جدل مستمر.. هل “هندسة المجال العمالي” وراء مد الدورة النقابية؟  

تأجيل انتخابات النقابات العمالية أثار جدلا كبيرًا – التصميم للمفوضية المصرية للحقوق والحريات

يتواصل الرفض العمالي الحقوقي في مواجهة موافقة لجنة القوى العاملة بمجلس النواب على التوصية الصادرة عن المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي بمد الفترة الانتخابية للدورة النقابية الحالية لمدة ستة أشهر، والذي أقره مجلس الوزراء ، وسط مخاوف مما وصفه البعض بهندسة المجال العمالي بجانب اهدار حق العمال في الاختيار الدوري لممثليهم، ومطالبات برفض مجلس النواب للتأجيل.

شبهة كبيرة

من جانبه يعتبر القيادي العمالي حسن بربري الباحث المتخصص في ملف النقابات العمالية، في حديثه لـ”ليبرالي”، ما حدث يحوطه شبهة كبيرة تتمثل في إعطاء فرصة لاتحاد العمال الرسمي لتجهيز نفسه للانتخابات، في ظل أن كل المؤشرات كان تؤكد وجود ارتباك كبير داخل الاتحاد واهتزاز الكتل التصويتية الخاصة به، نتيجة عدة عوامل منها خصخصة بعض الشركات.

حسن بربري

ويوضح بربري أن الوسط العمالي كان يستعد لخوض الانتخابات، ولكن جاء القرار في اللحظات الأخيرة بالتوصية الخاصة بتأجيل الانتخابات ومد الدورة النقابية لمدة 6 شهور مع دراسة جعل الدورة النقابية 5 سنوات بدلاً من 4 سنوات، ليشكل أمراً صادماً لكل القوى العمالة التي كان تستعد لتجديد دماء نقاباتها.

ويشير القيادي العمالي إلى أنه لا يتفق بشكل كبير مع ما يتردد أن التأجيل بغرض هندسة المجال العمالي، بقدر ما يرى أن الأمر كله تجهيز للمسرح الانتخابي للاتحاد العام الرسمي، وفق رأيه، مشدداً على ضرورة رفض مجلس النواب في جلسته العامة لذلك المد وإعطاء العمال الأمل في إمكانية التغيير عبر صناديق الاقتراع وحماية مصالحهم.

مساس بالتداول الديمقراطي

وأعلن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في بيان الأحد 17 مايو، رفضه القاطع لأي اتجاه نحو مد الدورة النقابية الحالية، موضحًا أن ذلك يعد مساسا جوهريا بمبدأ التداول الديمقراطي داخل التنظيمات النقابية، وإهدارٍ لحق العمال الأصيل في الاختيار الحر والدوري لممثليهم.

وأكد  المركز رفضه فرض أو استمرار تشكيلات ومجالس نقابية دون تفويض انتخابي متجدد من القواعد العمالية، باعتبار أن الشرعية النقابية لا تُستمد إلا من الإرادة الحرة والمباشرة للعمال عبر انتخابات دورية نزيهة، وفق تأكيد البيان.

ولفت الانتباه إلى أن الواقع العمالي والاقتصادي والتشريعي قد شهد تغيرات جوهرية ومتسارعة خلال السنوات الأربع الأخيرة، الأمر الذي يجعل استمرار مجالس جرى انتخابها في ظل ظروف قانونية واقتصادية مغايرة أمرًا لا يعكس بالضرورة الإرادة الحالية للعمال أو أولوياتهم المستجدة.

وأشار في بيانه إلى أنه كان الأجدر أن تتجه التعديلات المقترحة إلى معالجة أوجه القصور التشريعي والتنظيمي التي كشفت عنها الممارسة العملية، وفي مقدمتها وضع تنظيم قانوني واضح وفعال لإجراءات التظلمات والطعون الانتخابية، وإعادة الاختصاص القضائي الأصيل بالفصل في الطعون والرقابة على العملية الانتخابية إلى محاكم مجلس الدولة والنص صراحة على ضمانات وآليات قانونية تكفل الحيلولة دون أي تدخل إداري، مباشر أو غير مباشر، في إجراءات الترشح أو سير العملية الانتخابية.

موافقة 11 مايو

ووافقت القوى العاملة بالبرلمان في 11 مايو الجاري على التوصية الصادرة عن المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي بمد الفترة الانتخابية للدورة النقابية الحالية لمدة ستة أشهر، والذي أقره مجلس الوزراء بتاريخ 29 أبريل الماضي.

في المقابل، أصدر نقابيون وعمال ومهتمون بالشأن العمالي بيانا مشتركاً حمل عنوان “نداء إلى أعضاء مجلس النواب” طالبوا أعضاء مجلس النواب برفض هذه التوصية وعدم تمرير أي تعديل تشريعي يستند إليها، مؤكدين أن هذه الخطوة تمثل التفافاً على جوهر الحق في التنظيم النقابي، وتكريساً لنهج التدخل الإداري في شؤون النقابات، بدلاً من معالجة أوجه القصور الحقيقية في قانون المنظمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017.

ووقع على البيان العديد من الأحزاب والنقابات العمالية والمؤسسات الحقوقية والشخصيات العامة من بينهم: محمد أنور السادات نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ودار الخدمات النقابية.

