من النحاس إلى الطربوش و”الأزء”.. حكايات مهن تصارع الزمن في صمت

نهاد شعبان

حرفيون بلا ورثة.. وصناعات على حافة النسيان

في حارة ضيقة بحي الغورية، تتصاعد رائحة الدهان والخشب المحروق، يجلس رجل ستيني أمام قطعة نحاس قديمة، ينقر عليها بمطرقته الصغيرة بإيقاع يحفظه منذ عمره الثامن، وحين تسأله إن كان أحد أبنائه سيرث المهنة، يبتسم ابتسامة حزينة ويقول:” إيه إللي هيخليه يجي هنا؟ بيقولوا التليفونات سهلت كل حاجة، ومبقاش حد عاوز يتعلم مهنة صعبة”، هذا المشهد يتكرر في كل حي قديم بمصر، من القاهرة التاريخية إلى الإسكندرية والمحلة وأسوان، حرفيون شيوخ يحملون في أيديهم إرثًا يمتد لقرون، وأمامهم ورش كانت يومًا تضج بالعمال، فأصبحت اليوم مجرد ذاكرة تنتظر الإغلاق، ويديرها الزمن نحو النسيان ومن بينها.

الأرابيسك “نقش الهوية على الخشب”
لا يعرف كثيرون أن كلمة “أرابيسك” نفسها مشتقة من كلمة إيطالية معناها “عربي الطابع”، فهذا الفن الهندسي المتشابك المستوحى من الخطوط والنجوم والأشكال الهندسية هو بصمة المسلمين الأولى في عالم الفنون الزخرفية، في مصر تحديدًا، تطورت صناعة الأرابيسك على مدار قرون حتى باتت تُعرف المعمار الإسلامي في القاهرة أمام العالم كله، كما أن تصنيع قطعة أرابيسك واحدة ليس عملًا بسيطًا، يبدأ الحرفي بتقطيع أخشاب الجوز أو الزان إلى أعواد رفيعة متساوية، ثم يبدأ عملية “التركيب” أو ما يُعرف بـ”الخرط”، وهي عملية إدخال هذه الأعواد في بعضها بدون مسامير أو غراء، معتمدًا فقط على الحساب الهندسي الدقيق وتداخل القطع، والنتيجة تصبح شبكة هندسية محكمة لا تتفكك حتى لو مر عليها مئة عام.

أما اليوم، فتعاني ورش الأرابيسك في حي باب الوزير ومنطقة النحاسين من ثلاث أزمات متزامنة من أهمها أزمة التوريث حيث يرفض أبناء الحرفيين الدخول في المهنة لأنها مرهقة وعائدها المادي محدود، وأيضًا أزمة المنافسة من المنتجات الصينية التي تقلد الأرابيسك بأسعار أرخص بعشر مرات رغم أنها لا تحمل أي قيمة حرفية حقيقية، بالإضافة إلى أزمة الخامات، حيث أصبح خشب الجوز الأصيل نادرًا ومرتفع التكلفة”.

الفخار .. من أدوات الحياة لقطع ديكور
في قرية “الفواخير” بمدينة الفسطاط بمصر القديمة، يُولد الأطفال ورائحة الطين في أنفاسهم، هذه القرية التي اشتهرت بصناعة الفخار منذ عصر الفراعنة، كانت تصدر منتجاتها إلى محافظات مصر كلها وإلى السودان ودول الخليج، فتجد أسماء مثل “الزير»” و”البلاص” و”القلة” ليست مجرد أوانٍ، بل هي جزء من الموروث اليومي للمصريين الذين استخدموا هذه الأواني لتبريد المياه وحفظ الطعام.

وتبدأ عملية صنع الفخار باختيار الطين الأزرق من ضفاف النيل، وهو طين له مواصفات خاصة تجعله أكثر مرونة من غيره، ثم يُنقع ويُعجن حتى يصبح لينًا، ثم يُشكل على “الدولاب” أو “الأيد” بحسب نوع القطعة، ثم يُجفَف في الشمس وتُرسم عليه زخارف يدوية بأصباغ طبيعية، وأخيرًا يُحرق في أفران تعمل بالحطب أو بمخلفات قصب السكر، لكن هذه الصناعة تنهار بسبب انحسار الطين النيلي الجيد عقب بناء السد العالي، وانتشار البلاستيك الرخيص الذي حل محل الأواني الفخارية في كل بيت مصري، فضلا عن ضعف التسويق وغياب الدعم الحكومي الجاد، فبعض الأسر التي كانت تمتلك أكثر من ورشة، باتت اليوم تعمل بورشة واحدة تجلس فيها عجوز لتبيع ما تبقى من مخزون.

