مقالات

الفوضى الصحية في مصر

كيف نصنع الأزمة؟ ٢

حين يهاجر الطبيب ويبقى المبنى

إذا كان المقال الأول تناول لغز الوحدات الصحية المكتملة الفارغة من أطبائها فإن الجزء الأعمق من الأزمة لا يبدأ من داخل مصر بل من خارجها فالطبيب الذي كان يمكن أن يسدّ فجوة حياة كريمة في قرية بالصعيد يقف اليوم غالبًا خلف طاولة عيادة في الخليج أو أوروبا وليس مصادفة.

يصف نقابيون ما يحدث بأنه يهدد بتصحّر طبي حقيقي وتشير بيانات نقابة الأطباء إلى وجود نحو 260 ألف طبيب مسجل بجداولها يعمل ما يقارب 120 ألفًا منهم بالخارج أي ما يقرب من نصف الأطباء المصريين المسجلين لا يعملون داخل مصر أصلًا، والأخطر من الرقم المطلق هو منحناه الزمني، إذ قفزت أعداد الأطباء المستقيلين من القطاع الحكومي تمهيدًا للحصول على شهادة طبيب حر والسفر من 1044 استقالة فقط عام 2016 إلى أكثر من 7 آلاف استقالة عام 2023 ثم أكثر من 7 آلاف طبيب شاب هاجروا خلال عام 2025 وحده.

هذه ليست هجرة فردية متناثرة بل تيار مستمر يتسارع وفق شهادة نقيب الأطباء نفسه الذي يعزو السبب أساسًا إلى ضعف الأجور مقارنة بالخارج، حيث لا تتجاوز رواتب بعض الأطباء المصريين نحو 2.5% من نظيرتها في بعض الدول وفق تقارير استشهد بها أطباء مصريون إلى جانب ساعات العمل الطويلة وظروف العمل القاسية في أقسام الطوارئ.

وإذا كانت أرقام هجرة الأطباء متضاربة قليلًا بين مصدر وآخر فإن ملف التمريض يعاني من مشكلة أعمق إذ لا أحد يملك رقمًا موحدًا لحجم القوة العاملة أصلًا، فقد أعلنت النقابة العامة للتمريض أن العجز في أعداد الممرضين ارتفع إلى نحو 75 ألفًا على مستوى الجمهورية مع توقعات بأن يتضاعف هذا الرقم بحلول 2030، مع التوسع في التأمين الصحي الشامل، لكن حين يتعلق الأمر بالحجم الكلي لقوة التمريض العاملة فعليًا تتفاوت التصريحات الرسمية بشكل لافت، إذ أشار الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى نحو 227.5 ألف ممرض وممرضة يعملون فعليًا حتى عام 2020، بينما صرحت نقيبة التمريض في مناسبات مختلفة بأرقام وصلت إلى 300 ألف عضو مقيد بجداول النقابة، وهو رقم يشمل غير العاملين فعليًا كالمتقاعدين والمسافرين، وهذا التضارب في حد ذاته مؤشر خطير على أن الدولة تحاول سد عجز في مهنة لا تملك عنها إحصاء موحدًا ودوريًا أصلًا.

وفي جذر كل هذا تكمن مشكلة تمويلية بسيطة في وصفها معقدة في أثرها فمشروعات حياة كريمة الإنشائية تُموَّل من استثمارات حكومية مخصصة للمبادرة بينما تظل أجور الأطباء والتمريض ونفقات التشغيل اليومي تابعة لموازنة وزارة الصحة المنفصلة والمحدودة أصلًا واكتمال بناء الوحدة الصحية بنسبة 100% لا يعني تلقائيًا وجود تمويل لتعيين كادر دائم بها لأن المسارين يخضعان لمنطقين إداريين وماليين مختلفين تمامًا.

