ملفات

«النضج الثالث» رقابيًا ونواقص الأدوية مستمرة.. هل نجحت مصر في ضبط الدواء وفشلت في توفيره؟

بين جودة الرقابة وتحديات السوق.. التسعير والمواد الخام والتوزيع عوامل حاسمة في توافر الدواء

في الوقت الذي تحتفي فيه الحكومة المصرية باستمرار حصول مصر على مستوى النضج الثالث من منظمة الصحة العالمية في مجال الأدوية، باعتباره شهادة دولية على تطور المنظومة الرقابية الدوائية، لا يزال ملف نقص بعض المستحضرات حاضرًا في السوق، ليطرح تساؤلًا حول الفجوة بين قوة المنظومة التنظيمية وقدرتها على ضمان توافر الدواء للمريض.

فهل يعني الوصول إلى مستوى متقدم من النضج الرقابي أن مصر قطعت شوطًا مماثلًا في تأمين احتياجات السوق؟ أم أن تقييم جودة وكفاءة الرقابة على الدواء لا يرتبط بالضرورة بتوافر جميع الأصناف للمواطن؟

مصر قطعت شوطًا في التنظيم الدوائي

قال الدكتور جميل بقطر، عضو مجلس نقابة صيادلة مصر السابق، إن استمرار حصول مصر على مستوى النضج الثالث في مجال الأدوية يختلف عن أزمة نقص بعض الأدوية في السوق المحلي، موضحًا أن اعتماد منظمة الصحة العالمية لمصر ضمن هذا المستوى يأتي تقديرًا لكفاءة منظومة الرقابة الدوائية، وتطوير معامل التحاليل، وإنشاء هيئة الدواء المصرية، فضلًا عن سرعة الاستجابة خلال أزمة كورونا وإنتاج اللقاحات والأمصال.

وأكد «بقطر»، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أن الوصول إلى هذا المستوى يمثل إنجازًا مهمًا، مشيرًا إلى أن إنشاء هيئة الدواء المصرية شكّل نقطة تحول في إدارة ملف الدواء.

وأوضح أن وجود هيئة موحدة للدواء جمع اختصاصات كانت موزعة بين جهات مختلفة، لتتولى الهيئة ملفات الرقابة والبحث والتصنيع والاستيراد وتسجيل الأدوية، وهو ما ساعد على بناء كيان دوائي يتماشى مع النظم المعمول بها في العديد من الدول الأخرى.

وأضاف أن حصول مصر على مستوى النضج الثالث جاء نتيجة جهود الهيئة في توفير الدواء، ووضع آليات للتصنيع والاستيراد، وتطوير معامل التحاليل، وتعزيز قدرات إنتاج اللقاحات والأمصال، مشيرًا إلى أن مصر أصبحت من الدول المنتجة للقاحات، مع إمكانية تصدير بعض المنتجات إلى دول إفريقية وخليجية وأسواق خارجية، معتبرًا أن ذلك يعكس التطور الذي شهدته المنظومة الدوائية المصرية.

ولفت إلى أن أهمية مستوى النضج الثالث تتمثل في امتلاك مصر كيانًا دوائيًا منظمًا وهيئة متخصصة تضبط صناعة الدواء وتفرض الرقابة عليها، معتبرًا أن الرقابة على الدواء تمثل الوظيفة الأساسية لهيئات الدواء حول العالم.

أزمة نقص الأدوية

أوضح «بقطر»، أن أزمة نقص الأدوية تعود بشكل رئيسي إلى استيراد المواد الخام بالدولار، لافتًا إلى أن سعر الدولار ارتفع خلال عامين فقط من 30 إلى 50 جنيهًا، وبالتالي تأثرت تكلفة الإنتاج لدى الشركات.

وأضاف أن شركات الدواء تحاول تعديل أسعار منتجاتها بما يتناسب مع الزيادات في التكلفة، إلا أن رفع سعر الدواء إلى الضعف أو ثلاثة أضعافه ليس أمرًا سهلًا، وهو ما يؤدي في بعض الحالات إلى حدوث نقص مؤقت في بعض الأصناف.

وأشار إلى أن الشركات تبدأ في استهلاك المخزون القديم لديها، ثم تظهر فجوة بين انتهاء هذا المخزون واستيراد المواد الخام أو بدء إنتاج الدواء بالسعر الجديد، لافتًا إلى أن الشركات قد تضطر إلى الانتظار لحين تعديل الأسعار حتى لا تتعرض لخسائر.

وأوضح أن عملية التسعير تتطلب النظر إلى عدة عناصر، من بينها سعر المادة الخام، وتكلفة التصنيع، وهامش الربح، وتكلفة الدعاية، مشيرًا إلى أن الدواء يعود إلى التوافر في السوق بعد الانتهاء من إجراءات تعديل السعر بما يسمح للشركات بتوفير المواد الخام واستمرار الإنتاج.

