كارثة تربوية أم جرس إنذار؟.. رسوب جماعي بمواد الهوية في المدارس الدولية يشعل غضب البرلمان والأحزاب

تحذيرات من تهديد الانتماء الوطني ومطالب بمحاسبة المقصرين وتشديد الرقابة على “بيزنس التعليم الدولي”



شهدت الأوساط التعليمية والسياسية في مصر مؤخرًا موجة عارمة من القلق والاضطراب، إثر الكشف عن مخرجات نتائج امتحانات طلاب المدارس الدولية “الإنترناشونال”، والتي حملت في طياتها صدمة غير متوقعة تمثلت في تزايد معدلات الرسوب الجماعي في المواد القومية ومواد الهوية، وعلى رأسها اللغة العربية، والتربية الدينية، والدراسات الاجتماعية والتاريخ.

هذا الارتداد العنيف داخل المنظومة التعليمية لم يقف عند حدود الشكاوى الأكاديمية لأولياء الأمور، بل تحول إلى قضية أمن قومي تبنتها الأحزاب السياسية بمختلف خلفياتها وأيديولوجياتها، مرسلةً تحذيرات حاسمة من خطورة انسلاخ الأجيال الجديدة عن جذورها الثقافية، وفتحت النيران صوب آليات الرقابة الرسمية التي تمارسها وزارة التربية والتعليم على ما بات يُعرف بـ “بيزنس التعليم الدولي”، وفي هذا التقرير، يضع “ليبرالي” هذه الأزمة الشائكة تحت مجهر المساءلة.

دلالات الأزمة
تراوحت القراءة السياسية والبرلمانية للظاهرة بين التحذير من “كارثة تربوية” ووصف الوضع بـ”المأساة الحقيقية”، حيث أكد اللواء هاني أباظة، رئيس لجنة التعليم في حزب الوفد، لـ”ليبرالي”، أن :”تزايد حالات رسوب طلاب المدارس الدولية في المواد القومية وخاصة التربية الدينية والدراسات الاجتماعية لا يمكن تصنيفه مجرد تعثر دراسي عابر، بل هو كارثة حقيقية بكل المقاييس التربوية والسياسية، أحدثت هزة عنيفة وحالة من الغضب المستحق والاضطراب البالغ داخل الأسر المصرية”، مضيفًا أن الظاهرة في عمقها تعكس تهاونًا غير مقبولاً في التعامل مع المقومات الأساسية المكونة للشخصية المصرية وتكشف بوضوح عن وجود خلل بنيوي يهدد البناء النفسي والمعرفي للطلاب منذ الصغر.

وفي سياق متصل، شدد النائب محمود سامي، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بمجلس الشيوخ، في تصريحات لـ”ليبرالي”، على أن:” الحزب يبتعد تمامًا عن استخدام المصطلحات الفضفاضة أو الرنانة، لكنه يواجه الواقع بشجاعة ليعلن أن المنظومة أمام مأساة حقيقية وملموسة للغاية، حيث باتت أجيال متعاقبة من أبناء وبنات هذا الوطن وتحديدًا في قطاع التعليم الدولي، تعجز تمامًا عن التحدث بلغة عربية سليمة، أو تفتقد القدرة على كتابتها وقراءتها بشكل صحيح، وهو وضع مؤسف تجسد في تراجع الكفاءة التراكمية، وتجاوز الفروق الطبقية ليصبح ظاهرة متفشية تستدعي وقفة رادعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه”.

ومن جانبه، أوضح رضا فرحات، نائب رئيس حزب المؤتمر، لـ”ليبرالي”، أن هذه الظاهرة تعد مؤشرًا كاشفاً بامتياز لطبيعة التحولات الجارية داخل المنظومة التعليمية ذات الطابع الدولي، والتي تقوم فلسفتها في الجوهر على الانفتاح التام على المناهج العالمية، لكنها تفشل في إحداث التوازن الواعي والمعادلة الدقيقة بين اكتساب المهارات الكونية وتثبيت المرجعية الوطنية، ومن ثم فإن هذا الرسوب لا يعكس ضعفًا ذهنيًا لدى الطلاب بقدر ما يكشف عن فجوة وانفصال معرفي جعل من مواد الهوية محتوى معزولاً ومغترباً عن التجربة التعليمية اليومية للطالب، وهو ما يتطلب إعادة ضبط واعية للعلاقة بين العالمي والمحلي.

