البحر الأحمر.. القضية التي غيّرت حسابات إثيوبيا

لم يعد البحر الأحمر بالنسبة إلى إثيوبيا مجرد منفذ تجاري تبحث عنه دولة حبيسة، بل تحول إلى قضية سياسية تعيد تعريف موقعها في الإقليم، وهذا التحول هو أحد المفاتيح المهمة لفهم ما يجري اليوم في تيجراي وتصاعد التوتر مع إريتريا، وتداعيات الحرب السودانية.
المشهد لم يعد مجموعة أزمات منفصلة، ثمة خيط واحد يربط بينها، الصراع على النفوذ في منطقة أصبحت جغرافيتها نفسها مصدرًا للقوة والقلق في آن واحد.
الحرب عادت بالفعل إلى تيجراي، فمنذ بداية أغسطس تجددت المواجهات في غرب الإقليم، قبل أن يتم التصعيد إلى استخدام الطائرات المسيّرة، ووصول الضربات إلى ميكيلي في 20 أغسطس، وبالتالي لم يعد السؤال ما إذا كان اتفاق بريتوريا لا يزال صامدًا، وإنما ماذا تعني عودة القتال بالنسبة إلى مستقبل إثيوبيا والمنطقة؟
في تقديري، الخطأ هو التعامل مع التطورات باعتبارها مجرد نسخة جديدة من حرب 2020، إثيوبيا اليوم ليست أديس أبابا تلك الحرب، والبيئة الإقليمية تغيرت بصورة جوهرية.
فبعد انتهاء الحرب، انتقلت قضية البحر الأحمر من كونها مطلبًا اقتصاديًا إلى جزء من التفكير الاستراتيجي الإثيوبي، وبالنسبة إلى أديس أبابا، فإن الوصول إلى البحر يعني تقليص واحدة من أهم القيود الجغرافية التي تواجه اقتصادها وحركتها الإقليمية.
لكن ما تعتبره إثيوبيا ضرورة استراتيجية، تنظر إليه إريتريا من زاوية مختلفة تمامًا.
إريتريا لا تملك مجرد ساحل؛ إنها تملك موقعًا يجعلها لاعبًا مهمًا في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، ولذلك فإن أي توسع في الطموح الإثيوبي تجاه البحر الأحمر لا يمكن أن يُقرأ في أسمرا باعتباره ملفًا اقتصاديًا فقط، بل باعتباره سؤالاً يتعلق بتوازن القوة والأمن القومي، وهنا تظهر المفارقة.
إثيوبيا وإريتريا كانتا حليفتين في حرب تيجراي، لكن انتهاء الحرب أعاد إلى السطح المصالح التي أخفاها التحالف العسكري.
فالتحالف الذي يجمع أطرافًا ضد خصم مشترك قد ينهار بمجرد اختفاء ذلك الخصم، وعندما تتغير المصالح، يصبح الحليف السابق طرفًا يجب إعادة حسابه، وهذا تحديًا ما يجعل تيجراي مهمة مرة أخرى.
فالإقليم ليس مجرد طرف في نزاع إثيوبي داخلي؛ موقعه الجغرافي يجعله نقطة تماس بين إثيوبيا وإريتريا والسودان، وبالتالي فإن أي اضطراب فيه يمكن أن يتحول سريعًا من شأن داخلي إلى قضية إقليمية.
لكن الأكثر خطورة أن عودة القتال تأتي بينما تعاني إثيوبيا من تعدد الأزمات الداخلية، وتواجه الحكومة الفيدرالية تحديات أمنية في أكثر من منطقة، وفي أغسطس ظهرت أيضًا محاولات لتجميع قوى مسلحة متباينة في جبهة واحدة ضد حكومة آبي أحمد، بما يشير إلى أن الأزمة لم تعد محصورة في تيجراي.
وهنا يصبح السؤال أكبر من قدرة الحكومة على السيطرة على إقليم.
هل تستطيع أديس أبابا بناء قوة إقليمية متماسكة بينما تتسع الضغوط داخل الدولة نفسها؟
هذه هي المفارقة التي تستحق التوقف أمامها.
فالدولة التي تريد توسيع نفوذها خارج حدودها تحتاج إلى درجة عالية من التماسك داخلها. وإذا أصبحت قضية البحر الأحمر جزءًا من تعريف المكانة الإثيوبية، فإن أي اضطراب في الشمال لا يمكن أن يُنظر إليه باعتباره مشكلة أمنية محلية فقط.
أما السودان، فيضيف طبقة أخرى من التعقيد.
فالحرب المستمرة هناك أضعفت قدرة الدولة على التحكم الكامل في محيطها، لكنها في الوقت ذاته جعلت موقع السودان أكثر أهمية، فهو يجاور إثيوبيا وإريتريا، ويطل على البحر الأحمر، ويقع في منطقة تتقاطع فيها المصالح الأفريقية والعربية والدولية.
ولهذا فإن ضعف السودان لايعني تراجع أهميته، بل قد يعني العكس تمامًا.
كلما أصبح السودان أكثر هشاشة، أصبحت حدوده أكثر حساسية، وأصبح أي تصعيد في تيجراي أو بين إثيوبيا وإريتريا قابلًا للارتباط بتداعيات الحرب السودانية.
وهنا تتحول الجغرافيا إلى لاعب سياسي.
البحر الأحمر ليس مجرد ممر للسفن، والحدود ليست مجرد خطوط على الخرائط، والموانئ ليست مجرد منشآت اقتصادية، في عالم تتنافس فيه القوى على طرق التجارة والطاقة والممرات البحرية، تتحول هذه العناصر إلى أدوات نفوذ.
ومن هنا، فإن القضية الإثيوبية الحقيقية ليست فقط: هل تحصل إثيوبيا على منفذ بحري؟
السؤال الأعمق هو: كيف سيغير السعي إلى البحر طبيعة السياسة الإثيوبية نفسها؟
إذا أصبح الوصول إلى البحر جزءًا من تصور أديس أبابا لمكانتها كقوة إقليمية، فسوف تتغير حساباتها تجاه إريتريا وتيجراي والسودان، وربما تجاه القوى الدولية الموجودة في البحر الأحمر، وهذا ما يجعل المرحلة الحالية شديدة الحساسية.
فالحرب في تيجراي ليست بالضرورة حربًا منفصلة عن الصراع على النفوذ، كما أن التوتر الإثيوبي–الإريتري ليس مجرد خلاف حدودي، والحرب السودانية ليست أزمة بعيدة عن حسابات القرن الأفريقي.
الخيوط أصبحت متشابكة، وقد تكون أخطر ناحية لذلك أن يبدأ كل طرف في اتخاذ خطوات يعتبرها دفاعية، بينما يقرأها الآخرون باعتبارها استعدادًا للهجوم، هنا لا تحتاج المنطقة إلى قرار معلن بالحرب حتى تدخل مرحلة أكثر خطورة، يكفي أن تتغير الحسابات.
وفي النهاية، فإن قوة إثيوبيا لن تُقاس فقط بحجم جيشها أو اقتصادها، كما أن أهمية إريتريا لن تُقاس بمساحتها، ولن تتحدد أهمية السودان فقط بقدرته على تجاوز حربه.


