جلس موسى (عليه السلام) تحت شجرة في مدين لا يملك شيئًا خرج من مصر خائفًا، وترك وراءه أهله وبلده وماضيه من أجل مستقبل غير معلوم. وبعد أن سقى الماء للفتاتين قال دعاءً قصيرًا صار من أشهر الأدعية في القرآن:
“رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير”.
كان محتاجًا إلى كل شيء، لكنه ترك لله أن يختار له الخير.
فجاءه الخير أسرع مما توقع؛ طعام بعد جوع، وأمان بعد خوف، واستقرار بعد ضياع، ثم زوجة وأسرة ومستقبل جديد.
ثم جاءت النعمة الأكبر.
اختاره الله للرسالة وكلمه تكليمًا، وهو الذي كان يرى في نفسه نقصًا في البيان، لذلك دعا ربه: “واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي”.
لم تمنع تلك العقدة موسى من أن يكون نبيًا ورسولًا ومن أولي العزم، ولم تمنعه من أن ينال شرفًا لم ينله كثير من البشر؛ أن يكون كليم الله.
والأجمل أنه حين طلب العون لم يطلب مالًا ولا سلطانًا، بل طلب أخاه: “واجعل لي وزيرًا من أهلي هارون أخي”.
فاستجاب الله له وجعل هارون نبيًا معه. وربما كانت هذه أعظم هدية يقدمها أخ لأخيه؛ أن يكون سببًا في نبوته واصطفائه.
ثم عاد موسى إلى مصر التي خرج منها هاربًا، لكن هذه المرة عاد رسولًا يحمل رسالة الله إلى فرعون.
ومرت السنوات بالمواجهة والصبر واليقين، حتى وصل إلى اللحظة الأصعب: البحر أمامه وفرعون وجنوده خلفه.
قال الناس: “إنا لمدركون”.
أما موسى فقال: “كلا إن معي ربي سيهدين”.
هي نفسها الروح التي قالت يومًا تحت الشجرة: “رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير”.
وبين الدعاءين رحلة كاملة من عطاء الله: من الغربة إلى الأمان، ومن الحاجة إلى الكفاية، ومن الخوف إلى النصر، ومن ظل شجرة في مدين إلى طريق مفتوح في قلب البحر.
إنها قصة رجل أحسن التوكل على ربه، فكان الله معه في كل خطوة، حتى انتهت رحلته بخروج المؤمنين ونجاتهم، يوم عاشوراء، وغرق فرعون الذي ظن يومًا أنه لا يُهزم
إن ذكرى عاشوراء هي رسالة سنوية لكل موسى ولكل فرعون.





