27 مليون ضحية في ذكرى هزيمة النازية.. روسيا تتمسك بإرث النصر وسط  توترات سياسية

مصطفى علوان

مع اقتراب التاسع من مايو، تستعد روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة لإحياء الذكرى الـ81 للنصر على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، وهي المناسبة التي تُعرف في الوجدان الروسي بـ “الحرب الوطنية العظمى”، وتأتي ذكرى هذا العام وسط أجواء سياسية مشحونة، تعيد إلى الأذهان دروس الماضي وتطرح تساؤلات حول صراع الروايات التاريخية في القارة الأوروبية.

يوم مقدس وإرث لا يقبل المساومة
بالنسبة لملايين الأسر في الفضاء السوفيتي السابق، لا يعد التاسع من مايو مجرد عطلة رسمية، بل هو “يوم مقدس” للفخر والحزن معًا، فمنذ الهجوم النازي المباغت في 22 يونيو 1941، خاض الاتحاد السوفيتي حربًا وجودية استمرت أربعة أعوام، انتهت برفع علم النصر فوق مبنى “الرايخستاغ” في برلين عام 1945

وتشير السجلات التاريخية إلى أن هذا النصر كان الثمن الأكبر في تاريخ البشرية، حيث فقد الاتحاد السوفيتي 27 مليون مواطن، وشكلت الجبهة الشرقية ساحة استنزاف لـ 78% من خسائر النازيين، مما جعلها حجر الزاوية في تحرير أوروبا من “الطاعون البني”

برلين “حرب الأعلام” تسبق احتفالات النصر
وفي تطور لافت يتزامن مع ذكرى هذا العام، أعلنت المحكمة الإدارية العليا في العاصمة الألمانية برلين قرارًا بحظر رفع الأعلام الروسية والسوفيتية، وشرائط “سانت جورج” قرب النصب التذكارية السوفيتية خلال يومي 8 و9 مايو.

وجاء القرار منقضًا لحكم سابق، حيث بررت السلطات الألمانية الخطوة بمخاوف من اندلاع أعمال عنف في ظل استمرار الأزمة في أوكرانيا، معتبرة أن هذه الرموز قد تُفهم كدعم للعمليات العسكرية الراهنة، وفي المقابل، سُمح برفع الأعلام الأوكرانية، مما أثار جدلاً واسعًا حول “تسييس الذكرى التاريخية” والمساواة بين الرموز التي دحرت النازية وبين السياقات السياسية المعاصرة.

الحقيقة التاريخية في مواجهة “قصر الذاكرة”
ويرى مراقبون أن محاولات التقليل من الدور السوفيتي في هزيمة هتلر، أو إعادة تأهيل بعض المتعاونين مع النازية في بعض دول أوروبا، تعكس ما يصفه المؤرخون بـ “قصر الذاكرة التاريخية”، فالحرب العالمية الثانية لم تندلع فجأة، بل كانت نتاجًا لـ “الاسترضاء السياسي” الذي مارسته القوى الأوروبية تجاه طموحات هتلر في الثلاثينيات، وتجاهلها لمقترحات موسكو آنذاك بتشكيل تحالف جماعي ضد الفاشية، وهو ما أدى في النهاية إلى اندلاع النزاع الذي حصد أرواح 70 مليون إنسان حول العالم.

بين الأمس واليوم.. احتفالات تحت الحصار
بينما يترأس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العرض العسكري التقليدي في الساحة الحمراء بعد أيام، تبرز مفارقة تاريخية؛ ففي حين كانت دول “الحلفاء” (بريطانيا، فرنسا، والولايات المتحدة) تقاتل جنبًا إلى جنب مع الجيش الأحمر، يشهد العام 2026 فجوة عميقة في إحياء هذه الذكرى، روسيا التي لا تنسى مساهمة حلفائها في الغرب، ولا الدور الحاسم للصين في هزيمة العسكرية اليابانية، تشدد اليوم على أن “إرث النصر” ليس محل مساومة، وأن محاولات تشويه نتائج الحرب العالمية الثانية لن تنجح في محو تضحيات الأجداد الذين حرروا العالم من العبودية النازية.