مهنة الأزء.. رجال البحر المنسيون
لا تجد كثيرًا ممن يعرفون هذه الكلمة خارج دائرة أهل البحر، و”الأز” هي مهنة عريقة عُرفت على سواحل مصر ودلتا النيل منذ قرون، وتقوم على رفع السفن والمراكب من الماء وتثبيتها على اليابسة لإجراء أعمال الصيانة والإصلاح، ثم إعادتها إلى البحر أو النهر سليمة، ويبدو الأمر بسيطًا من بعيد، لكنه علم قائم بذاته، أما الأزاز -وهو اسم من يمتهن هذه الحرفة- فيحتاج إلى خبرة عميقة في حساب وزن السفينة وتوزيع ثقلها، ومعرفة دقيقة بأنواع الأخشاب المستخدمة في دعامات الإسناد حتى لا تنكسر السفينة تحت ثقلها، كما يحتاج إلى قراءة دقيقة لمستوى المد والجزر في مناطق الشواطئ، ويستخدم أدوات تقليدية من أبرزها “البكَرة” وحبال السحب الكبيرة وألواح الخشب المزلقة”، وفي مدن كبورسعيد والإسكندرية ورشيد وإدكو، كان الأز ركيزة لا غنى عنها لأسطول الصيد، كل مركب تحتاج كل عام أو عامين إلى النزول لتنظيف قاعها من الطحالب والأصداف البحرية، وإعادة دهانها بمادة “القار” الحامية من الماء، وبدون الأزاز لا تستطيع هذه المراكب الاستمرار في العمل.

لكن ما جرى على مدى العقود الأخيرة أن الكثير من المراكب الخشبية أصبحت تُستبدل بمراكب من الفيبر جلاس تحتاج لنوع مختلف من الصيانة، كما أن الوحدات العائمة الكبيرة باتت تذهب لأحواض بناء السفن الحديثة، والمفارقة أن هذه المهنة لا تحتاج إلى آلات معقدة أو تكنولوجيا باهظة، ولكنها علم في الرأس وخبرة في اليد، وحين يرحل آخر من يحملها لن يُعاد اكتشافها بسهولة.

الطربوش.. رمز الهوية الذي انتهى دوره
لمن لا يعرف فالطربوش ليس مجرد قبعة حمراء، كان لعقود طويلة رمزًا للرجل المصري المتحضر، ووضعًا اجتماعيًا وتعبيرًا عن الهوية والانتماء، ارتداه الملوك والباشوات والتجار والموظفون والطلاب، وحين قررت ثورة 1952 تغيير ملامح مصر، كان الطربوش من أول ما اختفى من المشهد تدريجيًا، صناعة الطربوش في مصر كانت تتركز في مناطق محددة بالقاهرة القديمة، تبدأ بنسيج نوع خاص من اللباد -وهو قماش مضغوط ذو كثافة عالية -ثم يُشكَل وهو ساخن على قوالب خشبية مدورة بأحجام مختلفة، ثم يُصبغ باللون الأحمر القرمزي باستخدام أصباغ طبيعية تقليدياً، ثم يُضاف إليه الخيط الأسود المتدلي من القمة المعروف بالعذبة.

أما اليوم، لا يكاد يعرف في مصر من يصنع الطربوش إلا عدد يُعد على الأصابع، أغلبهم متقدمون في السن وورشهم تعمل بطاقة متدنية جدًا، والطلب القليل الموجود يأتي من شركات السينما والمسرح لأغراض الأزياء التاريخية، ومن بعض السياح الذين يريدون تذكارًا أصيلاً، لكن حتى هذا الطلب الضئيل لا يكفي لإبقاء المهنة حية.

النحاس المنقوش.. صوت المطارق الذي يضعف
في حي النحاسين بالدرب الأحمر، وهو الحي الذي أعطى اسمه لشارعه الشهير، كانت تُصنع قِدرة كل عائلة مصرية، ليس قِدرًا عاديًا من الألومنيوم أو الستانلس ستيل، بل قِدرة من النحاس الأحمر أو الأصفر، تحكها أم البيت حتى تلمع ثم تضعها في مكان بارز كتحفة تفخر بها،وتجمع صناعة النحاس المنقوش بين مهارتين الطرق والنقش، فالطرق هو تشكيل النحاس على هيئة إناء أو صينية أو مبخرة باستخدام المطارق المتدرجة الأحجام، والنقش هو رسم الزخارف الإسلامية والنباتية والخطية على سطح النحاس باستخدام أزاميل حادة الرأس، فبعض القطع تستغرق أسبوعًا كاملاً من العمل المتواصل.

أزمة النحاسين اليوم مزدوجة، فمن ناحية، أصبحت أدوات المطبخ المصنوعة من مواد أخرى أرخص وأخف وأسهل، ومن ناحية أخرى، حتى أسعار النحاس الخام ارتفعت بشكل جنوني جعل هامش الربح ضيقًا جداً، من بقي منهم يعمل بشكل أساسي على الطلبات الخاصة أو في إنتاج تحف للتصدير.