وهذا الانفصال يتفاقم في ظل محدودية الإنفاق العام على الصحة عمومًا فبحسب تقديرات منظمات حقوقية دولية تراوحت موازنة الصحة في مصر بين 1% و1.4% فقط من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المالية من 2021 و2022 إلى 2025 و2026 وهي نسبة أقل من الحد الأدنى الذي ينص عليه الدستور المصري نفسه وقدره 3% وأقل بكثير من نسبة الـ15% التي التزمت بها مصر بموجب إعلان أبوجا لعام 2001 ومن نسبة الـ5 إلى 6% التي توصي بها منظمة الصحة العالمية لتحقيق تغطية صحية شاملة حقيقية.

بعبارة أخرى الحكومة تبني بميزانية استثمارية سخية لكنها تُشغّل بميزانية تشغيلية شحيحة وهذا التناقض بين سخاء البناء وشح التشغيل هو ما يفسر في جزء كبير منه لماذا يظل المبنى قائمًا بينما يهاجر من كان يفترض أن يعمل بداخله.

والمفارقة أن دولا أخرى واجهت نفس المعضلة ووضعت لها حلولا مدروسة، ففي تايلاند يلتزم خريجو كليات الطب الحكومية بخدمة إلزامية لمدة ثلاث سنوات لكن هذا الإلزام لا يأتي وحده بل مقترنًا بحزمة حوافز واضحة تشمل راتبًا حكوميًا يمكن دعمه بالعمل في القطاع الخاص بالتوازي أو ما يعادل 250 دولارًا شهريًا لمن يقتصر على العمل الحكومي مع زيادة في الأجر كلما ازدادت درجة نأي المنطقة وأولوية في القبول بالدراسات العليا ودعم سكني ولوجستي وفي تركيا يُلزَم خريجو الطب بخدمة تتراوح بين 300 و600 يوم حسب احتياج المنطقة ولا يُسمح للطبيب بالعمل في القطاع الخاص قبل إتمامها.

والدرس المشترك في هذه التجارب أن الإلزام القانوني وحده لا يكفي أبدًا فهو يحتاج حزمة حوافز مالية ومهنية موازية ومعلنة سلفًا وهذا بالتحديد ما يغيب عن النقاش المصري الحالي الذي يتركز أساسًا على تعديل الإطار القانوني للإلزام في قانون 29 لسنة 1974 أكثر من تفصيل أي حزمة حوافز حقيقية تجعل الطبيب يختار البقاء بمحض إرادته لا أن يُجبر على الرحيل رغم القانون.

وهذا النقاش ليس نظريًا أو إداريًا بحتًا فله ثمن يُقاس بالأرواح فعليًا، فوزارة الصحة تستهدف خفض معدل وفيات الأمهات في مصر من نحو 41 حالة وفاة لكل 100 ألف مولود حي حاليًا إلى 35 حالة بحلول 2030 وهو هدف أكثر طموحًا من هدف الأمم المتحدة البالغ أقل من 70 حالة لكن اللافت أن مسؤولة قطاع الرعاية الأساسية وتنمية الأسرة بالوزارة نفسها أقرّت خلال مؤتمر علمي عُقد في أبريل 2026 بوجود تفاوت في معدلات المضاعفات بين مناطق مصر المختلفة تبعًا لسهولة الوصول إلى الخدمات الصحية وسرعة الاستجابة والتدخل الطبي.

وهذا إقرار رسمي لا اتهام معارض بأن الفجوة الجغرافية في توزيع الأطباء ليست مجرد رقم إداري مزعج بل عامل مباشر في تحديد من تعيش من الأمهات ومن لا تعيش فحين تكون الوحدة الصحية القريبة من قرية نائية بلا طبيب مقيم أو بتغطية جزئية فقط لا تتجاوز ثلاثة أشهر من أصل اثني عشر شهرًا كما أوضحنا فإن سرعة الاستجابة التي تتحدث عنها الوزارة تتحول من معيار طبي إلى قدر جغرافي يحدده مكان ميلاد الأم لا كفاءة النظام الصحي.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى