في ذكرى ميلاد “الشرير الضاحك”.. توفيق الدقن عبقري الارتجال وصاحب أشهر “إفيهات” السينما

مصطفى علوان

مع حلول ذكرى ميلاد أحد أعمدة العصر الذهبي للسينما المصرية، الفنان القدير توفيق الدقن، لا يمكننا أن ننسى ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد ممثل يؤدي أدوار الشر، بل كان مدرسة خاصة نجحت في تطويع “البلطجة” لتصبح قوالب كوميدية لا تُنسى، وصاحب “الإفيهات” العابرة للأجيال التي لا تزال تتردد على الألسنة حتى يومنا هذا.

عبقرية الارتجال “أحلى من الشرف مافيش”
لم يكن “الدقن” مجرد مؤدٍ لنصوص مكتوبة، بل كان شريكًا في صناعة الشخصية تميز بعفوية نادرة وقدرة فائقة على الارتجال، وهو ما دفع كبار المخرجين لمنحه مساحات حرة داخل الكادر، ومن رحم هذه الحرية، ولدت جملته الشهيرة في فيلم “أحبك يا حسن” “1958” “أحلى من الشرف مافيش يا آه يا آه”، وهي الجملة التي لم تكن في السيناريو الأصلي، بل كانت ابتكارًا ذاتيًا لخدمة شخصية “عبده دانص”، لتتحول بعدها إلى واحدة من أشهر لزمات السينما العربية.

من السكة الحديد إلى “نادي الزمالك” بدايات غير متوقعة
قبل أن تطأ قدماه خشبة المسرح، عاش الدقن حياة حافلة بالتناقضات عمل موظفاً بالسكة الحديد، وكاتبًا للمخالفات بنيابة المنيا، بل وكان لاعبًا بارعًا لكرة القدم في صفوف نادي الزمالك، إلا أن نداهة الفن كانت أقوى، ليلتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ويبدأ مشواره من “المسرح الحر” وصولاً إلى “المسرح القومي”، حيث قدم روائع مثل “الفرافير” و”سكة السلامة”.

الرحلة مع توفيق صالح سينما الوعي والتمرد
شكل توفيق الدقن مع المخرج العبقري توفيق صالح ثنائيًا فنيًا فريدًا، اصطدما خلاله بقيود الأنظمة وتحجّر الأيديولوجيات بحثًا عن فن حر، وكانت المحطة الأبرز في هذا التعاون فيلم “درب المهابيل” عام 1955، الذي كتبه الأديب العالمي نجيب محفوظ، الفيلم الذي احتل المركز الـ 42 في قائمة أفضل 100 فيلم مصري، جسد فيه الدقن دور “عبده”، مقدمًا مع صالح رؤية نقدية عميقة حول زيف الثراء السريع واللهاث وراء ضربات الحظ.

إرث سينمائي بالأرقام
غادرنا الدقن تاركًا خلفه ثروة فنية هائلة تتجاوز450 فيلمًا سينمائيًا من أبرزها “ابن حميدو”، “سر طاقية الإخفاء”، “في بيتنا رجل”، و”على باب الوزير”، و120 عملاً مسرحياً تركت بصمة في تاريخ المسرح المصري الحديث.

مفارقة الاسم “بدل فاقد”
خلف ملامح الشر القوية على الشاشة، كان يختبئ قلب ودود وشخصية إنسانية هادئة كما وصفة كثير من أصحابة والمقربين منه، وقد كشف “الدقن” في أحاديثه عن مفارقة غريبة في حياته، حيث سُمي “توفيق” تيمنًا بشقيقه الأكبر الذي رحل صغيرًا، واستخدم والده شهادة ميلاد الأخ الراحل لتسجيل المولود الجديد، فكان الدقن يمازح المقربين منه قائلاً “أنا عشت في الدنيا دي بدل فاقد”.

رحل توفيق الدقن جسدًا، لكنه ظل باقياً بأدواره التي تحدت الزمن، وحصل على وسام العلوم والفنون ووسام الجدارة، تقديرًا لمسيرة فنان استطاع أن يقف بجانب عمالقة الشر مثل محمود المليجي وفريد شوقي، ليحفر لنفسه مكانًا لا يملؤه غيره في وجدان المشاهد العربي.