
في ممرات الانتظار الطويلة، وبين نداءات الأطباء وآلام المرضى، تتجسد معاناة يومية يعيشها آلاف المترددين على معهد الأورام، حيث لا يقتصر الألم على وطأة المرض، بل يمتد ليشمل رحلة شاقة من الإجراءات البطيئة والتعقيدات الإدارية، تمتد لساعات وأحيانًا أيام، يقضيها المرضى في التنقل بين العيادات والأقسام، بحثًا عن دور أو توقيع أو استكمال أوراق، في وقت يفترض أن تكون فيه السرعة عاملا حاسمًا في رحلة العلاج.
هذه المعاناة، التي تتكرر يوميًا، أصبحت محل شكاوى متصاعدة من المرضى وذويهم، خاصة من الفئات البسيطة التي تجد نفسها عاجزة عن مجاراة الأنظمة الحديثة أو فهم مسارات الخدمة داخل المستشفى، وبين ضغط الأعداد المتزايدة من الحالات، وضعف آليات الدعم والإرشاد، تتحول تجربة العلاج إلى عبء نفسي وجسدي مضاعف، يضع المرضى أمام تحدٍ لا يقل قسوة عن المرض نفسه، ونتيجة لتزايد معاناة المرضى داخل المستشفيات الحكومية،ناقشت لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس النواب أوضاع معهد أورام القاهرة الجديدة، في ضوء طلب الإحاطة المقدم من النائب تامر عبد القادر، والذي سلّط الضوء على التحديات التي يواجهها المرضى، وعلى رأسها تأخر الإجراءات وتزايد شكاوى المترددين.

توصيات برلمانية لتخفيف الضغط
أسفر الاجتماع بمجلس النواب عن توصية اللجنة، برئاسة الدكتور أشرف الشيحي، بتعميم مبادرة «أثر» التي أطلقتها جامعة القاهرة بمختلف الجامعات المصرية، من خلال تطبيق نظام الخدمة المجتمعية الإلزامية لطلاب الجامعات، اعتبارًا من العام الدراسي المقبل، وربطها كشرط أساسي للتخرج، بهدف دعم المؤسسات التعليمية والطبية.
وأكد “الشيحي” أن هذه الخطوة تأتي في إطار تعزيز دور الطلاب في خدمة المجتمع، مشيرًا إلى نجاح تجارب سابقة، مثل محو الأمية، في تحقيق نتائج ملموسة، لافتًا إلى أن إشراك الطلاب في الأعمال الطبية والخدمية يحمل أبعادًا إنسانية وتربوية، إلى جانب مساهمته في تخفيف الضغط على المؤسسات الخدمية، حيث أشار طلب الإحاطة إلى معاناة المرضى من تأخير الإجراءات، إلى جانب صعوبة تواصل البسطاء مع إدارة المعهد وعدم حصولهم على الدعم الكافي، وهو ما أدى إلى تصاعد الشكاوى، في ظل الضغط الكبير على الخدمات المقدمة.
أرقام تكشف حجم التحدي
تعكس الإحصائيات الحديثة لعام 2026/2025 حجم العبء الواقع على قطاع علاج الأورام في مصر، حيث تجاوز عدد المرضى الذين يتلقون العلاج نصف مليون مريض، مع تسجيل نحو 170 ألف حالة إصابة جديدة سنويًا. وتُعد سرطانات الثدي والكبد والرئة من بين الأكثر انتشارًا، فيما تمثل الأورام نحو 14% من إجمالي الوفيات.
ويستقبل المعهد القومي للأورام سنويًا ما بين 29 إلى 35 ألف مريض جديد، أي ما يقرب من ربع مرضى الأورام في مصر، بمتوسط يومي يقترب من 1500 مريض، ما يعكس حجم الضغط الكبير على المؤسسات المتخصصة.

جهود الدولة لمكافحة المرض
وفي سياق موازٍ، تواصل الدولة جهودها لمكافحة المرض وتعزيز الاكتشاف المبكر، حيث تم فحص نحو 15 مليون مواطن ضمن المبادرات الرئاسية، ما ساهم في تراجع نسب بعض أنواع السرطان، خاصة سرطان الكبد. كما تستمر الشبكة القومية للأورام، التي تضم نحو 40 فرعًا، في تقديم خدماتها لتغطية مختلف المحافظات.

الأبعاد الإنسانية للأزمة
خلال هذا الطرح، كشف النائب تامر عبد القادر، في تصريحاته لـ”ليبرالي”، عن تقييمه لأوضاع المعهد، ورؤيته للحلول العاجلة، ومدى إمكانية الاستفادة من مقترح الخدمة المجتمعية في دعم المنظومة الصحية، موضحًا أن أن لجنة التعليم والبحث العلمي، خلال مناقشة طلب الإحاطة الذي تقدم به بشأن وجود قصور في مستشفى الثدي التابع للمعهد القومي للأورام بالقاهرة الجديدة، استعرضت حجم الخدمات الطبية التي تقدمها جامعة القاهرة، مشيرًا إلى أنها تمتلك 27 مستشفى تقدم خدمات طبية لعدد كبير من المرضى من مختلف أنحاء الجمهورية، من الإسكندرية حتى أسوان، مشيرًا إلى أن مستشفى الثدي يُعد من المستشفيات المتميزة نظرًا لتخصصه، لافتًا إلى أن مصر حققت تقدمًا ملحوظًا في مجال التكنولوجيا الحديثة والتحول الرقمي، وهو ما انعكس على تطوير العديد من المستشفيات، حيث أصبح التحول الرقمي يمثل نقلة نوعية في المنظومة الصحية.

وأكد “عبد القادر” أن مضمون طلب الإحاطة يركز على شريحة المرضى البسطاء، الذين لا يجيدون التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، موضحًا أن بعضهم لا يمتلك هواتف محمولة، أو يستخدم أجهزة بسيطة لا تدعم الأنظمة الرقمية، فضلا عن وجود حالات لا تجيد القراءة والكتابة، ما يصعب عليهم التنقل داخل المستشفى أو الوصول إلى العيادات، خاصة في ظل معاناتهم الصحية، مضيفًا أن هذه الخدمة متوفرة في عدد من المستشفيات، إلا أنه رصد عدم توفرها في مستشفى أورام الثدي بالقاهرة الجديدة، ما دفعه للمطالبة بإنشاء إدارة متخصصة لتقديم الدعم والمرافقة للمرضى.
وأشار إلى أن مناقشات اللجنة شهدت توافقًا على أهمية هذا الطرح، مع التوصية بضرورة تخصيص موظفين لمرافقة المرضى داخل المستشفى، مشيدًا برد رئيس جامعة القاهرة، الذي أوضح وجود ما يُعرف بـ”إدارة الملاحة العلاجية”، لتولي هذه المهمة، من خلال توفير عناصر بشرية لمساعدة المرضى، إلى جانب إطلاق منصة حديثة تضم طلاب الجامعة لدعم المشاركة المجتمعية، والاستعانة بهم في مساندة المرضى داخل المستشفيات.
كما لفت إلى وجود جهود مجتمعية قائمة، من بينها مشاركة اتحاد سيدات القاهرة الجديدة في دعم المرضى داخل مستشفى الثدي وعدد من المستشفيات الأخرى، مع التوجه لتعزيز هذا الدور خلال الفترة المقبلة، مختتمًا تصريحاته بالتأكيد على أن القضية شهدت تفاعلاً وتجاوبًا من مختلف الأطراف، مشددًا على أهمية تكامل الجهود بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني، لضمان حصول المرضى البسطاء على خدمة طبية كريمة وميسرة.





