جيل لا يريد الزواج أم يخشى متاهاته؟.. خبراء: الضغوط الاقتصادية والخوف من المسؤولية يوسعان فجوة الرغبة والقدرة

في وقت تراجعت فيه معدلات الإقبال على الزواج، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بنسبة 2.5% عام 2024 مقارنة بعام 2023، ارتفع عدد حالات الطلاق إلى 273892 حالة مقابل 265606 حالات عام 2023، بنسبة زيادة بلغت 3.1%، وبينما كان الزواج حلمًا ومحطة أساسية في حياة الشباب والفتيات، أصبح المشهد أكثر تعقيدًا؛ فهناك من يؤجل الزواج بسبب الظروف الاقتصادية، ومن يخشى تحمل المسؤولية، ومن يتردد خوفًا من تكرار تجارب فاشلة، فيما يرفض آخرون خوض التجربة من الأساس.
حسام: اصطدمت بارتفاع تكاليف الزواج
يقول أيمن، 45 عامًا، إنه نشأ في مستوى اجتماعي وفر له قدرًا كبيرًا من الرفاهية، ولذلك يخشى الزواج والإنجاب لعدم قدرته على توفير المستوى نفسه لأبنائه في ظل ارتفاع الأسعار، مؤكدًا أنه يفضل عدم الإنجاب على أن يعاني أبناؤه مستقبلًا.
أما ريهام، 37 عامًا، فتؤكد أنها لم ترفض الزواج، لكن ارتفاع معدلات الطلاق في محيطها، إلى جانب عدم العثور على شريك بالمواصفات التي تبحث عنها، جعلاها أكثر ترددًا، خاصة مع تخوفها من عدم قدرة الزوج على تحمل المسؤولية.
ويقول حسام، 39 عامًا، إنه كان يرغب في الزواج منذ سنوات، لكنه اصطدم بالظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف الزواج، رغم امتلاكه شقة، موضحًا أن راتبه، الذي يقترب من الحد الأدنى للأجور، لا يكفي احتياجاته الأساسية.
في المقابل، ترى نهى أن عملها وطموحها واستقلاليتها جعلت قرار الزواج أكثر صعوبة، موضحة أنها تبحث عن شريك يشبه والدها في طريقة تعامله مع والدتها، وأن تقدمها في العمر جعلها أكثر نضجًا في الاختيار وأقل قبولًا بما كانت قد تقبله في السابق.
«فرويز»: الضغوط الاقتصادية في مقدمة أسباب عدم الزواج
يوضح الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن الضغوط الاقتصادية تأتي في مقدمة أسباب تردد بعض الشباب، في ظل ارتفاع تكاليف الزواج وما يرتبط بها من مهر وشبكة وقائمة ومؤخر.

ويرى «فرويز» أن السوشيال ميديا أسهمت أيضًا في تكوين صورة سلبية عن الزواج، خصوصًا لدى الشخصيات شديدة التردد، مشيرًا إلى أن بعض الحالات التي يتعامل معها في عيادته تعاني صعوبة اتخاذ قرار الزواج، فتتأجل الخطوة بصورة مستمرة.
ويضيف أن ارتفاع تكاليف الزواج دفع بعض الشباب إلى البحث عن الزواج من خارج مصر، مشيرًا إلى وجود حالات تزوجت من روس وأوكرانيات وصينيات وسوريات ولبنانيات ومغربيات، وبعضها تم عبر الإنترنت، معتبرًا أن هذه الزيجات قد تكون أقل تكلفة من الزواج التقليدي.
كما يشير إلى أن انتشار المحتوى المتكرر عن الخلافات الزوجية والطلاق قد يعزز الخوف من المسؤولية، ويمتد أحيانًا إلى قرار الإنجاب.
«رستم»: الأسرة تؤثر في نظرة الشاب إلى الزواج
وترى الدكتورة هايدي رستم، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، أن وصف الظاهرة بأنها جيل لا يريد الزواج يحتاج إلى قدر من الدقة؛ فهناك من لا يريد الزواج حاليًا، ومن يريده لكنه يخشى مسؤولياته، ومن يريده لكنه لا يستطيع تحمل تكلفته.
وتوضح أن مشاهدة تجارب الطلاق والخلافات الزوجية قد تجعل بعض الشباب يخشون تكرارها، إلا أن تجارب الآخرين لا تعني بالضرورة تكرار السيناريو نفسه، لأن لكل علاقة ظروفها وأطرافها.

وتشير «رستم» إلى أن غياب مهارات التواصل وإدارة الخلافات وحل المشكلات وتحمل المسؤولية قد يجعل الزواج يبدو للبعض عبئًا لا يعرفون كيفية التعامل معه، كما تؤكد أن الأسرة التي نشأ فيها الفرد تؤثر في نظرته إلى الزواج؛ فالحب والاحترام داخل الأسرة قد يصنعان صورة إيجابية، بينما الصراع والعنف وعدم الاستقرار قد تجعل الزواج مرتبطًا في ذهنه بالخوف والمعاناة.
وتلفت أستاذ علم الاجتماع إلى أن المثالية الزائدة في اختيار شريك الحياة قد تكون سببًا آخر لتأخر الزواج، فارتفاع سقف التوقعات بصورة غير واقعية يجعل العثور على الشريك المناسب أكثر صعوبة.
وتوضح شهادات الشباب أن قرار الزواج لم يعد مرتبطًا بالرغبة وحدها، وإنما أصبح محكومًا بحسابات متعددة تبدأ من القدرة على تحمل تكاليف المعيشة والسكن، وتمتد إلى شكل العلاقة المنتظر داخل الأسرة، ومدى الاستعداد النفسي لتحمل الخلافات والمسؤوليات اليومية.
كما أن المقارنة المستمرة عبر منصات التواصل الاجتماعي قد ترفع سقف التوقعات، وتدفع البعض إلى تصور أن الزواج الناجح يجب أن يخلو من المشكلات، وهو تصور غير واقعي.
وفي المقابل، فإن وجود نماذج أسرية مستقرة وعلاقات قائمة على الحوار قد يمنح الشباب رؤية أكثر توازنًا، ويؤكد أن الخلافات ليست بالضرورة دليلًا على فشل الزواج، وإنما أن طريقة التعامل معها هي العامل الأهم.
وتختتم «رستم» بأن الشباب ليسوا كتلة واحدة؛ فبينهم من يريد الزواج لكنه لا يستطيع تحمل تكلفته، ومن يخشى المسؤولية، ومن يتأثر بتجارب أسرته، ومن تؤخره توقعاته المثالية، ويبقى التحدي الحقيقي هو الوصول إلى فهم أكثر واقعية للزواج، يوازن بين المشاعر والإمكانات، ويمنح الشباب مساحة لاتخاذ القرار بعيدًا عن الخوف أو ضغط المجتمع أو الصورة المثالية.






