بينما كنت أجلس في أحد العزاءات مؤخرا، انتابني شعور غريب لم أستطع تجاهله، لم يكن الحزن وحده هو الحاضر، بل كان هناك شيء أخر يلفت الانتباه أكثر من صوت القرآن أو ملامح الانكسار على وجوه أهل المتوفى، شعرت أن العزاء لم يعد كما كان، وأن كثيرا من العادات التي تربينا عليها بدأت تختفي تدريجيا، لتحل محلها تصرفات جديدة تعكس تغيرا واضحا في طبيعة المجتمع نفسه.
أتذكر جيدا كيف كانت مراسم العزاء قديما تحمل معنى حقيقيا للمواساة والتكافل، كان الناس يذهبون بدافع المشاركة الصادقة، لا بدافع الظهور أو المجاملة الاجتماعية فقط، كان الجميع يلتفون حول أهل المتوفى، يحاولون تخفيف العبء عنهم بأي طريقة ممكنة، الجيران والأقارب كانوا يتكفلون بإعداد الطعام لعدة أيام، لأن أهل البيت في حالة لا تسمح لهم بالتفكير في تفاصيل الحياة اليومية، كانت هناك مشاعر حقيقية تُترجم إلى أفعال، وكان الحزن يُقاس بصدق المساندة لا بعدد الحضور أو نوعية الملابس.
أما اليوم فالمشهد يبدو مختلفا إلى حد كبير، في الكثير من العزاءات التي حضرتها مؤخرا، لاحظت أن بعض الناس يأتون وكأنهم ذاهبون إلى مناسبة اجتماعية أكثر من كونها لحظة عزاء، أشخاص لم يلتقوا منذ سنوات يستغلون الفرصة للحديث والضحك واسترجاع الذكريات القديمة، وأخرون ينشغلون بمراقبة الحضور، من جاء ومن لم يأت، ومن ارتدى ماذا، ومن بدا عليه الثراء أو التغير، أحيانا تشعر أن أهل المتوفى أنفسهم أصبحوا في الخلفية، بينما تتصدر الأحاديث الجانبية المشهد كله!.
والأمر لا يتعلق بالحديث العابر أو السلام بين الناس، فهذا طبيعي، لكن المؤلم هو اختفاء روح المواساة الحقيقية، حتى أصبح البعض يحضر لدقائق معدودة فقط لالتقاط “واجب العزاء”، ثم ينشغل بالحديث عن الآخرين أو بتصفح هاتفه، وكأن وجوده مجرد تأدية واجب اجتماعي سريع، بل إن بعض العزاءات تحولت إلى مساحة للمقارنات الخفية، مقارنة في الشكليات، أو المكان، أو مستوى التنظيم، وكأن الحزن نفسه أصبح محاصرا بالمظاهر.
وما يدعو للتأمل أن المجتمع قديمًا، رغم بساطته وقلة الإمكانيات، كان أكثر دفئا وإنسانية، حيث لم تكن هناك قاعات فخمة أو ترتيبات مبالغ فيها، لكن كان هناك حضور حقيقي للناس في وقت الشدة، الجار كان يشعر أن مصيبة جاره تخصه هو أيضا، والقريب كان يبقى لساعات طويلة فقط ليخفف عن أهل البيت أو يساعدهم في أي شيء، حتى الأطفال كانوا يتعلمون أن العزاء مكان للهدوء والاحترام، لا للضوضاء أو الاستعراض.
ربما تغير الزمن، وتغيرت معه طبيعة العلاقات الإنسانية، فأصبحنا نعيش حياة أسرع وأكثر انشغالا، وأصبحت المجاملات أحيانا تتغلب على المشاعر الصادقة، كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا في تحويل الكثير من المناسبات الإنسانية إلى مشاهد اجتماعية تُقاس بالحضور والصور، حتى الحزن لم يسلم من فكرة “الظهور” أمام الناس، لكن السؤال الأهم هو ماذا خسرنا ونحن نغير هذه العادات؟ في رأيي، نحن لا نخسر مجرد طقوس قديمة، بل نخسر جزءا من المعنى الإنساني الذي كان يربط الناس ببعضهم، فالعزاء لم يكن يومًا مجرد كرسي وصفوف من المعزين، بل كان مساحة يشعر فيها الإنسان أنه ليس وحده في لحظات الانكسار، كانت قيمة العزاء في “السند”، لا في عدد الحضور أو شكل المناسبة.
والأصعب من ذلك أن أهل المتوفى أنفسهم قد يشعرون أحيانا بالغربة وسط كل هذا الزحام، فهم يحتاجون إلى كلمة صادقة، إلى من يخفف عنهم ولو بالصمت، لا إلى أحاديث جانبية تدور حول الناس وأخبارهم، فالحزن بطبيعته يحتاج إلى احترام، لكننا أحيانا نتعامل معه كأنه مجرد محطة اجتماعية عابرة.
ورغم كل ذلك، لا يمكن تعميم الصورة بالكامل، فما زال هناك كثيرون يحتفظون بجمال العادات القديمة، ويحرصون على أن يكون حضورهم في العزاء مواساة حقيقية لا مجرد واجب، وما زالت هناك بيوت تعرف معنى “الجبر”، وما زال هناك أناس يتركون كل شيء فقط ليقفوا بجوار من فقدوا أحباءهم، لكن الظواهر الجديدة أصبحت واضحة بما يكفي لإفساد قدسية لحظات العزاء والمواساة، فربما نحتاج أن نراجع أنفسنا قليلا، وأن نستعيد المعنى الحقيقي للمواساة، ليس المطلوب أن نعود كما كنا تماما، فالزمن يتغير بطبيعته، لكن على الأقل ألا نفقد الجوهر الإنساني وسط هذا التغير، فالعزاء في النهاية ليس مكانا لاستعراض العلاقات أو متابعة أخبار الناس، بل لحظة إنسانية خالصة يحتاج فيها المنكسر إلى حضور صادق أكثر من أي شيء آخر، وكلما خرجت من عزاء في الفترة الأخيرة، ظل داخلي شعور واحد لا يفارقني هو أننا لم نفقد بعض العادات فقط، بل فقدنا شيئا من دفء الناس أيضا.





