
لم تعد المنافسة بين شركات التكنولوجيا الكبرى مجرد سباق تجاري حول بيع المعالجات والشرائح الإلكترونية، بل تحولت إلى معركة استراتيجية على امتلاك القدرة الحسابية التي أصبحت أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية والعلمية والسياسية والتكنولوجية في القرن الحادي والعشرين.
فالدول التي تمتلك البنية التحتية اللازمة لتشغيل وتطوير الذكاء الاصطناعي ستكون قادرة على قيادة قطاعات الاقتصاد والصناعة والبحث العلمي والأمن السيبراني، بينما ستظل الدول التي تعتمد فقط على شراء التكنولوجيا في موقع المستهلك وليس المنتج.
حرب رقائق الذكاء الاصطناعي
وفي قلب هذا السباق العالمي تقف شركتان تعدان من أهم القوى في مجال رقائق الذكاء الاصطناعي، الأولى هي شركة إنفيديا NVIDIA الأمريكية التي تهيمن حاليًا على سوق معالجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والثانية هي شركة هواوي Huawei الصينية التي تسعى إلى بناء بديل عالمي من خلال شرائح Ascend ومنظومتها البرمجية الخاصة.
وبالنسبة لمصر، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يمتلك الشريحة الأقوى؟، وإنما يتعلق بالسؤال الأكبر: أي منظومة قادرة على دعم بناء اقتصاد ذكاء اصطناعي مصري وتحقيق التوازن بين الحصول على التكنولوجيا المتقدمة وبين بناء قدرات وطنية مستقلة؟.
الذكاء الاصطناعي.. لماذا أصبحت الرقائق قضية أمن قومي؟
يقول عماد حسن، خبير الأمن السيبراني، أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة تعتمد على قدرات هائلة في معالجة البيانات، سواء في تطوير النماذج اللغوية الكبرى مثل ChatGPT، أو تحليل صور الأقمار الصناعية، أو تشغيل المدن الذكية، أو تطوير الأنظمة الطبية الرقمية، أو تعزيز الأمن السيبراني.
يضيف، أن هذه التطبيقات تحتوي على وحدات معالجة متخصصة تعرف باسم GPU – Graphics Processing Units والتي تشتهر بها شركة إنفيديا، وهي تختلف عن المعالجات التقليدية لأنها قادرة على تنفيذ آلاف العمليات الحسابية بالتوازي خلال وقت قصير، وهو ما يجعلها العنصر الأساسي في تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة
يشير، لهذا أصبحت القدرة على امتلاك هذه الرقائق جزءًا من مفهوم السيادة الرقمية، تمامًا مثل امتلاك مصادر الطاقة أو البنية التحتية الحيوية، فالبيانات أصبحت أحد أهم موارد الاقتصاد الحديث، لكن تحويل هذه البيانات إلى قيمة اقتصادية يحتاج إلى قوة حسابية متقدمة.

إنفيديا.. لماذا تسيطر على سوق الذكاء الاصطناعي عالميًا؟
تعد شركة NVIDIA الأمريكية اللاعب الأكبر عالميًا في مجال رقائق الذكاء الاصطناعي، حيث استطاعت خلال السنوات الماضية بناء منظومة متكاملة جعلتها المورد الرئيسي لمعظم مراكز البيانات والشركات التي تعمل على تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
وتتميز إنفيديا بقوة شرائحها المتطورة مثل H100 وH200 وBlackwell B200، وهي معالجات تستخدم في تدريب النماذج الذكية الضخمة ومعالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة كبيرة.
لكن تفوق إنفيديا لا يعود فقط إلى قوة الأجهزة، بل إلى منظومة برمجية متكاملة جعلتها متقدمة على منافسيها، وعلى رأسها منصة CUDA – Compute Unified Device Architecture.
وتعتبر CUDA أحد أهم أسباب هيمنة إنفيديا، لأنها توفر بيئة برمجية يستخدمها ملايين الباحثين والمطورين حول العالم، وأصبحت معيارًا أساسيًا في الجامعات ومراكز البحث والشركات الناشئة.
وهذا خلق ما يسمى بالتأثير الاحتكاري أو Lock-in Effect، حيث إن المؤسسات التي بنت تطبيقاتها وأنظمتها باستخدام CUDA تجد أن الانتقال إلى منصة أخرى يحتاج إلى تكلفة كبيرة وإعادة تطوير للبرمجيات.
وبالتالي فإن شراء شرائح إنفيديا لا يعني فقط شراء جهاز قوي، بل يعني الدخول إلى منظومة عالمية متكاملة من الأدوات والخبرات والتطبيقات، وذلك وفقا للمعلومات المتواردة في الموقع الرسمي للشركة.

هواوي .. المنافس الصيني الذي يسعى لكسر الهيمنة الأمريكية
في الجانب الآخر تعمل شركة هواوي الصينية على تطوير منظومة منافسة لإنفيديا من خلال شرائح الذكاء الاصطناعي المعروفة باسم Huawei Ascend.
ومن أبرز هذه الشرائح Ascend 910 وAscend 910B، حيث تسعى هواوي إلى تقديم بديل صيني قادر على تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
ولا تعتمد هواوي فقط على تصنيع المعالجات، بل تقدم منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية، والخدمات السحابية، ومراكز البيانات، وحلول المؤسسات.
كما طورت هواوي منصة برمجية خاصة بها تعرف باسم CANN – Compute Architecture for Neural Networks لتكون منافسًا لمنصة CUDA الأمريكية.
وتحاول الصين من خلال هذه المنظومة تقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية.
المقارنة بين إنفيديا وهواوي.. من الأفضل لمصر؟
يقول د. محمد سالم خبير تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، من الناحية التقنية، ما زالت إنفيديا متقدمة عالميًا بسبب قوة شرائحها وانتشار منظومتها البرمجية، بينما تمتلك هواوي ميزة استراتيجية تتمثل في تقديم حلول متكاملة وقدرتها على عقد شراكات طويلة المدى في مجال البنية التحتية الرقمية.
يضيف، أن فيديا تتميز بأنها الخيار الأقوى للبحث العلمي وتطوير النماذج المتقدمة، لأن معظم المؤسسات البحثية العالمية تعتمد على بيئة CUDA، كما أن الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي تعتمد بشكل كبير على تقنيات إنفيديا.
ويضيف: لكن هواوي تقدم نموذجًا مختلفًا يقوم على دمج الأجهزة والخدمات والبنية التحتية، وهو ما قد يكون مناسبًا للدول التي تريد إنشاء منظومات رقمية متكاملة وليس مجرد شراء معالجات.
ماذا تحتاج مصر من هذه التكنولوجيا؟
يقول خبراء التكنولوجيا إن المنافسة بين إنفيديا وهواوي لا تدور فقط حول سرعة الرقاقة، بل حول من يمتلك النظام الكامل.
فبينما بنت إنفيديا قوتها عبر منظومة CUDA التي أصبحت معيارًا عالميًا للمطورين، تراهن هواوي على نموذج التكامل بين الرقائق والبنية التحتية السحابية والشبكات.
ولذلك فإن القرار المصري لا يجب أن يكون شراء جهاز أسرع، وإنما بناء منظومة ذكاء اصطناعي قادرة على إنتاج المعرفة والتطبيقات محليًا.
يقول تشنج بينج آن الرئيس التنفيذي لشركة هواوي كلاود إن ريادة الذكاء الاصطناعي لا تعتمد فقط على امتلاك أحدث الشرائح، بل على الابتكار في الحوسبة السحابية وبنية الأنظمة.
ويقول جنسن هوانج – الرئيس التنفيذي لإنفيديا عن تحول الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية جديدة، أن “الذكاء الاصطناعي أصبح الآن بنية تحتية، وهذه البنية مثل الإنترنت والكهرباء تحتاج إلى مصانع”.
