرًا من أن العملية ستشهد على الأرجح تقلبات.

قال مسؤول أمريكي إن ترامب سيشعر بخيبة أمل كبيرة إذا لم تلتزم إسرائيل ببنود خطة السلام. وأضاف المسؤول أنه لا يطلب من إسرائيل سوى الموافقة على خطة النقاط العشرين التي وافقت عليها مبدئيًا، ولذا فإنه على ثقة تامة بأنها ستلتزم بها. ووصف مسؤولون أمريكيون ومسؤولون من مجلس السلام الاتفاق بأنه ثمرة أشهر من مفاوضات دقيقة للغاية أسفرت عن اختراق، حيث تم التوصل إلى تفاهم بشأن ما يجب القيام به، مع التنبيه إلى أنه لا يزال اتفاقًا مشروطًا.

رد فعل جانب حماس:

في مقابلة مع صحيفة وول ستريت جورنال، قال “غازي حمد” عضو فريق التفاوض التابع لحماس، إن الحركة وافقت على وضع أسلحتها في مستودع تشرف عليه اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي هيئة تكنوقراطية فلسطينية مكلفة بالانتقال السياسي والأمني ​​للقطاع.

وأكمل “حمد” أن الخطة مشروطة بإنهاء إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة والسماح بدخول المساعدات الإنسانية. ولم تذكر مصر، التي تستضيف أحدث جولة من المحادثات بين إسرائيل وحماس، صراحةً موافقة حماس على نزع السلاح في بيان رسمي، بل أشارت إلى “موافقتها على خارطة الطريق” وعقد اجتماع لاحق في القاهرة “لمناقشة آليات التنفيذ وتأكيد التزام جميع الأطراف ببنود الاتفاق”.

وأضافت حركة حماس أن الكرة الآن في ملعب العدو في إشارة إلى إسرائيل، وإنه مع بدء تنفيذها التزاماتها بموجب الاتفاق، يجب على الوسطاء إجبار إسرائيل على فعل الشيء نفسه.

التعقيدات والموقف الإسرائيلي من الخطة:

إن أي معارضة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لهذه الخطة قد تزيد من تعقيد علاقاته مع الرئيس ترامب. وقد تباينت وجهات نظر الرجلين بشدة مؤخرًا حول جدوى اتباع الدبلوماسية مع إيران وحرب إسرائيل ضد حزب الله، الجماعة المسلحة المدعومة من إيران في لبنان.

لم يصدر نتنياهو بيانًا رسميًا بشأن إعلان ترامب، لكن الحكومة الإسرائيلية نشرت يوم الجمعة تصريحات نسبت فقط إلى مسؤول دبلوماسي يصر فيها على نزع سلاح حقيقي من جانب حماس. ووصف وزير الأمن القومي اليميني إيتمار بن غفير الخطة بأنها غير مقبولة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ ونادراً ما يتحدى أنصار نتنياهو من اليمين المتطرف في مثل هذه الأمور.

وأصر المسؤولون الإسرائيليون على أنه لن يكون هناك انسحاب إسرائيلي من الخط الأصفر الذي يفصل المنطقة التي تسيطر عليها  قبل نزع سلاح حماس. وما يزيد الأمر تعقيداً أن إسرائيل تسيطر حاليًا على أكثر من 53% من غزة، وهي النسبة التي كان من المقرر أن تبقى فيها قواتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر. ومؤخرًا تم تحريك الكتل الخرسانية الصفراء التي تحدد الخط الأصفر غربًا، ما يعني أن إسرائيل تسيطر على أكثر من 60% من القطاع.

وينص الملحق على انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الخط الأصفر المتفق عليه في غضون 24 ساعة من موافقة الحكومة الإسرائيلية على الخطة. وينص على عدم عودتها طالما التزمت حماس بتنفيذ الاتفاق.

الوضع في غزة الآن:

لم يلقَ الإعلان، حتى الآن حماسًا يذكر في قطاع غزة، فبعد سنوات من فشل وقف إطلاق النار وانهيار الاتفاقات، ازداد تشكك الفلسطينيين في أي اتفاق سياسي جديد.  كما قتلت القوات الإسرائيلية ثمانية فلسطينيين على الأقل في غزة، بينهم طفلان، ليرتفع عدد القتلى إلى 18 خلال ثلاثة أيام منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطة وصفها بأنها خطوة تاريخية نحو السلام والأمن في القطاع المدمر.

كما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في ظروف مزرية في غزة، من انتشار الأمراض ونقص الغذاء والمياه النظيفة، والمأوى اللائق. في رقعة أرض تتقلص باستمرار في ظل استمرار إسرائيل في بناء الجدران العازلة، ما يزيد من تهجير العائلات وتوسيع الخط الأصفر الذي يمثل منطقة سيطرة مؤقتة داخل القطاع.

كما قتل ما لا يقل عن 1168 فلسطينيًا بينهم أطفال، في هجمات إسرائيلية منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وفقًا لأرقام وزارة الصحة التابعة لحماس، والتي تعتبرها الأمم المتحدة موثوقة. وأظهرت صور الأقمار الصناعية في نوفمبر الماضي أن إسرائيل دمرت أكثر من 1500 مبنى في مناطق غزة التي لا تزال تحت سيطرتها منذ وقف إطلاق النار. ومن المرجح أن يكون العدد الفعلي أعلى بكثير، نظرًا لعدم توفر صور لبعض المناطق. ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة فقد بلغ حجم الأنقاض حوالي 60 مليون طن منذ أكتوبر 2023.

كما هو الحال في أي اتفاق دبلوماسي، تكمن الأهمية في التفاصيل والتسلسل المقترح للخطوات. وتشير ردود فعل حماس وإسرائيل إلى أن هذه العملية قد لا تكون بالبساطة التي أشار إليها ترامب في منشور على منصة “تروث سوشيال” يوم الخميس.