وكشف نواب معارضون لـ”ليبرالي” في وقت سابق أنهم بصدد مواصلة الرفض عند مناقشة الأمر في الجلسة العامة لمجلس النواب

مخاوف من هندسة المجال النقابي

في سياق متصل، كشفت ورقة حقوقية أعدتها، المفوضية المصرية للحقوق والحريات، عقب توصية المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي، بتأجيل الانتخابات النقابية العمالية وتمديد الدورة، عن مخاوف أن يكون التأجيل ” أداة لإعادة هندسة المجال النقابي، وإطالة بقاء القيادات الحالية، وتأجيل حق ملايين العمال في اختيار ممثليهم بحرية”، وفق المفوضية.

وأكدت المفوضية، أن الانتخابات النقابية ليست إجراءً شكليًا، بل آلية أساسية لضمان التمثيل الديمقراطي ومساءلة القيادات؛ وأي تعطيل لهذا الاستحقاق ينعكس مباشرة على أوضاع الأجور، وظروف العمل، والاستقرار الاجتماعي.

 وأشارت إلى أنه لا يمكن قراءة التأجيل المقترح بمعزل عن تاريخ طويل من تعطيل الاستحقاقات النقابية أو إخضاعها لاعتبارات سياسية وإدارية، حيث شهدت مصر في فترات سابقة تمديدًا متكررًا للدورات النقابية وتجميداً للانتخابات (كما حدث بين 2006 و2018)، واستخدامًا للإجراءات الشكلية كوسيلة لإقصاء المنافسين، وفق رصد المفوضية.

عمال مصريون – صورة ارشيفية

وأوضحت أن انتخابات 2018 مثلت نموذجًا واضحًا لاستخدام الاشتراطات الإدارية والوثائقية بصورة أثارت اعتراضات واسعة، حيث حرم عدد كبير من المرشحين والتنظيمات المستقلة من خوض المنافسة الفعلية. وبالتالي، فالمفوضية المصرية للحقوق والحريات تعتقد أن تأجيل الانتخابات الحالية استمرار لنمط يقوم على التحكم في توقيتات وحدود التمثيل العمالي.

 وأشارت إلى أن التأجيل يتزامن مع مقترحات لمد الدورة النقابية من أربع سنوات إلى خمس، موضحة أنه  لو أُجريت الانتخابات في موعدها، لخضعت المجالس القادمة للمدة الحالية، أما التأجيل، فيمنح فرصة لإقرار التعديل أولًا، بحيث تستفيد منه المجالس المنتخبة المقبلة مباشرة، بما يطيل بقاء القيادات ويزيد من كلفة الجمود النقابي، وفق رأى المفوضية.

 وأكدت أن التأجيل يضع الدولة في تعارض مباشر مع التزاماتها الدولية، وتحديداً الاتفاقية رقم 87 لسنة 1948 التي تكفل للمنظمات العمالية حق انتخاب ممثليها بحرية تامة دون تدخل إداري، كما يفرغ الاتفاقية رقم 98 (حق المفاوضة الجماعية) من مضمونها، إذ لا يمكن تصور مفاوضة تقودها قيادات فرضتها قرارات المد الإداري.

 وطرحت المفوضية المصرية مسارًا يبدأ بإعلان جدول زمني واضح وملزم لإجراء الانتخابات، مع إتاحة قواعد البيانات للعمال والتنظيمات النقابية وتمكينهم من مراجعتها والتظلم من أي أخطاء، إلى جانب نشر شروط الترشح بصورة شفافة ومعلنة للجميع، بجانب توفير ضمانات حقيقية لنزاهة العملية الانتخابية، من خلال السماح بالمتابعة المستقلة، وتأهيل اللجان المشرفة، وتوفير وسائل تصويت موثوقة تضمن سهولة المشاركة وعدم إقصاء أي فئة من العمال، وفتح حوار مجتمعي جاد حول إصلاح الإطار التشريعي المنظم للعمل النقابي، بعد الانتخابات المقررة، خصوصا تطبيق القانون رقم 213 لسنة 2017، بما يشمل مراجعة القيود المفروضة على تأسيس التنظيمات النقابية، وتعزيز تمثيل العمالة غير المنتظمة، وتوفير ضمانات أكبر لاستقلال النقابات ودورها في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال.

مبرر الحكومة

وأكد وزير العمل حسن رداد،في تصريحات سابقة، أن مشروع قانون تأجيل إجراء الانتخابات العمالية لمدة ستة أشهر، جاء بناءً على توصية صادرة عن المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي، الذي يضم أطراف العملية الإنتاجية الثلاثة: الحكومة، وأصحاب الأعمال، والعمال.

حسن رداد وزير العمل

وأوضح الوزير أن هذه التوصية جاءت استجابةً لطلبات مقدمة من عدد من التنظيمات النقابية العمالية، سواء الاتحاد العام لنقابات عمال مصر والنقابات التابعة له، أو النقابات غير التابعة له، والتي رأت أهمية تأجيل الانتخابات في ظل تزامنها مع مؤتمرات العمل العربية والدولية، بما قد يؤثر على سير العملية الانتخابية بالشكل الأمثل.