بينما أشار الدكتور محمد الغمري، أمين لجنة التعليم بحزب “المصريين”، في تصريحات لـ”ليبرالي”، إلى أن اللجنة تابعت هذا الملف بمسؤولية بالغة وجدية شديدة، وترى أن رسوب الطلاب في مواد الهوية الوطنية ليس أزمة عابرة، بل هو مؤشر يستوجب التوقف والمراجعة والتقييم؛ إذ إن رغبة الدولة في إعداد طلاب قادرين على المنافسة في بيئة عالمية متطورة، يجب ألا تأتي أبدًا على حساب الانتماء الوطني، أو إغفال لغة الوطن وتاريخه وقيمه الحضارية، لأن بناء الشخصية المتوازنة يستلزم بالضرورة الجمع بين الوعي القومي والمهارة الدولية.

 التشخيص المعرفي بين الأزمة التعليمية واختراق الأمن الثقافي
قطع اللواء هاني أباظة، الشك باليقين معلناً أن القضية تتجاوز بكثير حدود الأزمة التعليمية النمطية لتتماس مباشرة مع قضية الأمن القومي والأمن الاجتماعي للمجتمع المصري، قائلاً إن:” إهمال اللغة العربية، والتربية الدينية، والتاريخ، هو استهداف غير مباشر للهوية المصرية والانتماء، وتجريف متعمد للوازع الديني والأخلاقي الذي يجب أن يُغرس في نفوس الأطفال منذ نعومة أظفارهم، وبالتالي فإن ترك المدارس الدولية تعبث بهذه الثوابت دون رقيب يمثل تهديداً حقيقياً لتماسك المجتمع ومستقبله الثقافي”.

وعلى الجانب الآخر، أوضح النائب محمود سامي، أن التدني التراكمي في جودة التعليم برمتها جعل المنظومة التعليمية في وضع بائس للغاية، وهو ما يفسر الانهيار الحاصل في وعي الطلاب، مضيفًا:” فالأزمة ليست محصورة في الهوية فقط بل تمتد لتراجع الكفاءة في جميع المواد كالتاريخ والعلوم والحساب، حيث تحول التعليم إلى عملية ميكانيكية بحتة مفرغة من مضمونها المعرفي، هدفها الأسمى والأوحد حشو المعلومات المؤقتة للحصول على درجات ورقية تضمن الترقي الاجتماعي والشهادات، دون بناء حقيقي للعقل، مما جعل جدران الأمن الثقافي هشة أمام قوى الجذب للوراء”.

وفي قراءة أكثر تفكيكاً للظاهرة، أفاد رضا فرحات، بأن المساءلة لا تكمن في الاختيار الحاد بين كونها “أزمة تعليمية” أو “اختراقا ثقافيا”، بل هي منطقة تداخل وتشابك وعر بين الاثنين، فمن الناحية التربوية، يسود خلل واضح في طريقة دمج هذه المقررات داخل النماذج الدولية والتعامل معها كأجزاء منفصلة وميكانيكية، مما يضعف استيعابها الفلسفي، وهذا التفكك المعرفي يؤدي بالتبعية إلى تفكك جزئي في المرجعية الثقافية للطلاب، ولذا فإن الأمر لا يمثل تهديدًا تخريبيًا مباشرًا بقدر ما هو “إنذار مبكر” يحذر من اتساع الفجوة بين العالمية والانتماء الثقافي.

