أصغر فرهادي.. المخرج الذي جعل ضجيج الحياة موسيقى للسينما

مصطفى علوان

يحتفل العالم السينمائي اليوم بذكرى ميلاد المخرج الإيراني القدير أصغر فرهادي، الذي أتم عامه الرابع والخمسين، لم يكن “فرهادي” مجرد عابر سبيل في تاريخ الفن السابع، بل هو المبدع الذي أعاد صياغة “الواقعية المفرطة” ونقل السينما الإيرانية من المحلية إلى ذروة التتويج العالمي، حاملاً في جعبته جائزتي “أوسكار” صاغتا اعترافًا دوليًا بعبقرية استثنائية تنطلق من أزقة أصفهان لتخاطب الضمير الإنساني في كل مكان.

وفي يوم ميلاده، نستعرض ملامح مسيرة هذا “المهندس” السينمائي الذي يرفض القواعد الثابتة، ويؤمن بأن السينما “صفقة” عادلة مع الجمهور، قوامها الصدق وغياب الزيف، حتى في أدق تفاصيل غياب الموسيقى التصويرية التي استبدلها بضجيج الحياة الحقيقي.

من “الرقص في الغبار” إلى منصات التتويج
بدأت رحلة “فرهادي” الأكاديمية في جامعة طهران، حيث صقل موهبته في الفنون الجميلة والمسرح، وهو ما يفسر النفس المسرحي العميق في أفلامه، انطلق سينمائيًا بفيلم “الرقص في الغبار” عام 2003، لكن الانفجار الحقيقي كان مع فيلم “انفصال” عام 2011، الذي لم يحصد جائزتي “الأوسكار” و”الكرة الذهبية” فحسب، بل تحول إلى نموذج يُدرس في كبرى الجامعات كمرجع للإحكام الدرامي، وتوالت النجاحات بفيلم “البائع” الذي منحه الأوسكار الثاني، وفيلم “عن إيلي” الذي انتزع به جائزة “الدب الفضي” في مهرجان برلين.

معمل الإبداع اصطياد الومضة من بئر اللاوعي
يرى “فرهادي” أن عملية الكتابة هي تزاوج فريد بين الوعي واللاوعي، فالمبدع في نظره يمتلك “قاعدة بيانات” هائلة في أعماقه، لا تحتاج سوى لـ “كلمة سر” للوصول إليها، هذه الكلمة قد تكون ومضة أو صورة عابرة، تماماً كما حدث في فيلم “انفصال” الذي وُلدت فكرته من صورة حكاها له شقيقه عن جده المصاب بالزهايمر وهو يغسله ويبكي، تلك اللقطة كانت بمثابة “المغناطيس” الذي جذب بقية الشخصيات والأحداث من بئر الذاكرة لتشكل بناءً دراميًا متكاملاً.

الحكي الشفهي وبوصلة الانفعالات
وفي منهجية عمله، يرفض فرهادي صورة الكاتب الحبيس في غرفته، بل يفضل عرض مسوداته وقصصه “حكيًا” على الأصدقاء والعائلة قبل اعتمادها، فهو لا يبحث عن نقد نظري، بل يراقب ردود أفعالهم الجسدية العفوية، فيرصد لحظات الحزن، أو علامات فقدان الاهتمام، معتبراً تلك الانفعالات الصادقة هي البوصلة الحقيقية التي توجهه لإعادة هيكلة القصة وتطويرها بما يضمن ملامستها لروح المشاهد.

من الأسرة إلى قلب المجتمع
لطالما كان تركيز فرهادي منصبًا على الطبقة الوسطى، كونه ينتمي إليها ويرى فيها التداخل الأعمق بين الثقافة والاقتصاد أما العلاقات الزوجية، فيصفها بأنها “محيط لا متناهٍ” فهي أقدم علاقة إنسانية في التاريخ، لكن مشاكلها تتجدد يوميًا بخصوصية مذهلة ومن خلال هذا “الثقب” الضيق في باب المنزل الصغير، ينجح “فرهادي” في النفاذ إلى قلب المجتمع بأكمله، مستعرضًا قضايا الأخلاق والطبقية ببراعة فائقة.

جسر بين المسرح والسينما
وفي عمله “البائع”، تجلى حنين “فرهادي” للمسرح من خلال دمج بارع مع مسرحية “موت بائع متجول” فقد منح أبطاله مهنة التمثيل ليعكس قدرتهم على “الإحساس بالآخر”، وربط بين واقعهم وبين شخصيات المسرحية من خلال ثيمة “الشعور بالذل” وانتهاك الخصوصية بهذا الربط، ردم “فرهادي” الحدود بين خشبة المسرح والواقع المعاش، مؤكداً أن الفن والحياة وجهان لعملة واحدة.

الحقيقة في التفاصيل الصغيرة
إن تجربة أصغر فرهادي، التي جابت العالم من الهند إلى إسبانيا، تثبت أن السينما الصادقة لا تحتاج إلى جواز سفر لتصل إلى القلوب، وفي ذكرى ميلاده، يبقى درسه الأهم لكل المبدعين أن يقدروا قيمة “اللاوعي” ويطلقوا له العنان، فالحقيقة تكمن دائماً في تلك التفاصيل الصغيرة التي قد لا تراها العين المجردة، لكن يشعر بها الوجدان.