أشار هوانج إن مراكز البيانات لم تعد مجرد مراكز تخزين، بل أصبحت “مصانع للذكاء الاصطناعي” تنتج قدرات حسابية تستخدمها الشركات والدول.
وحول ذلك يقول د. أحمد عوض، أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي، إن تلك الأفكار ضرورية؛ حيث أن مصر لا تحتاج فقط شراء شرائح، بل تحتاج بناء “مصانع ذكاء اصطناعي” ومراكز بيانات، وتحتاج إلى بناء منظومة متكاملة تشمل مراكز بيانات متطورة، وتدريب الكوادر البشرية، وإنشاء معامل بحثية، وربط التكنولوجيا بالصناعة والتعليم والقطاعات الحكومية.
تمتلك مصر مقومات مهمة تجعلها مؤهلة لتصبح مركزًا إقليميًا للذكاء الاصطناعي، منها موقعها الجغرافي الذي يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، بالإضافة إلى امتلاكها بنية اتصالات دولية مهمة من خلال شبكة الكابلات البحرية.
يؤكد، لكن مراكز البيانات الحديثة تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الطاقة والتبريد والأمن السيبراني والمعالجة الحسابية.
كما أن العنصر البشري يمثل العامل الأهم، لأن الدول لا تصبح قوى تكنولوجية بمجرد شراء المعدات، وإنما من خلال امتلاك العلماء والمهندسين القادرين على تطوير حلول جديدة.

السيناريو الأفضل لمصر: التوازن التكنولوجي
وعن السيناريو الأفضل لمصر وتنفيذها لبناء السيادة الرقمية التكنولوجية تدريجيًا، يقول د. وائل حنا، خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، أن مصر يمكن أن تستخدم إنفيديا في المجالات التي تحتاج إلى أعلى مستوى من الأداء العالمي، مثل البحث العلمي، والجامعات، وتطوير النماذج المتقدمة، ودعم الشركات الناشئة، وفي الوقت نفسه يمكن الاستفادة من هواوي في مجالات البنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، والمدن الذكية، ونقل الخبرات الهندسية.
يؤكد، أن بهذا الشكل تتحول مصر من مجرد مشترٍ للتكنولوجيا إلى دولة قادرة على بناء منظومة ذكاء اصطناعي وطنية.
ما الذي يجب أن تطلبه مصر في أي صفقة؟
الهدف الحقيقي لا يجب أن يكون شراء آلاف الشرائح فقط، وإنما الحصول على قيمة استراتيجية تشمل إنشاء مركز وطني للذكاء الاصطناعي، وتدريب آلاف المهندسين، ودعم الجامعات، ونقل المعرفة التقنية، وإنشاء برامج بحثية مشتركة، ودعم الشركات الناشئة، والعمل على تطوير صناعة محلية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي مستقبلًا.
القوة ليست في الشريحة فقط، بل في المعرفة التي تُبنى حولها من الناحية التقنية الحالية، تظل إنفيديا هي الأفضل عالميًا بسبب تفوقها في المعالجات ومنظومة CUDA التي أصبحت معيارًا عالميًا في الذكاء الاصطناعي.
أما هواوي فهي تمثل خيارًا استراتيجيًا مهمًا لمصر بسبب قدرتها على تقديم حلول متكاملة وتنويع الشركاء التكنولوجيين.
لكن القرار الأكثر ذكاءً لمصر لا يجب أن يكون اختيار طرف واحد، بل بناء استراتيجية وطنية تجمع بين الاستفادة من أفضل ما تقدمه إنفيديا وهواوي، مع التركيز على بناء القدرات المصرية الذاتية.
فالهدف النهائي ليس أن تصبح مصر أكبر مشترٍ لرقائق الذكاء الاصطناعي، وإنما أن تصبح دولة قادرة على إنتاج الخوارزميات والتطبيقات والمعرفة التي تصنع اقتصاد المستقبل.