الاسم التجاري يعمق أزمة البدائل

وحول الاعتماد على الاسم التجاري في وصف الأدوية بدلًا من الاسم العلمي، أوضح «بقطر» أن ذلك ليس سببًا مباشرًا لنقص الدواء، وإنما يرتبط بعدم إدراك بعض المرضى أن الأدوية التي تحتوي على المادة الفعالة والتركيبة نفسها يمكن أن تكون بدائل لبعضها البعض.

وأشار إلى أن بعض الأطباء يصرون على كتابة الاسم التجاري نتيجة تأثير الدعاية التي تقوم بها الشركات، موضحًا أن الأمر لا ينطبق على جميع الأطباء، لكن بعض الحالات تشهد تمسكًا بدواء تجاري بعينه، حتى مع وجود بديل يحمل المادة الفعالة نفسها.

وأضاف أن الصيدلي قد يتواصل مع الطبيب لإبلاغه بعدم توافر الاسم التجاري، وعرض بديل له بالتركيبة نفسها، وفي بعض الحالات يوافق الطبيب على صرف البديل، إلا أن الأمر يتوقف أيضًا على تقبل المريض له.

ولفت إلى أن بعض المرضى يصرون على شراء الدواء الذي اعتادوا عليه ويرفضون البدائل عند عدم توافره، بل إن بعضهم قد يجرب البديل ثم يشعر بعدم الارتياح تجاهه، وهو ما أرجعه إلى عامل نفسي مرتبط بالاعتياد على دواء بعينه.

وأكد أن الدواء الأصلي والبديل يعتمدان في النهاية على المادة الخام نفسها، موضحًا أن الصين والهند أصبحتا من المصدرين الرئيسيين للمواد الخام الدوائية على مستوى العالم، حتى إن شركات عالمية وأوروبية تعتمد على الاستيراد منهما.

تطور المنظومة الدوائية المصرية

قال الدكتور محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، إن استمرار حصول مصر على مستوى النضج الثالث في مجال الدواء من منظمة الصحة العالمية منذ مارس 2024 يعكس تطور المنظومة الدوائية المصرية، موضحًا أن المنظمة أجرت عمليات مراجعة وتفتيش للتأكد من استمرار مصر في المستوى الثالث وإمكانية تقدمها إلى المستوى الرابع.

الدكتور محفوظ رمزي
الدكتور محفوظ رمزي

وأشار «رمزي»، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، إلى أن عدد الدول الحاصلة على مستوى النضج الثالث عالميًا لا يتجاوز 17 دولة، معتبرًا أن وجود مصر ضمن هذه المجموعة، يمثل إنجازًا يعكس حصول الصناعة الدوائية المصرية على اعترافات دولية.

وأكد أن مصر تمتلك مستوى متقدمًا في الرقابة والتصنيع وتسجيل الأدوية، معتبرًا أن صناعة الدواء المصرية هي الأفضل في الشرق الأوسط، على حد قوله، مشددًا في الوقت نفسه على إمكانية الاختلاف مع هيئة الدواء المصرية في بعض الملفات دون إنكار ما تحقق من تطور في المنظومة.

180 مصنعًا و15 ألف صنف دوائي

أوضح «رمزي»، أن مصر لديها نحو 180 مصنعًا للدواء وأكثر من 15 ألف صنف دوائي مسجل، لافتًا إلى أن الصنف الدوائي الواحد تنتجه في بعض الحالات من 5 إلى 14 شركة، بما يوفر عددًا من البدائل للمستحضر الواحد.

وأشار إلى أن وجود بعض النواقص لا يرتبط بالضرورة بغياب الدواء أو المادة الفعالة، موضحًا أن جانبًا كبيرًا من المشكلة يتمثل في نقص بعض الأسماء التجارية، مع توافر الاسم العلمي والمثائل الدوائية.

الاسم العلمي مفتاح القضاء على 95% من أزمة نقص الأدوية

أكد «رمزي»، أن الحل الرئيسي لمشكلة نواقص الأدوية، من وجهة نظره، يتمثل في إصدار قرار ملزم لمقدمي الخدمة الطبية بكتابة الأدوية بالاسم العلمي بدلًا من الاسم التجاري، مقترحًا البدء بالمضادات الحيوية كمرحلة أولى، ثم تقييم التجربة بعد عام.

وأضاف أن مصر من أكثر الدول التي تنتج مثائل للمستحضرات الدوائية، وبالتالي فإن وصف الدواء بالاسم العلمي من شأنه، بحسب تقديره، القضاء على نحو 95% من مشكلة النواقص، فضلًا عن تقليل فاتورة استيراد الأدوية التقليدية وتوجيه الموارد المتاحة إلى أدوية أكثر احتياجًا، مثل أدوية الأورام.