بينما لفت الدكتور محمد الغمري، إلى أن القضية تمثل مؤشرًا مهمًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى قدرة الدولة على الحفاظ على الهوية الثقافية والوطنية للأجيال الجديدة وسط أمواج العولمة التعليمية، مضيفًا”: فالأمر لا يتوقف عند حدود التحصيل الأكاديمي الصرف، بل يمتد ليمس جوهر الوعي الوطني، ومن هنا يأتي التأكيد على دعم كافة الإجراءات السيادية والتوجهات التي تتخذها وزارة التربية والتعليم لضبط المنظومة وإعادة الاعتبار لمواد الهوية، انطلاقاً من الحق الأصيل للدولة في أن يمتلك جميع خريجيها الحد الأدنى من ثقافة بلادهم ولغتها الرسمية”.

خارطة الطريق
أعلن اللواء هاني أباظة، عن خطة برلمانية عاجلة تتلخص في تقديم طلب إحاطة رسمي وتساؤلات حادة داخل مجلس النواب، يتضمن مقترحًا تربويًا استثنائيًا يقضي بترحيل الموضوعات الدراسية لمادتي الدين والدراسات الاجتماعية التي رسب فيها الطلاب هذا العام ليتم ضمها وتحميلها على مناهج العام الدراسي المقبل مع تيسير نجاحهم الحالي تفاديًا لضياع السنة الدراسية، وفي حال رفض هذا المقترح، يرى ضرورة إلغاء الإجازة الصيفية للطلاب الراسبين، وإلزام معلمي المواد القومية بالحضور يومين أسبوعياً لإعادة تدريس المناهج وشرحها بكثافة، مع تشديد الرقابة على التظلمات لإنصاف الطلاب الذين وقعوا ضحية لتقصير مشترك.

ومن جهته، أكد النائب محمود سامي أن الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، ستظل متمسكة بملف التعليم كأولوية قصوى للأمن القومي المصري، وتتلخص المقترحات في إحداث ثورة إصلاحية شاملة تعيد الاعتبار للكيف وليس الكم، والتركيز على “كيفية التعلم” لا “كيفية تحصيل الشهادة”، مع ضرورة تبني استراتيجيات عاجلة لدعم استخدام اللغة العربية وتعزيز مكانتها على كافة المستويات التعليمية والإعلامية، ومواجهة “طيور الظلام” وقوى الجذب للوراء التي تقف بالمرصاد لأي محاولات تطوير حقيقية مثلما حدث مع التجربة السابقة للوزير الأسبق طارق شوقي، وذلك عبر تشديد الرقابة والمحاسبة الصارمة على جودة المخرجات والعملية التعليمية برمتها.

وفي إطار الحلول الهيكلية، اقترح رضا فرحات، صياغة توازن دقيق وتكامل واعٍ عبر إعادة تصميم فلسفة تدريس مواد الهوية داخل المدارس الدولية، بحيث لا تُقدم كمقررات جامدة قائمة على الحفظ والتلقين يسهل إهمالها، بل كمنظومة معرفية ممتدة وإطار تفسيري عام يتقاطع مع التاريخ والعلوم والمجتمع، بالإضافة إلى تطوير أدوات التدريس لتتحول إلى محتوى تحليلي وتفاعلي مرتبط بالواقع المعاصر، مع رفع كفاءة إعداد المعلمين وتأهيلهم مهاريًا باعتبارهم الأداة الأساسية لنقل القيم والمعاني، فضلاً عن تحويل دور الرقابة لقياس الأثر التربوي والثقافي الملموس في وعي الطلاب وسلوكهم.

كما طرح الدكتور محمد الغمري، حزمة من الإجراءات العملية، شملت تشديد المتابعة الأكاديمية اللصيقة لمواد الهوية داخل المروق الدولي، ورفع كفاءة معلمي اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية عبر برامج تدريب وتأهيل مستمرة ومكثفة، وربط الاعتماد الأكاديمي وتجديد تراخيص المدارس بمستوى التزامها بتحقيق نتائج حقيقية وملموسة في تلك المواد، علاوة على التوسع في الأنشطة الثقافية والرحلات الوطنية التي تعزز ارتباط الطلاب بحضارة وتاريخ مصر العريق، مع ضرورة تفعيل دور أولياء الأمور وتوجيه اهتمامهم نحو هذه المواد بدلاً من قصرها على اللغات والمواد الأجنبية فقط.

