بعد حادث فتيات الإسماعيلية.. «العدل» يطرح قانونًا شاملًا ونواب يطالبون بمنظومة حماية للعمال

بدأت الأحزاب والقوى السياسية الممثلة في مجلس النواب التحرك على خطى حزب العدل في ملف العمالة غير المنتظمة، الذي عاد إلى صدارة الاهتمام البرلماني مع تصاعد المطالب بوضع منظومة متكاملة تضمن حقوق ملايين العاملين في القطاعات المختلفة، وتوفر لهم الحماية الاجتماعية والتأمينية، وتنهي الاعتماد على المساعدات المؤقتة والموسمية.
وفي الوقت الذي تقدم فيه النائب أحمد فؤاد أباظة، عضو مجلس النواب، وعضو البرلمان العربي، اليوم، بطلب إحاطة بشأن ضرورة الإسراع في وضع منظومة وطنية شاملة لحماية العمالة غير المنتظمة، كان حزب العدل قد تقدم بتحرك تشريعي أكثر شمولًا الثلاثاء الماضي، من خلال مشروع قانون متكامل لتنظيم العمالة اليومية والمؤقتة والموسمية والعرضية وتشغيلها ونقلها والتأمين عليها، بما يعكس انتقال الملف من دائرة المطالبات البرلمانية إلى محاولة وضع إطار تشريعي شامل لمعالجته.
وتقدم «أباظة» بطلب الإحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيري العمل والتضامن الاجتماعي، مطالبًا بتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية والتأمينية للعمالة غير المنتظمة، وإنشاء ملف رقمي موحد لكل عامل، يضمن وصول الخدمات والدعم إلى مستحقيه بسهولة وعدالة.
وأكد النائب أن العمالة غير المنتظمة تمثل قوة إنتاجية كبيرة وركيزة أساسية في قطاعات البناء والتشييد والزراعة والنقل والخدمات والحرف، ورغم دورها في دعم الاقتصاد الوطني، فإن ملايين العاملين بها لا يزالون يواجهون تحديات تتعلق بعدم استقرار الدخل وغياب الأمان الوظيفي وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية والتغطية التأمينية المناسبة.
وشدد «أباظة» على ضرورة الانتقال من الحلول المؤقتة والمساعدات الموسمية إلى منظومة مستدامة توفر الحماية للعامل وأسرته، مطالبًا بإنشاء قاعدة بيانات وطنية دقيقة تتضمن طبيعة المهنة ومدة العمل والحالة التأمينية والاحتياجات الاجتماعية لكل عامل.

وطرح طلب الإحاطة عددًا من التساؤلات أمام الحكومة، في مقدمتها موعد الانتهاء من إعداد قاعدة بيانات قومية شاملة للعمالة غير المنتظمة، وخطة تطبيق نظام تأمين مرن يتناسب مع طبيعة دخول هذه الفئات، إلى جانب إمكانية إنشاء صندوق وطني للطوارئ يوفر التعويضات في حالات الإصابة والعجز والوفاة والتعطل القهري.
كما طالب بطرح إجراءات تنفيذية واضحة لدمج العمالة غير المنتظمة تدريجيًا داخل الاقتصاد الرسمي، وربط حصولها على الخدمات والمشروعات الحكومية بالتسجيل في منظومة الحماية التأمينية.
وأكد النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، أن البيانات المتاحة بشأن أعداد العمالة المؤقتة وغير المنتظمة لا تعكس الأعداد الحقيقية، مشيرًا إلى وجود قصور في عمليات الحصر، رغم أن هذه الفئات تضم ملايين العاملين.
وأوضح إيهاب منصور، في تصريحات صحفية سابقة أن الحصر المتاح يشير إلى وجود نحو 250 ألف عامل غير منتظم، في حين أن الأعداد الفعلية لهذه الفئة تصل إلى ملايين، بحسب تقديراته، ما يعكس الحاجة إلى وضع آلية أكثر دقة لحصر العمالة وتحديد احتياجاتها.
وأضاف وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب أن إحدى أبرز المشكلات تتمثل في الاعتماد على الشركات في حصر العمالة غير المنتظمة، رغم وجود أعداد كبيرة من العاملين في الشوارع والمهن المختلفة خارج نطاق هذا الحصر، وهو ما يؤدي إلى عدم شمول البيانات لجميع الفئات المستحقة للحماية.
وأشار «منصور» إلى أن عددًا من شركات القطاع الخاص يشغّل المواطنين دون تحرير عقود عمل، الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات لضبط أوضاع العمالة وضمان حقوقها، لافتًا إلى أن هناك عاملين يستمرون في العمل لمدة 10 و15 و20 عامًا دون الشعور بالأمان والاستقرار الوظيفي.
وشدد على أهمية إجراء تعديلات تشريعية تضمن حماية العمال، وتضع ضوابط واضحة للعلاقة بين العامل وصاحب العمل، بما يكفل حقوق الطرفين ويحد من استمرار أوضاع العمل غير المستقرة.
قانون العدل.. تحرك تشريعي لتنظيم العمالة غير المنتظمة
وعلى الجانب الآخر، كان حزب العدل قد اتخذ خطوة تشريعية في الملف، بعدما تقدم النائب علي خليفة و60 نائبًا بمشروع قانون بشأن تنظيم العمالة اليومية والمؤقتة والموسمية والعرضية وتشغيلها ونقلها والتأمين عليها، وأحال المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، مشروع القانون في بداية الجلسة العامة يوم الثلاثاء إلى لجنة مشتركة تضم لجان القوى العاملة، والشئون الدستورية والتشريعية، والخطة والموازنة، وحقوق الإنسان، لبدء دراسته.
ويستهدف المشروع وضع إطار قانوني ينظم تشغيل هذه الفئات ويوفر لها الحماية القانونية والتأمينية، مع العمل على دمجها في سوق العمل الرسمي، بما يضمن حقوق ملايين العمال ويحد من الاستغلال والوساطة غير المشروعة.
ويتضمن مشروع القانون إنشاء سجل وطني موحد للعمالة ومنصة إلكترونية مجانية لتسجيل العاملين وربطهم بأصحاب الأعمال وفرص التشغيل، إلى جانب إصدار بطاقة تشغيل إلكترونية تتضمن بيانات العامل ومهنته وأيام عمله وأجوره ومدد اشتراكه التأميني.