الخيامية ..حين يصبح القماش لوحة فنية
ربما تكون الخيامية أقل المهن المذكورة في هذا التقرير شهرةً خارج مصر، لكنها من أكثرها اتساقًا مع روح الفن الإسلامي، تاريخيًا، كان “شارع الخيامية” في القاهرة يزخر بمحلات تصنع خيام الاحتفالات الكبرى -موالد الأولياء، وأفراح الأمراء، وجنازات الكبار – وكانت هذه الخيام تُغطى بأقمشة مطرزة بزخارف فائقة الجمال، حيث يقوم فن الخيامية على تقنية التطعيم  أي تقطيع قطع قماش ملونة بأشكال هندسية أو نباتية دقيقة وخياطتها على قماش أساسي لتشكيل لوحة، فالعملية دقيقة وتستلزم صبرًا غير عادي؛ قطعة بحجم متوسط قد تحتوي على آلاف القطع الصغيرة، لا يمكن لمن ليس لديه سنوات من التدريب أن ينجز قطعة خيامية حقيقية، كما أن أصحاب الورش القليلة الباقية في شارع الخيامية يشتكون من نفس المشكلة وهي أنه لا أحد يريد التعلم، الشباب يرون في العمل اليدوي المتقن مضيعة للوقت مقارنة بأي وظيفة أخرى، بعض الورش تستعين الآن بعمال من الصعيد القادمين إلى القاهرة، لكن التدريب طويل والأجر متواضع، مما يجعل الاستمرار في تدريب جيل جديد تحديًا حقيقيًا.

لماذا تختفي هذه الصناعات؟
تختفي هذه الصناعات تدريجيًا تحت وطأة مجموعة من التحولات السريعة التي غيرت شكل الحياة والإنتاج معًا، فالتكنولوجيا الحديثة فرضت واقعًا جديدًا، حيث أصبحت الآلات قادرة على إنتاج كميات أكبر في وقت أقل وبتكلفة أقل، ما جعل المنتجات اليدوية تبدو أقل قدرة على المنافسة في السوق، وفي الوقت نفسه، تغير الذوق العام لدى المستهلكين، الذين باتوا يميلون إلى السلع الجاهزة والسريعة، دون الالتفات إلى القيمة الفنية أو التراثية التي تحملها المشغولات اليدوية.

إلى جانب ذلك، تعاني هذه الحرف من ضعف واضح في الدعم، سواء من حيث التدريب أو التسويق، ما يجعل استمرارها أمرًا بالغ الصعوبة، خاصة في ظل غياب قنوات حديثة تساعد الحرفيين على الوصول إلى جمهور أوسع، ومع قسوة ظروف العمل وانخفاض العائد المادي، يضطر كثير من الحرفيين إلى ترك مهنتهم بحثًا عن فرص أفضل، لتفقد هذه الصناعات تدريجيًا خبراتها المتراكمة.

لكن الأزمة الأعمق تكمن في غياب التوريث المهني، حيث لم يعد الشباب يقبلون على تعلم هذه الحرف، معتبرين إياها مهنًا شاقة لا تواكب تطلعاتهم، وهو ما يهدد بانقطاع السلسلة التي حافظت على هذه الصناعات عبر أجيال طويلة، وهكذا لا تختفي الحرف فقط، بل يتلاشى معها جزء من الهوية الثقافية التي شكّلت ملامح المجتمع لسنوات طويلة.

هل يمكن إنقاذ هذه الصناعات قبل أن تختفي تمامًا؟
رغم الصورة القاتمة التي تفرض نفسها على الواقع، فإن الأمل لا يزال قائمًا، مدفوعًا بمحاولات جادة -وإن كانت محدودة-لإحياء هذه الحرف وإعادة دمجها في الحياة المعاصرة، فقد بدأت بعض الجهات في إنشاء مدارس ومراكز متخصصة لتعليم الحرف التراثية، في محاولة لنقل الخبرات من الأجيال القديمة إلى الشباب، والحفاظ على المهارات التي تراكمت عبر سنوات طويلة، هذه المبادرات لا تقتصر فقط على التدريب، بل تسعى أيضًا إلى إعادة الاعتبار للحرفة باعتبارها مسارًا مهنيًا حقيقيًا، وليس مجرد عمل تقليدي محدود الدخل.

في السياق نفسه، يظهر قطاع السياحة كأحد أهم المنافذ التي يمكن أن تعيد لهذه الصناعات جزءًا من بريقها، حيث يقبل السائحون على المنتجات اليدوية بوصفها تعبيرًا أصيلًا عن ثقافة البلد، ومع تنامي الاعتماد على التكنولوجيا، أصبح التسويق الإلكتروني أداة واعدة، تتيح للحرفيين عرض منتجاتهم خارج حدود الورش الضيقة والوصول إلى أسواق أوسع، سواء داخل مصر أو خارجها، كما ظهرت محاولات لدمج التصميمات الحديثة مع الحرف التقليدية، بما يواكب أذواق الأجيال الجديدة دون التفريط في روح التراث، وهو اتجاه قد يمنح هذه الصناعات فرصة حقيقية للاستمرار والتطور بدلًا من الجمود، ومع ذلك، تبقى هذه الجهود متفرقة وغير كافية إذا ما قورنت بحجم التحديات التي تواجهها هذه المهن، ما يستدعي رؤية أشمل ودعمًا أكبر يضمن لها البقاء، ليس فقط كذكرى من الماضي، بل كجزء حي من الحاضر والمستقبل.