نواقص في بعض الأدوية.. والتوزيع جزء من الأزمة

ولفت «رمزي» إلى أن السوق شهد بالفعل نقصًا في بعض المستحضرات، من بينها أدوية الغدة الدرقية وحقن فيتامين «د»، مؤكدًا أن بعضها بدأ في العودة إلى التوافر، إلا أنه اعتبر أن المشكلة الأكبر تكمن في قطاع التوزيع.

وأوضح أن بعض شركات التوزيع قد تمنح الأولوية للصيدليات الكبرى في الحصول على كميات من بعض الأدوية، بينما لا تحصل صيدليات أخرى على الكميات نفسها، وهو ما يؤدي إلى استمرار شعور السوق بالنقص رغم وجود إنتاج ومخزون لدى الشركات.

وضرب مثالًا بحقن فيتامين «د»، مشيرًا إلى وجود مخزون لدى إحدى الشركات، إلى جانب توافر مواد خام تكفي لإنتاج كميات كبيرة، إلا أن معدلات الطلب المرتفعة على المستحضر تجعل الكميات المنتجة تستهلك سريعًا.

وشدد على ضرورة تطوير آليات رصد نواقص الأدوية، بحيث تعتمد على التنبؤ بالأزمات من خلال معرفة معدلات الاستهلاك والإنتاج والمخزون، والاستعداد لمواسم زيادة الطلب قبل حدوث النقص.

جودة لا وفرة

أوضح الدكتور علي عبدالله، رئيس المركز المصري للدراسات الدوائية، أن حصول هيئة الدواء المصرية على مستوى النضج الثالث من منظمة الصحة العالمية «WHO» هو تقييم للهيئة باعتبارها جهة رقابية مسؤولة عن التراخيص والمتابعة، ويؤكد أن الدواء المصري آمن وذو جودة وفاعلية عالية.

الدكتور علي عبدالله
الدكتور علي عبدالله

وأضاف «عبدالله»، في تصريح خاص لـ«ليبرالي»، أن هذه الجهود تأتي في إطار السعي للحصول على الاعتمادات الدولية، أي أن عينه على الخارج لا الداخل، بهدف فتح أسواق جديدة للتصدير وجلب العملة الصعبة، وهو ما تحقق بالفعل مع ارتفاع قيمة صادرات الدواء، مشيرًا إلى أن مستوى النضج الثالث يرتبط بجودة المنتج وكفاءة الرقابة، ولا يعني بالضرورة انتفاء أزمة النقص، فالأزمة لا تتعلق بضعف التصنيع أو العلم، وإنما بعوامل أخرى.

الدواء والبيزنس

تابع «عبدالله» أن مصر تنتج محليًا 92% من الأدوية، أي أن كل 100 علبة دواء منها 92 علبة مصنعة محليًا، بينما تستورد 8% فقط بالكامل، لافتًا إلى أن أزمة الأدوية المستوردة بالكامل، مثل بعض أدوية الهرمونات والسرطان ذات التكنولوجيا المتقدمة، ليست أزمة تصنيع، وإنما أزمة تدفقات مالية، وتذبذب سعر الدولار، واضطراب سلاسل الإمداد بسبب الصراعات العالمية والإقليمية.

وأكد أن الدواء في النهاية نشاط اقتصادي «بيزنس»، وأن تأخر تعديل أسعار بعض الأدوية مع ارتفاع التكلفة يجعل الاستيراد أو التوسع في الإنتاج غير مجدٍ اقتصاديًا لبعض الشركات، في حين تتردد جهات اتخاذ القرار في زيادة الأسعار مراعاةً للبعد الاجتماعي والأمني للمواطن.

وأشار إلى أن هناك تعثرًا حقيقيًا تعاني منه أعداد من الصيدليات بسبب تحملها أعباء التضخم، إلى جانب وجود قيود قانونية تعوق نقل الأدوية بين الصيدليات لتغطية العجز في المحافظات المختلفة.

ولفت إلى وجود نقص حقيقي في بعض الأدوية المستوردة، لكن جزءًا كبيرًا من الأزمة، بحسب تقديره، هو نقص وهمي ناتج عن ضعف ثقافة المريض وتمسك بعض الأطباء بكتابة أسماء تجارية بعينها، مؤكدًا أن الاعتماد على الاسم العلمي بدلًا من الاسم التجاري أحد الحلول الأساسية لتخفيف الأزمة، وتوعية المريض بوجود بدائل ومثائل مصنعة محليًا بالكفاءة نفسها.

وشدد على أن تخفيف الأزمة يتطلب ثقافة وطنية لدى الطبيب لدعم المنتج المحلي وعدم التعنت لصنف تجاري معين، إلى جانب دور إيجابي من الصيدلي لإقناع المريض بالبدائل المتاحة.

زر الذهاب إلى الأعلى