المقصلة الرقابية
وجه اللواء هاني أباظة اتهامًا مباشرًا وصاعقًا لوزارة التربية والتعليم، محملاً إياها المسئولية الأولى والأكبر عن هذه الأزمة لغياب الرقابة والمتابعة الميدانية الفعالة، الأمر الذي سمح لهذه المدارس بتقليص حصص المواد القومية وإهمالها طوال العام بشكل غير عادل، مطالبًا باتخاذ إجراءات تصحيحية وعقابية عاجلة وفورية، تشمل تعنيف الإدارات التعليمية والمديريات المقصرة، وإجراء حركة تدوير ونقل واسعة للمسؤولين والقيادات “النائمين” عن متابعة المدارس، فضلاً عن اتخاذ قرارات حاسمة وعزل المسئولين عن ملف التعليم الخاص بالوزارة لتقصيرهم الفاضح في المتابعة الميدانية.

وانتقد النائب محمود سامي، حصر النقاش حول الرقابة في زاوية إجرائية ضيقة أو الاكتفاء بالحديث عن الأمور المالية، مؤكداً أن الرقابة الحقيقية يجب أن تنصب بالأساس على “جودة التعليم” وأثر المحتوى التعليمي في عقول الطلاب؛ ويرى أن الوزارة مطالبة اليوم بالإشراف الصارم والمحاسبة الفورية على المخرجات المعرفية برمتها لمنع تخريج طلاب يعتمدون على اجتياز الامتحانات بوسائل غير مشروعة كالغش أو الحفظ المؤقت، معتبرًا أن التراخي في ضبط “بيزنس” المدارس الدولية دون رقابة تربوية حازمة هو إفشال حقيقي لجهود الدولة في بناء الإنسان.

ومن جهته، رأى رضا فرحات، أن المنظومة الرقابية الحالية ليست قاصرة أو مكتملة بشكل مطلق، لكنها تعاني من إشكال جوهري يتمثل في التركيز على الجوانب الإجرائية والشكلية فقط “كالرسوم والضوابط الإدارية والتراخيص”، بينما التحدي الحقيقي يكمن في المخرجات الثقافية والتربوية ووعي الطلاب ومن ثم فإن الأمر يستوجب الانتقال الفوري من الرقابة الشكلية إلى “رقابة قياس الأثر”، أما فيما يتعلق بسحب التراخيص، فيرى أنه أداة دولة مشروعة وسلاح سيادي لا ينبغي استخدامه كخيار تلقائي أو أولي، بل يظل الاستثناء الحتمي والعقوبة القصوى عند ثبوت مخالفات جوهرية تمس الثوابت الوطنية وفشل أدوات التصحيح والإنذار.

واختتم الدكتور محمد الغمري، الرؤية التحليلية بمطالبة الوزارة بمزيد من الرقابة الحازمة والتقييم المستمر لقطاع التعليم الدولي؛ لضمان عدم الخروج عن الثوابت الوطنية، وفيما يخص المدارس المخالفة والمهملة لتدريس مواد الهوية، أكد ضرورة تطبيق عقوبات حاسمة ومتدرجة بدقة وفقاً لحجم المخالفة، تبدأ من توجيه الإنذارات الرسمية ووضع خطط تصحيحية إلزامية تحت إشراف الوزارة، مرورًا بفرض الغرامات المالية والإجراءات الإدارية الصارمة، وصولاً إلى الإجراء الحتمي المتمثل في “سحب الترخيص” فوراً في الحالات الجسيمة، أو عند تكرار المخالفات العمدية وعدم الالتزام بتصويب الأوضاع، مشددًا على أن نجاح أي مؤسسة تعليمية داخل الدولة المصرية يجب أن يُقاس بمدى اعتزاز طلابها بلغتهم العربية وتاريخهم الوطني وانتمائهم الأصيل.