مصطفى علوان

في هدوء ما بعد عواصف الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا حينما كان تقويم الأيام يشير إلى عام 1946، كانت الأرض المصرية على موعد مع مخاضٍ استثنائي لم يدرك أحد سره إلا بعد مرور عقود في ذلك العام، لم تكن الصرخة التي خرجت من أحياء السيدة زينب، والورديان، والزقازيق، مجرد صرخات ميلاد عادية لأطفالٍ جدد، بل كانت إعلانًا خفيًا عن ولادة دستور جديد للأداء التمثيلي في الشرق الأوسط.
بينما كانت السينما المصرية حينها غارقة في قصص القصور وأناقة “الجانات” والفتوات، كان القدر في زوايا مصر المختلفة يهيئ ثلاثة صبية سيغيرون كل ذلك، لم يكن عام 1946 مجرد رقم في شهادات ميلادهم، بل كان “كلمة السر” التي جمعت بين عقل نور الشريف المنظم، وسحر محمود عبد العزيز المتجدد، وجموح أحمد زكي الذي لا يهدأ.
هؤلاء الثلاثة، الذين استنشقوا هواء نفس العام، كبروا وهم لا يعلمون أن رحلتهم ستتقاطع لتشكل “المثلث الذهبي” الذي سينقل السينما من بريق الاستوديوهات المصطنعة إلى عرق الشوارع، وأوجاع البيوت البسيطة، وأحلام المهمشين إنها صدفة الـ 365 يومًا التي منحتنا تاريخًا لا يموت، وجيلاً ذهبيًا وُلد من رحم عام واحد ليصبح هو المرجع الأول والأخير لكل من يقف خلف الكاميرا أو أمامها.

محمود عبد العزيز “الساحر” الذي روض البهجة والشجن
لم تكن مسيرة محمود عبد العزيز مجرد قائمة من الأفلام، بل كانت رحلة في اكتشاف النفس البشرية، حيث بدأ كفتى الشاشة الوسيم في السبعينيات بمجموعة من الأفلام الرومانسية منها “حتى آخر العمر” و”الحفيد”، لكنه سرعان ما أثبت أن موهبته أكبر من مجرد ملامح جذابة، وانطلق “الساحر” نحو آفاق أرحب، فقدم للسينما شخصيات لا تُنسى، لعل أبرزها “الشيخ حسني” في فيلم “الكيت كات”، ذلك الكفيف الذي يرى بقلبه ما لا يراه المبصرون، وهو الدور الذي يُعد درسًا في عبقرية الأداء.
تجلت عظمة محمود عبد العزيز في قدرته على الجمع بين “الكاراكتر” الكوميدي كما في “الشقة من حق الزوجة” و”يا عزيزي كلنا لصوص”، وبين الأدوار المخابراتية والوطنية الثقيلة، حيث يظل مسلسله “رأفت الهجان” هو الأيقونة التي توقف عندها الزمن، بالإضافة إلى أفلامه السياسية الجريئة مثل “البريء” و”الدنيا على جناح يمامة”، حيث كان قادرًا على تحويل أبسط الكلمات إلى “إفيهات” خالدة، وأعقد الشخصيات إلى كائنات من لحم ودم تعيش بيننا.

أحمد زكي “الإمبراطور” الذي صهر الواقع في بوتقة الفن
يمثل أحمد زكي قمة الهرم في فن “التقمص” فلم يكن يكتفي بحفظ الحوار، بل كان يستحضر روح الشخصية في نبرة صوته، مشيته، وحتى لمعة عينيه، بدأت شرارته في “مدرسة المشاغبين” على المسرح، لكن السينما كانت ملعبه الحقيقي، حيث قدم “ثلاثية الزعماء” ببراعة منقطعة النظير في “ناصر 56″، و”أيام السادات”، وصولاً إلى فيلمه الأخير “حليم”.
ولكن تظل قوة “زكي” الحقيقية في انحيازه للبسطاء فجسد بؤس “عبد السميع” في “البيه البواب”، وعنفوان “منتصر” في “الهروب”، لم يكن يخشى تقديم الشخصيات المعقدة أو المشوهة نفسيًا، كما في “زوجة رجل مهم” و”المخطوفة” و”ضد الحكومة”، ومسيرته كانت صرخة في وجه التقليدية، حيث أثبت أن الممثل الأسمر ذو الملامح المصرية الخالصة يمكنه أن يتربع على عرش “النجم الأول” لسنوات طويلة، معتمدًا فقط على صدقه الفني الذي لا يُضاهى.

نور الشريف “فيلسوف” الفن وصانع جيل بأكمله
كان نور الشريف يرى التمثيل رسالة تنويرية قبل أن يكون مهنة؛ لذا اتسمت مسيرته بالعمق الثقافي والذكاء الشديد في اختيار النصوص، بدأ كنجم صاعد في الستينيات بفيلم “قصر الشوق”، واستمر في التطور حتى أصبح “أيقونة” السينما الواقعية في الثمانينيات، وقدم للسينما أعمالاً خالدة ناقشت قضايا فلسفية وسياسية مثل “ناجي العلي”، “المصير” (بدور ابن رشد)، و”غريب في بيتي” الذي كشف عن موهبة كوميدية فطرية، بالإضافة إلى ملحمته الاجتماعية “العار” و”جري الوحوش”.
ولم تتوقف عبقريته عند شاشة السينما، بل كان “ملك الدراما الرمضانية” بلا منازع من خلال مسلسلات شكلت وعي الشعوب العربية مثل “لن أعيش في جلباب أبي” بشخصية “عبد الغفور البرعي” الشهيرة، و”عائلة الحاج متولي”، و”عمر بن عبد العزيز”، وتميز نور الشريف بكونه “كشافًا” للمواهب فقد قدم عشرات المخرجين والمؤلفين والوجوه الجديدة، مما جعل مسيرته مدرسة تخرج منها أجيال، ليظل “الأستاذ” الذي جمع بين موهبة الممثل، وعقلية المنتج، وروح المعلم.