كما يضع المشروع ضوابط لعمل شركات تشغيل العمالة، من خلال اشتراط حصولها على ترخيص من وزارة العمل، ويحظر تحميل العامل رسوم توظيف غير قانونية أو حرمانه من مستحقاته، مع إلزام جهات التشغيل وأصحاب الأعمال بضمان الحقوق العمالية والتأمينية، وتنظيم عمليات نقل العمال وتوفير الحماية اللازمة لهم من الاستغلال والتمييز.
ويكشف التحركان البرلمانيان عن تصاعد الاهتمام بملف العمالة غير المنتظمة داخل مجلس النواب، مع اختلاف أدوات التعامل معه بين طلبات الإحاطة التي تطالب الحكومة بتحركات عاجلة، والمشروعات التشريعية التي تستهدف وضع قواعد قانونية دائمة لتنظيم التشغيل والتأمين والحماية الاجتماعية، فيما يبقى التحدي الأساسي في تحويل هذه التحركات إلى إجراءات قابلة للتطبيق تضمن حقوق العاملين على أرض الواقع.
وكان حزب العدل قد أصدر بيان في 12 أغسطي الماضي عقب حادث فتيات الإسماعيلية والذي أسفر عن وفاة 18 مواطنًا، غالبيتهم من الأطفال أكد فيه أن الحادث لا يمثل واقعة عابرة، وإنما يعكس أوجه قصور في منظومة الحماية الاجتماعية وتنظيم تشغيل ونقل العمالة الزراعية والموسمية.
وأكد الحزب، في بيان أصدره عقب الحادث، أن تكرار وقائع نقل العمال بوسائل غير آمنة، وما يصاحبها من مخاطر على حياة العاملين، يكشف عن غياب الرقابة الكافية وعدم تطبيق القوانين المنظمة لنقل العمال وتشغيل الأطفال.
وأشار حزب العدل إلى أن وجود أطفال في سن الثالثة عشرة والرابعة عشرة داخل سيارات نقل العمال يعكس واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا صعبًا تعيشه بعض الأسر، نتيجة تآكل الدخول وارتفاع الأسعار ونقص فرص العمل المستقرة، لا سيما في المناطق الريفية.
وأوضح البيان أن العمالة الزراعية غير المنتظمة لا تزال خارج مظلة الحماية الكافية، في ظل غياب ضمانات واضحة لتطبيق الحد الأدنى للأجور وتوفير التأمينات الاجتماعية، مطالبًا بمعالجة جذور الأزمة وعدم الاكتفاء بالتعامل مع الحوادث باعتبارها وقائع منفصلة.
وأعلن حزب العدل، في ختام بيانه، أنه يعكف على إعداد مقترح تشريعي متكامل لتنظيم نقل العمال الزراعيين والموسميين، بالاستفادة من التجارب الدولية في هذا المجال، تمهيدًا للتقدم به إلى البرلمان فور الانتهاء من إعداده.



